الأربعاء، 18 يناير 2012

الحكومة المؤقتة تقترض أربعة أضعاف متوسط الاقتراض الخارجي أيام مبارك

الحملة الشعبية لاسقاط ديون مصر - 18 يناير 2012




عاد قرض صندوق النقد الدولي ليتصدر المشهد من جديد بعد رفضه منذ شهور قليلة بحجة احتوائه على مشروطية لم يتم الكشف عنها أبدا. وعادت نفس الوزيرة-السيدة/ فايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي والتخطيط-التي سبق لها الرفض تتحدث عن "مشاورات إيجابية" مع الصندوق مؤكدة عدم وجود أية مشروطية، وعادت تقول إن المفاوضات ضرورية لاقتراض نحو ثلاثة مليارات دولار لدعم الموازنة بعد شهور قليلة من قولها إن مصر ليست بحاجة لقروض تدعم الموازنة بقدر حاجة الاقتصاد لقروض تضخ بهدف الاستثمار والتوسع في خلق الوظائف، واليوم تتحدث عن الاقتراض لسد العجز رغم أن هذا لا يخدم بشكل مباشر جهود التعافي الاقتصادي وتوليد النمو وخلق فرص العمل.
فلماذا تم رفض القرض من قبل رغم أن التصنيف الائتماني للبلاد كان أفضل حالا، والقدرة من ثم على التفاوض مع صندوق النقد، الذي دوما ما يتيح الإقراض منخفض الفائدة، بشروط اقتصادية-وربما سياسية-؟ ولماذا يعاد التفاوض حول القرض نفسه اليوم ومصر في موقف تفاوضي صعب مع تردي الحالتين السياسية والاقتصادية؟ وعلى من تقع مسئولية هذه التخبط وغياب الرؤية؟
إن صندوق النقد الدولي كان حاضرا طوال العقدين الأخيرين في رسم وتطبيق سياسات البلاد المالية والاقتصادية بما عاد على غالبية المواطنين المصريين بتردي مستويات المعيشة وارتفاع معدلات الفقر وتدهور الخدمات العامة والتنمية الإنسانية بشهادة تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتمخض عن السياسات المدعومة من صندوق النقد الدولي إعادة توزيع الداخل من الأفقر للأغنى، وتخفيض الإنفاق العام على الخدمات الصحية والتعليم للغالبية من السكان. واليوم تعود الحكومة للتفاوض معه مجددا بحجة بلوغ العجز في الموازنة حدا لا يطاق. وكان الأجدر بالحكومة أن تراجع الموازنة العامة بعد الثورة كي تتدارك العجز، وتعيد هيكلة الموازنة لرعاية مقتضيات العدالة الاجتماعية والتنمية الإنسانية بدلا من الاستمرار في نفس سياسات النظام السابق ووزير ماليته بتخصيص ما يربو عن 19% من إجمالي الإنفاق العام لدعم المحروقات التي يذهب جلها لأصحاب رأس المال ولا تفيد الفقراء شيئا، وذهاب خمس آخر لخدمة الدين العام في مقابل الثبات الحقيقي لأنصبة الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي.
إن المشكلة أكبر من مجرد رفض أو قبول الاقتراض من صندوق النقد الدولي، إن المشكلة سياسية بامتياز تتمثل في غياب المشاركة الشعبية والشفافية عن الموقف الاقتصادي في مصر، وتعمد السلطة الانتقالية استخدام البيانات الاقتصادية الشحيحة لخدمة أغراضها السياسية تارة بإخافة الجمهور من الثورة وتارة أخرى برسم صورة وردية لاقتصاد البلاد.إن ثمة استثمارا في غياب الشفافية ونقص البيانات بل والتلاعب فيها من جانب الحكومة ومن يقودها. ثم إن هناك مشكلة أكبر تتمثل في قانونية وشرعية عقد حكومة انتقالية غير منتخبة، بل ويغلب على أعضاء فريقها الاقتصادي صفة الانتماء للنظام السابق ولحزبه المنحل ولبرلمانه المزور، عقد مثل هذه الحكومة لقروض ضخمة ترتب أعباء على الأجيال القادمة دون تفويض شعبي ولا رقابة برلمانية حقيقية ولا حتى الحد الأدنى من الشفافية لإطلاع الرأي العام المصري على الالتزامات التي ستلقى على عاتقه من حكومة انتقالية زائلة. وينسحب الأمر نفسه على كافة الالتزامات الدولية التي وقعتها الحكومة المصرية بعد سقوط نظام مبارك، والتي غابت عنها شروط الإفصاح والشفافية سواء في مبالغها أو في مصادرها.
وقد رصدت الحملة الشعبية ارتفاع حجم الدين الخارجي من 35 إلى 36.2 مليار دولار خلال السنة الماضية بواقع 1.2 مليار-طبقا للإيكونوميست حيث تغيب البيانات الرسمية!- وهي قروض تم عقدها بالفعل في ظل الحكومات المؤقتة دون تفويض شعبي ولا شرعية سياسية، وحتى دون إفصاح.
وتذكر الحملة الشعبيةلإسقاط ديون مصر بأن شروط الدين الكريه قد تتحقق في قرض صندوق النقد من حيث كون الحكومة غير ممثلة للشعب الذي تتفاوض باسمه، وبحكم معرفة الجهة المقرضة بأن الحكومة الحالية مفتقدة للشرعية. وفي حال عقدت الحكومة القرض الجديد مع صندوق النقد الدولي بمبلغ 3.2 مليار دولار تتجاوز حصيلة الاقتراض في سنة واحدة 4 مليارات أي أربع أضعاف متوسط الاقتراض الخارجي في ظل حكم مبارك! وهو عبء سيتحمله الشعب المصري لسنوات طوال، وسيعاني منه البرلمان والحكومة المنتخبين سريعا.
وفي ضوء تجربة مصر الماضية غير الموفقة مع شروط وسياسات صندوق النقد الدولي، فإن الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر لا تزال على موقفها ضد عقد القرض مع الصندوق، وترى ضرورة استعراض البدائل الأخرى لعلاج العجز في الموازنة. كما تدعو الحملة الحكومة المؤقتة إلى إتاحة المعلومات والبيانات الكاملة والتامة عن الوضع الاقتصادي للبلاد بما في ذلك حجم الاحتياطي الأجنبي بدقة، وحجم العجز في الموازنة، والأسس الاقتصادية التي تم عليها اتخاذ قرار الاقتراض من الخارج، وما إذا كان هناك مشروطية اقتصادية أو سياسية للاقتراض من صندوق النقد. وتنادي بإشراك البرلمان المنتخب فورا وبدون تأخير ولا تباطؤ في مراجعة اتفاق القرض والنظر في الموافقة عليه من عدمه بدلا من المجلس العسكري، وذلك أضعف الإيمان.

