الخميس، 10 يوليو، 2008

انتفاضة ١٨ و١٩ يناير بين الأمس واليوم



وائل جمال

ما أشبه الليلة بالبارحة. منذ ثلاثين عاما بالتمام والكمال وفي مساء يوم ١٧ يناير ١٩٧٧ وقف عبد المنعم القيسوني – نائب رئيس الوزراء ورئيس المجموعة الاقتصادية – أمام مجلس الشعب، ليعلن عن قيام الحكومة باتخاذ مجموعة من القرارات الاقتصادية "الحاسمة والضرورية" التي تهدف إلى خفض العجز في ميزان المدفوعات، وذلك تحت ضغط الصندوق والبنك الدوليين، ومن أجل توقيع اتفاق معهما. كانت المحصلة الرئيسية لهذه القرارات هي تحميل الفقراء من المصريين أعباء مالية تقترب من ٥٠٠ مليون جنيه سنويًا، تدفع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على شكل زيادة في أسعار جميع السلع الضرورية. باختصار، حدثت زيادة مباشرة في أسعار الخبز والسجائر البنزين والبوتاجاز والسكر والدقيق الفاخر والذرة والسمسم والحلاوة الطحينية والفاصوليا واللحوم المذبوحة والشاي والأرز والمنسوجات والملبوسات، بنسب تتراوح ما بين ٣٠ % إلى ٥٠ %. واليوم، وتحت مظلة نفس القرارات الحاسمة والضرورية لدفع الاستثمار وتخفيض عجز الموازنة، قلصت الدولة الدعم على مدى أكثر من عقد وتمضي قدما في تحرير خدمات الكهرباء والمواصلات والمياه وغيرها ملقية بعبء هائل إضافي على مستويات معيشة الفقراء المتدهورة أصلا. بل إن الصحف تنشر تقارير عن خطط مقبلة في الأسابيع القادمة لرفع سعر رغيف الخبز ليصل إلى عشرين قرشا.

في يناير ١٩٧٧ انفجرت انتفاضة جماهيرية هائلة على مدار يومين كاملين، وبامتداد جميع المدن الرئيسية في مصر، لتسبب ذعرًا هائلاً داخل السلطة الساداتية، اضطرها إلى التراجع السريع عن جميع قراراتها، واتخاذ مجموعة من التدابير القمعية. فقامت بفرض حظر التجول، وإنزال الجيش إلى المدن لقمع المظاهرات، بعد أن عجزت قوات الشرطة عن ذلك، وتم اعتقال المئات من الكوادر السياسية والآلاف من المتظاهرين. فما الذي يمكن أن يحدث الآن؟ هل هناك إمكانية لانتفاضة شبيهة؟ ولماذا لم تحدث على مدى سنوات حكم مبارك الأخيرة التي تجاوزت فيها سياسات الطبقة الحاكمة مستويات ١٩٧٧ بما لا يقاس؟



الرأسمالية والتوازن الطبقي

بينما خلقت الثلاثون عاما التي مضت منذ انتفاضة يناير العديد من الاختلافات في تركيب وموقع الرأسمالية المصرية في السوق العالمي، فإن هناك عددا من العناصر المتشابهة بشكل مدهش بين اللحظتين.

كانت اللحظة الأولى (يناير ١٩٧٧) هي لحظة بدء تبلور التحول من نظام رأسمالية الدولة إلى نظام السوق المفتوح بعد الفشل المبكر لمشروع رأسمالية الدولة، الذي بدأه عبد الناصر، على المستوى الاقتصادي والضربة القاضية سياسيًا لهذا النظام في يونيو ١٩٦٧ ثم حسم الخلاف داخل الطبقة الحاكمة حول منهج المضي قدما. هذا التحول كان مقترنا بتحول موازي في الرأسمالية العالمية التي شهدت رأسمالية الدولة فيها عموما (في الكتلتين الشرقية والغربية) أزمة عنيفة بعد كساد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو تحول تنامى حتى ذروته في الريجانية والتاتشرية مع نهاية السبعينيات. وبين ضرورات تجاوز الأزمة الاقتصادية وسعي البرجوازية المصرية لإعادة الوفاق مع قيادات التحول ممثلة في الإمبريالية الأنجلوفونية بقيادة الولايات المتحدة جاءت سياسات رفع الدعم وتحرير الأسعار.

