السبت، 9 أبريل، 2011

كارل ليبكنخت والثورة الألمانية


يعد الاشتراكي الألماني ليبكنخت أحد أبرز الزعماء في تاريخ الحركة الاشتراكية وقد قضى معظم حياته على أقصى يسار الحزب الاشتراكي الألماني وقتل مع رفيقة نضاله، روزا لوكسمبورج، أثناء الثورة الألمانية في 15 يناير 1919.

برز ليبكنخت على الساحة العالمية مع بداية الحرب العالمية الأولي في أغسطس 1914 حيث كان الحزب الاشتراكي الديموقراطي، مثل الأحزاب الاشتراكية في أوروبا، قد وافق في مؤتمرات عديدة على معارضة هذه الحرب والدعوة إلى التحرك بالاشتراك مع العمال في البلدان الأخرى لمقاومتها، حتى أنه في 25 يوليو 1914 أصدر قادة الحزب بيانا إلى الطبقة العاملة جاء فيه: ".. إن الطبقات الحاكمة، التي تضطهدكم وتحتقركم وتستغلكم في أوقات السلم تريد الآن أن تستغلكم كذخيرة لمدافعها، يجب أن تدوي الصرخة في كل مكان في آذان الطغاة، نحن لا نريد الحرب، ليحيا الإخاء بين الشعوب.."

ومع ذلك صوّت الحزب في 4 أغسطس في البرلمان الألماني لصالح الحكومة في زيادة الاعتمادات الضرورية لتمويل الحرب. وقضي ليبكنخت ورفيقته في الجناح اليساري روزا لوكسمبورج شهورا ساخنة في محاولة عاجلة لتنظيم المعارضين للحرب من أعضاء الحزب. ففي 2 ديسمبر 1914 صوت البرلمان مرة أخرى على زيادة اعتمادات الحرب وفي هذه المرة نهض ليبكنخت وصوت ضد الحكومة ولكن جميع أعضاء الحزب الآخرين صوتوا لصالح الحكومة.

انتشرت أنباء معارضة ليبكنخت للحرب في أوروبا كلها وألهمت الاشتراكيين أمثال لينين والبلاشفة في روسيا الذين ناضلوا ضد الحرب وضد الطبقة الحاكمة في بلادهم. وفي بداية عام 1916 قرر ليبكنخت ورفاقه تكوين منظمة لتوحيد العناصر على يسار الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وأطلقوا على هذه المنظمة اسم سبارتاكوس، الذي قاد ثورة العبيد ضد روما في عصر الإمبراطورية الرومانية. وحتى يتم طرح السياسات الاشتراكية الأصلية كان لابد من الانشقاق الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وعندما انتقد ليبكنخت بعد ذلك بسبب تدميره ‘لوحدة’ الحزب أجاب: "الوحدة! من يمكن أن يستميت من أجلها أكثر منا؟ تلك الوحدة التي تمنح الطبقة العاملة القدرة على إنجاز رسالتها التاريخية. ولكن ليست كل وحدة تعني القوة، فالوحدة بين الذئب والحمل يجعل من الحمل وجبة شهية للذئب، فقط القوى التي تتحرك في نفس الاتجاه هي التي تتعزز بالوحدة، ونحن نسعى لتوحيد القوى التي تتحرك في نفس الاتجاه.."

ودعت عصبة سبارتاكوس إلى مظاهرة ضد الحرب في عيد أول مايو 1916، وشارك حوالي عشرة آلاف عامل فيها لتصبح أول مظاهرة حاشدة في مواجهة الحرب، وفيها تصدر ليبكنخت الجموع هاتفا: "تسقط الحرب! .. تسقط الحكومة!" فقبض عليه في الحال.

ووجهت لليبكنخت تهمة الخيانة وحكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة سنتين ونصف أمام المحكمة العسكرية، ولكن معارضة الحرب تزايدت وأضرب أكثر من خمسين ألفا من عمال الذخيرة في ذات اليوم. ومع استمرار الحرب تزايد الغضب والمرارة بين العمال والجنود بسبب تزايد الضحايا على الجبهة وتدهور مستويات المعيشة في الداخل، ففي أكتوبر 1918 بدأت أعداد هائلة من العمال تشن مظاهرات عفوية ضد الحكومة واضطرت الحكومة لإطلاق سراح ليبكنخت.

في نوفمبر 1918 أعلن جنود البحرية في مينائي كييل وفولهالم سهافن العصيان ضد ضباطهم وأشعلوا شرارة موجة من العصيانات والإضرابات في ألمانيا بكاملها، وانطلق مئات الآلاف من العمال إلى الشوارع، وعلى الجبهة ألقى الجنود بأسلحتهم ورفضوا القتال، وفي خلال أيام أُجبر القيصر على التنحي واستقالت الحكومة وأدت الثورة العمالية فعليا إلى إنهاء الحرب العالمية الأولى. وساعتها طُرح السؤال: من سيحكم ألمانيا الآن؟