والآن فإن برنامج الاندماج الذي كان في بدايته وقتذاك، ينفذ على قدم وساق بقيادة مجموعة من صقور اليمين. لكن المشكلة أنه غير ناجح. فالرأسمالية المصرية التي تأخرت كثيرا في إنجاز ما كانت تأمل فيه بالاندماج السريع في الرأسمالية العالمية (جزئيا بسبب ما حدث في ١٩٧٧) مازالت تجيء في الذيل رغم كل ما حققته في الثلاثة عقود التي تلت. وإذا كانت اللحظتان تتشابهان في أنهما شهدا بوادر نمو اقتصاد قوي (في ١٩٧٧ بسبب رفع عبء الحرب التي انتهت وبسبب تحويلات العاملين في الخليج، والآن بسبب ارتفاع أسعار البترول وقناة السويس مما وصل بمعدل النمو لتجاوز الخمسة في المائة لأول مرة منذ سنوات) فإن النمو في اللحظتين كان حكرا على البرجوازية وموجها بشكل حصري لأغراض التراكم.

ففي الفترة من ١٩٧٣ إلى ١٩٧٦ ارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة ٤٢ %، وخلال عام ١٩٧٦ وحده ارتفعت تكاليف المعيشة بنسبة ١١.٢ %. وتشير دراسة لمنظمةالعمل الدولية جرت عشية الانتفاضة إلى أن ٤٤ % من المصريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر مع تراجع نصيب الأجور في الناتج القومي في الصناعة منذ سنة ١٩٧٥ بشكل واضح. كما زادت الهوة بين الريف والمدن. فخلال الفترة من ١٩٦٦ / ١٩٦٧ إلى ١٩٧٨ ارتفعت تكاليف المعيشة في المدن بنسبة ١١٢.٦ % في حين كان الارتفاع في الريف ١٣٨.٤ %. وتفوقت أيضًا القاهرة على المدن الإقليمية في مجال الإنشاء والمساكن فحظيت بأكثر من نصف ما تم بناؤه في هذه الفترة.

والآن فإن تقارير مؤسسات كوحدة الاستخبارات الخاصة بمجلة الإيكونوميست البريطانية تؤكد على أن هناك إمكانيات للنمو الاقتصادي في مصر (صحيح أنه أقل من المستويات الإقليمية ومستوي النمو في الدول النامية عموما لكنه يزيد بالمقارنة بمعدلاته المصرية). إلا أن هذه التقارير التي ترصد مستويات المخاطرة تؤكد على أن العامل الأول في هذا الإطار هو الإحباط الاجتماعي الاقتصادي. وبرصد مستويات الفقر والتدهور في مستويات المعيشة فإن الأزمة في اللحظة الحالية أعمق بكثير في المدى الذي وصلت إليه. لكن هناك فارقا أساسيا هنا.



درس ٧٧

في ١٩٧٧ أقدم النظام بتهور شديد على القيام بهذه التحولات بنظام الصدمات الكهربائية، على الرغم من قيام مجموعة احتجاجات في مواقع عمالية مختلفة في عامي ٧٥ و٧٦ كان من المفترض أن تكون صفارات إنذار تردع النظام عن المضي قدمًا في هذا الاتجاه. ولكن استعصاء الأزمة وحتمية التحول، إلى جانب الغرور الذي انتاب السادات بعد حرب أكتوبر دفعته دفعًا للمضي قدمًا. لكن ما حدث في الانتفاضة ترك أثرا غائرا غير تكتيكات البرجوازية إلى الأبد. وهكذا، فعلى مدى عصر مبارك اتبع نظامه منهجا تدريجيا يمزج بين التمهيد وجس النبض وتمرير السياسات دون دعاية مسرحية كالتي حدثت وقت السادات. بل ومع تزايد ضرورات تسريع سياسات الخصخصة والتحرير الاقتصادي "النيوليبرالية" التي تتم الآن، فإن ذلك لا يتم دون دراسات معمقة حول أساليب التنفيذ وردود الفعل الجماهيرية. وأبرز مثل على هذا، ما قام به مركز دعم القرار بمجلس الوزراء (بالتعاون مع البنك الدولي) بخصوص رفع الدعم. حيث قام بعمل استقصاءات رأي وصياغة لعدد من الأساليب المختلفة، بل واقتراح تكتيكات متعددة للتعامل مع ردود الفعل المتوقعة. وحتى هذه اللحظة أثبت هذا الأسلوب نجاحا بالغا في حماية النظام من أي انفجارات مشابهة لسبعة وسبعين. لكن هل يمكن أن يضمن هذا الأسلوب نزعا دائما لفتيل الانفجار؟

الحقيقة أن أول العوامل التي يمكن أن تحدد الإجابة على هذا السؤال هو وضع الرأسمالية بمعيار ضرورات التراكم والمنافسة والاندماج، من ناحية، ومدى تماسكها وشرعيتها من ناحية أخرى. فكما كانت برجوازية ٧٧ مدفوعة ببرنامجها الجديد وبرغبتها في مهادنة سريعة مع الرأسمالية العالمية وبأزمة التحول من رأسمالية الدولة، فإن برجوازية ٢٠٠٧ مدفوعة بنهمها للتغلب على أزمة تأخرها عن منافسيها حتى في الشرق الأوسط. وإذا كانت معدلات النمو المصرية قد بدأت في الارتفاع توافقا مع المعدلات العالمية والإقليمية، فإن توقعات صندوق النقد تؤكد أن المعدلات العالمية قد تأخذ في الانخفاض بدءا من العام الجاري وذلك مع تراجع نمو الولايات المتحدة. ويتضاءل حجم كعكة الاستثمارات الأجنبية المباشرة مع تحولها لأن تصبح بالأساس عمليات اندماج واستحواذ على أصول موجودة بالفعل. وإذا وضعنا ذلك مع تراجع أسعار البترول الذي بدأ يحدث فعلا فإن ضغوط المنافسة الدولية ستزيد لتكشف عورات التراكم الرأسمالي في مصر(الممثلة في نقص الإنتاجية وضعف القدرة التنافسية الحقيقية وتضاؤل الاستثمارات المنتجة الجديدة). هذا الوضع يجعل إمكانية التراجع أضعف، وقد يفرض ضغوطا إضافية لدفع عمليات التحرير الاقتصادي على حساب الفقراء. وإذا كان هذا هو الوضع في الناحية الأولى، فالثانية أسوأ بما أثاره سيناريو التوريث وفشل النظام على مدى السنوات الماضية من تآكل عنيف حتى الجذور لأي شرعية للنظام والذي يبدو عقمه السياسي وعدم قدرته على استيلاد بديل مستقبلي واضحا للجميع.

لكن ذلك لا ينتج انتفاضة كيناير سبعة وسبعين من تلقاء ذاته. وإنما ينتج ذلك من وضع التوازن الطبقي عموما وحالة الحركة الجماهيرية المضادة.



غضب وجنين حركة عمالية

من الغريب أنه في سبعة وسبعين والآن يمكنك أن تلاحظ في الصحافة الرسمية وفي تصريحات المسئولين انفصاما تاريخيا مع واقع البشر على الأرض. ففي الحالتين ترصد الصحافة رخاءا وهميا لا يحس به أحد. وتتناقض هذه الحالة وقتها كما هو الآن مع تصاعد بذور حركة احتجاجية، خاصة في الساحة العمالية.

في ١٩٧٧ صاحب ذلك التدهور في الأحوال المعيشية صعود في الاحتجاجات العمالية الكبيرة خلال عامي ١٩٧٥ و١٩٧٦. ففي مطلع يناير ١٩٧٥، خرج عمال المصانع الحربية في حلوان في مظاهرات واسعة. وفي مارس حدث إضراب كبير في المحلة الكبرى. وخلال نفس العام حدث إضرابان مهمان بين عمال النسيج في الإسكندرية وعمال شركة الكابلات في شبرا الخيمة. وشهد عام ١٩٧٦ إضراب عمال النقل البري كما شهد إضرابا عماليا واسعا في مدينة كفر الدوار. وأيضًا اندلعت صدامات عنيفة بين الأهالي وقوات الأمن في كلا من مدينتي المنزلة وبيلا في نفس العام. ولم تستطع الوعود البراقة التي قطعتها الحكومة على نفسها في مطلع يناير ١٩٧٧ بتحسين الأحوال المعيشية – كما يظهر في عناوين صحف ذلك الوقت -، كبح جماح الغضب المتراكم في نفوس الجماهير العمالية على مدار السنوات السابقة. وكان طبيعيا في هذا الإطار أن تأتي شرارة الانتفاضة من العمال.