لقد شكل العمال والجنود هنا وهناك مجالس ديموقراطية نظمت الإضرابات والعصيانات في كل منطقة، وفي مناطق عديدة بدأت هذه المجالس في السيطرة على بعض مهام الحكم وتوزيع الطعام وتحديد الأسعار. وتركزت السلطة بالضرورة في أيدي المجالس المنتخبة للعمال والجنود في أنحاء ألمانيا. ودعا ليبكنخت والسبارتاكيون إلى حل الدولة القديمة وسيطرة المجالس على السلطة في البلاد، ولكن لم يؤيدهم سوى آلاف قليلة، فبرغم أن ملايين العمال الذين كانوا من قبل يمنحون أصواتهم لأحزاب الطبقة الحاكمة توجهوا إلى اليسار، كان معظمهم يتطلع إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. وتطلع آخرون إلى مجموعة منشقة عن الحزب تدعي الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل كانت قد انفصلت عن الحزب في 1917. وبدورهم حرض قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي القيادات النقابية وكوادر الحزب على السيطرة على المجالس وناضلوا من أجل القضاء على الحركة وإعادة السلطة للبرلمان، بينما كان المستقلون يرون أن تستمر المجالس جنبا إلى جنب مع البرلمان وآلة الدولة القديمة، وشاركوا في تشكيل الحكومة مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

أكد ليبكنخت على ضرورة التغيير الجذري ودحض ببراعة قادة الحزب الاشتراكي الألماني: " لقد بدأت الثورة المضادة بالفعل، والخطر أصبح يهددنا ليس فقط من الدوائر التي سيطرت على السلطة حتى الآن، كبار الملاك والرأسماليين والإمبرياليين والملوك والأمراء والجنرالات، ولكن كذلك من الذين يؤيدون الثورة اليوم وكانوا حتى الأمس يعارضونها.."

ولكن لم يصدق غالبية العمال أن زعماء الحزب الاشتراكي الديمقراطي ذوي الشعارات اليسارية كانوا يريدون الإبقاء على الرأسمالية في السلطة، كما لم يكن لدى ليبكنخت القوة المنظمة الكافية.

كان الرأسماليون وزعماء الحزب الاشتراكي الديمقراطي يعرفون جيدا أن السلطة لا يمكن أن تقسّم بين العمال والبرجوازية، وتحركوا بسرعة لبدء المعركة قبل أن يستطيع الثوريون تعميق جذورهم داخل الطبقة العاملة.

وقد وقف الحزب الشيوعي الذي أسسه ليبكنخت ولوكسمبورج في يناير 1919 ضد محاولة ثورة كانوا يرونها سابقة لأوانها، ولكن غالبية أعضائه كانوا قليلي الخبرة ولم يستطيعوا تحقيق المعادلة الصعبة بالجمع بين المشاركة في الحركة مع الانتظار حتى يصبح اليسار بالقوة الكافية قبل الهجوم المباشر على السلطة. وحتى ليبكنخت أخذه الحماس وأصدر بيانا يدعو فيه للإطاحة بالحكومة، وبينما أقنعته روزا لوكسمبورج والقيادات الأخرى بخطأ موقفه أدى التخبط الذي كان قد حدث بالفعل إلى انعزال العمال الثوريين.

انتهت نضالات يناير بالهزيمة، فقد قامت الحكومة بتعبئة الجيش لقمع الانتفاضة، وبدأ زعماء الحزب الاشتراكي الديمقراطي قمعهم الدموي، ونشرت جريدة الحزب اليومية قصيدة تحرض على قتل ليبكنخت ولوكسمبورج ورفيقهم كارل راديك.

تم القبض على ليبكنخت ولوكسمبورج وأُخذوا للاستجواب حيث هشم الجنود رأسيهما بكعوب البنادق. وفي الأسابيع التالية تحرك الحكم لإعادة تأسيس الدولة بنفس الأشخاص الذين كانوا يديرونها قبل وخلال الحرب.

ولكن خلال السنوات الأربع التالية كان هناك العديد من انفجارات النضال العمالي، وقد وصل الكثير من العمال للاستنتاجات الثورية التي كان ليبكنخت يطرحها.

أدرك ليبكنخت في الليلة السابقة لاغتياله أن معركة يناير قد انتهت بالهزيمة، ولكنه كان يؤمن بأن النضال من أجل الاشتراكية لم ينته على الإطلاق، ودون في تلك الليلة أفكاره في مقال بعنوان ‘بالرغم من كل شئ’ وكان يتطلع لذلك اليوم الذي يدرك فيه جماهير العمال قوتهم الحقيقية وقدرتهم على إدارة المجتمع:

.. الذين هزموا اليوم قد تعلموا. لقد تخلصوا من وهم أنهم يستطيعون الاعتماد على قياداتهم. إن الدروس القاسية لهذا الأسبوع قد أكسبت شعار ‘تحرر الطبقة العاملة لا يمكن أن يحققه إلا نضال الطبقة العاملة نفسها’ معنى أعمق من ذي قبل.

نشرت في مجلة الاشتراكية الثورية - العدد 14 - فبراير 1996

هناك تعليق واحد:

111RIADI يقول...

تحية رفيقنا الكبير