واليوم، يمكن رصد الصعود المتواصل لحركة الاحتجاج العمالي في السنوات الأخيرة والتي بدأت تأخذ في الشهرين الماضيين منعطفا جديدا بانتصار عمال المحلة والذي تبعه إضرابات واعتصامات منتصرة في ورش السكك الحديدية وللسائقين وأسمنت طرة ثم الإضراب التباطؤي الذي تعتم عليه الحكومة لمرشدي قناة السويس. ويتلو هذا التحول صعود حركات التغيير واحتجاجات غيرمعهودة فلاحية وفي أوساط مهنيي الطبقة الوسطى من أطباء ومدرسين وصيادلة بل والقضاة.

هذا الوضع يشير إلى أن لتكتيكات التدريج حدودا تجعل احتمالات انتفاضة جائعين جديدة في ألفين وسبعة قائمة لكن حدوثها ونجاحها يرتبط أكثر بعوامل الضعف التنظيمي التي كشفت عنها انتفاضة سبعة وسبعين.



اليسار والعفوية والحركة الاجتماعية

في يناير ٧٧ كانت الانتفاضة عفوية بالأساس برغم كل الاتهامات التي كالتها الطبقة الحاكمة في مصر للحركة الشيوعية وغيرها ممن وصفتهم بقوى محرضة وخالقة لها. وفي الغالب سيكون الأمر كذلك في الانتفاضة المنتظرة. هذا الطابع العفوي كان له دور هائل مع تراجع الحكومة السريع في عدم تطوير الأمور إلى ثورة اجتماعية وسياسية أكثر تجذيرا. والآن فإن أغلب هذه السمات مازالت موجودة إن لم تتطور للأسوأ. فالحركة العمالية بلا تنظيم نقابي ومعزولة عن بقايا القوى السياسية الموجودة وبالتأكيد عن تأثير اليسار. والقمع الذي كان سلاحا أساسيا لنظام السادات في إخماد الانتفاضة مازال موجودا ولا تتورع الطبقة الحاكمة عن استخدامه بأقصى صوره حينما تستدعي الحاجة.

وإذا كانت أغلب الكتابات اليسارية عن ٧٧ تحمل اليسار مسئولية فشلها مرتكبة بذلك خطأ الوقوع في استبدالية شديدة بتصور أن قلة تستطيع قيادة الحركة الجماهيرية المنفجرة بين يوم وليلة للانتصار، فإن دور اليسار برغم ذلك حاسم. فوجود يسار منظم ومصمم على الاشتباك مع جنين الحركة العمالية وواعي تماما بدوره، لا في تبوأ القيادة بشكل قدري رومانسي وإنما في القتال في صفوف الجماهير لتوسيع النفوذ والتأثير وتجذير الحركة، لا غنى عنه. وهي مهمة تفرض نفسها علينا الآن وحالا.


نشرت في جريدة الاشتراكي، العدد ١٥، يناير ٢٠٠٧



الأربعاء، 9 يوليو، 2008

More than opium: Marxism and religion


International Socialism
Issue: 119
July 08

By John Molyneux

http://www.isj.org.uk/index.php4?id=456&issue=119

Scarcely a day passes without a news item raising the alarm about alleged “hate preaching” imams, or a mosque being taken over by “fundamentalists”, or an opinion piece about the deeply flawed nature of Islam, or a radio discussion about whether “moderate” Muslims are doing enough to combat “the extremists” and prevent Muslim youth from being “radicalised”, or a TV programme on the plight of Muslim women, or a scare story about some stupidity committed in the name of Islam somewhere in the world.

الحرية مجرد كلمة أخرى

هل تعاني من ارتفاع الأسعار؟ هل انخفض راتبك أو لم يعد قادرا على شراء احتياجاتك؟ هل استغنى عنك صاحب العمل بعد أن انهارت شركته، أو تداعي مصنعه أمام المنافسة الدولية والمحلية مع الكبار؟ أو خرجت على المعاش المبكر بعد بيع المصنع للمستثمر الخاص؟ هذا هو الثمن الذي يقول أنصار ما يسمى بالليبرالية الجديدة، مذهب حرية السوق، الذي انتشر في سنوات قليلة ليسيطر على برامج حكومات العالم بأسره، إنه ضروري من أجل حريتك الفردية! لكن كيف ظهرت الليبرالية الجديدة؟ وكيف انتشرت في العالم كله لتصبح جزءا من المنطق العام للأمور؟ ولماذا تتناقض، وهي التي تدافع عن حرية الأفراد مع حرية مئات الملايين في الحصول على حياة أفضل؟ الإجابة يقدمها الاقتصادي البريطاني المرموق ديفيد هارفي أستاذ الأنثربولوجي بجامعة سيتي في نيويورك من خلال كتابه "التاريخ المختصر لليبرالية الجديدة"، والذي صدر مؤخرا في طبعته الشعبية في بريطانيا.

لم يعد من شك، وليس فقط من خلال الجدل الإيديولوجي، أن سياسات الليبرالية الجديدة، بما تحث عليه من فتح للأسواق وانسحاب للدولة من الساحة الاقتصادية الاجتماعية وإعطاء الأولوية للاستثمار العالمي والمحلي، قد أنتجت عالما زاد فيه التفاوت في الدخول بشكل تاريخي. وتؤكد دراسات أكاديمية مبنية على بحوث مسحية على اقتران البرنامج الليبرالي الجديد بعملية فرز طبقي عميقة. في الولايات المتحدة مثلا، قفز نصيب أغنى واحد في المائة من السكان من الدخل القومي من ثمانية في المائة مع نهاية الحرب العالمية الثانية إلى خمسة عشر في المائة حاليا وهو في ازدياد مستمر. هذا بينما ارتفع متوسط دخل كبار موظفي الشركات من ثلاثين ضعف دخل العامل العادي إلى خمسمائة ضعف في نفس الفترة. وهذه ليست ظاهرة أمريكية إنما يمكن تعميمها عالميا، وحتى في مصر التي صار كبار رجال الأعمال يحصدون ثمار نموها الاقتصادي تاركين لعمالها وفقرائها التضخم والبطالة وانهيار الخدمات.

هذا هو جوهر الأمر بالنسبة لهارفي وليس مجرد عرض لليبرالية الجديدة. فهناك اتجاهان عادة ما يهيمنان على تفسير ظهور الليبرالية الجديدة كتيار مسيطر في الفكر والممارسة الاقتصاديين بدءا من السنتين السحريتين 78-1980. الأول، ينطلق من قوته النظرية وارتكازه على قضية الحرية التي أعطته تفوقا على سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى بعد فشلها في التعامل مع الواقع. والثاني، يعطي العامل الدولي ممثلا في الولايات المتحدة الفضل الرئيسي في نشره وتعميمه بالقوة حينا وبالدعاية والترويج حينا آخر، بالقوة العسكرية تارة (كما حدث في شيلي السبعينيات)، وبلي الذراع اقتصاديا عبر المؤسسات الدولية كالبنك والصندوق الدوليين تارة أخرى. لكن هارفي لا يرى في أي من التفسيرين الغنى الكافي لفهم انتشار الليبرالية الجديدة.

فهو من ناحية يشير عن حق إلى وجود هذه المدرسة الفكرية، مدرسة الليبرالية الجديدة، لسنوات قبل أن يتحول فكرها إلى برنامج العمل المعتمد للرأسمالية، وذلك من خلال ما سمي بجمعية مونت بيليرين التي أسسها الاقتصادي النمساوي فريدريك فون هايك وضمت معه ميلتون فريدمان، الذي سمي بأبي الاقتصاد الحر وكان المرتكز لمجموعة أخرى في جامعة شيكاغو سميت بأولاد شيكاغو. فهي لم تكن كشفا نظريا جديدا أغرى العالم بإتباعه. الأكثر من ذلك، هو أن هذه المدرسة النظرية متناقضة في تطبيقها العملي في نواح متعددة. فهي وإن كانت تطالب بانسحاب الدولة من الاقتصاد، لا تمانع أبدا، في التطبيق العملي، في احتضان الدولة للرأسماليين سواء كذراع لفرض مصالحهم بالقوة في الساحة الدولية أو حتى كحضانة داخلية يكبرون فيها تحت مظلتها. وفي مصر نرى بوضوح كيف يعتبر الليبراليون الجدد في الحكم دعم الفقراء فيما يخص الطاقة معركة حياة أو موت بينما دعم مصانع الكبار بالغاز الطبيعي أمر غير مطروح. الدولة تصبح في ظل الليبرالية الجديدة حكرا على البرجوازية.

ومن ناحية أخرى، وكما انتشرت الليبرالية الجديدة في مناطق مختلفة من العالم عبر سياسة مقصودة تقودها الولايات المتحدة‘ فإن هناك جانبا طوعيا واضحا في هذا الانتشار يؤكد المصلحة المحلية الواضحة في ذلك.

بالنسبة لهارفي، الليبرالية الجديدة ليست مجرد تيار فكري ولا مؤامرة أمريكية، وإنما مشروع سياسي اقتصادي متكامل الغرض منه استعادة السلطة الاقتصادية الطبقية. لهذا ترتبط التاتشرية والريجانية واللتان دشنتا العصر النيوليبرالي بالنقطة التي وصلتها الرأسمالية في منتصف السعينيات بضرورة مراجعة الصفقة التاريخية التي عقدتها الرأسمالية في أعقاب الحرب العالمية فيما سمي بدولة الرفاه. في هذه الصفقة قررت الطبقات الحاكمة المشاركة بنصيب أكبر من الثروة مع العمال في أوربا المتقدمة. وطالما كان النمو في ازدياد، وهي سمة للثلاثة عقود التي أعقبت الحرب، لم تكن هناك مشكلة إذ أن الكعكة كلها تزيد. لكن مع عودة الاقتصاد العالمي للأزمة في السبعينيات بدأ نصيب الأكثر دخلا من الكعكة يتراجع بتراجع الكعكة وكان لابد من حل يسمح بعودة التراكم الرأسمالي مرة أخرى لمعدلاته المقبولة. وكان الحل عبر هذه السياسات التي تعطي الأولوية وتعيد السلطة الاقتصادية كاملة للطبقات الحاكمة.

ولاينسى هارفي أن يؤكد على أن هذه العملية لم تعن أن السلطة عادت لمن كانوا أصحابها من قبل. فهي وإن كانت تعني استعادة السلطة الاقتصادية الطبقية فإن هذا لا يستلزم أنها تقوم بذلك لصالح نفس الأشخاص. إذ في حالات كثيرة أعادت الليبرالية الجديدة تشكيل هذه الطبقة الحاكمة مرة أخرى. في بريطانيا مثلا، انحازت مارجريت تاتشر بوضوح ضد التقليد الارستقراطي الذي سيطر على الجيش والقضاء والمركز المالي في لندن وبعض القطاعات الصناعية لصالح الرواد الاقتصاديين الجدد والأغنياء المحدثين. وفي مصر يمكن أن نرى كيف خلقت الليبرالية الجديدة، التي تتسارع خطوات برنامجها على يد حكومة نظيف وصقورها، من أتباع إجماع واشنطن وأولاد شيكاغو، برجوازية جديدة. وفي هذا الحال لا يجب أن ننخدع أبدا بالحرب التي يشنها هؤلاء على البيروقراطية القديمة لصالح الرأسماليين الجدد من نوعية أحمد عز ومحمد أبو العينين.

يعيد هارفي اكتشاف الطبقة كفاعل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في عصر الليبرالية الجديدة. ويكشف طبيعة الحرية التي تكفلها:"حرية للنخب التي تعيش مرتاحة في جيتوهات معزولة، وحرية وحقوق لهؤلاء الذين لا تحتاج متعتهم وأمنهم وثروتهم أي توسيع". حرية للقلة القليلة التي ترى وحدها في عالم الليبرالية الجديدة عالما أفضل تاركة لنا الشقاء والفقر والتعاسة.