وستعقد الحملة مؤتمرا صحفيا يوم السبت 21 يناير عن الموضوع في مركز البدائل العربي شقة 4 ـ الطابق الرابع ـ 5 شارع المساحة ـ الدقي ـ القاهرة

الاثنين، 16 يناير 2012

إذا قلت الرأسمالية.. فقد قلت الفساد

الصلات القذرة بين الرأسماليين والدولة
سيمون باكستر



من الرابح؟!
في انتخابات الكونجرس الأخيرة في الولايات المتحدة (الأمريكية)، حصد المرشحون الذين نجحوا في جمع أموال أكثر من خصومهم كل المقاعد (التي يبلغ مجموع عددها 469) فيما عدا تسعة وعشرين مقعدًا فقط. ووفقًا للودفريك كوك أحد رؤساء (شركة) الاتصالات العملاقة "جلوبال كروسينج"، والذي أعطى مرشحي الحزب الجمهوري 361500 دولار: "إذا كنا سنتنافس، فلا بد أن يكون صوتنا مسموعا.. أنا لا أقدم اعتذارًا على نجاحي في الوصول لهدفي!" وعلى جانب آخر، فلأن صناعة المقاولات تسعى إلى إلغاء لوائح عمل العمال من أعضاء النقابات، فقد أعطت جمعيتان لشركات المقاولات مليوني دولار لجورج بوش الابن.
(وفي سياقات مشابهة)، بينما كان (الوزير البريطاني) بيتر مندلسون ينفي عن نفسه تهمة استخراج جواز سفر لأسرة هندوجا الثرية، كانت المظاهرات الجماهيرية – التي تجمعت عند نصب حركة 1986 الاحتجاجية التي أسقطت الديكتاتور الفاسد عميل الولايات المتحدة فرديناند ماركوس – تفرض استقالة رئيس الفلبيين جوزيف استرادا المتهم بتلقي ملايين الدولارات في الخفاء من ريع القمار غير القانوني ومن الصفقات المصرفية المشبوهة.
من بيرو إلى الهند إلى أيرلندا.. تمثل فضائح الفساد جزءًا ثابتًا من الحياة السياسية. فلقد كان السؤال عن الكيفية التي استطاع من خلالها سوهارتو – الرئيس السابق لإندونيسيا – أن يراكم هذا القدر الهائل من الثروة، واحدًا من الأسباب الرئيسية وراء المظاهرات التي أزاحته من السلطة في عام 1998. وفي العام الحالي أيضًا، تظاهر الآلاف مرة أخرى أمام قصر الرئاسة في جاكرتا، حيث تكشف أن خليفة سوهارتو – (عبد الرحمن واحد) – نصاب هو الآخر.
أطلق آل كابوني (رجل العصابات الشهير) ذات مرة على الرأسمالية لقب "المبتز الشرعي للطبقة الحاكمة".. وقد كان محقًا في ذلك! إذ أن البنك الدولي يقدر أن حوالي 80 مليار دولار تنفق سنويًا على الرشاوى. ففي إندونيسيا، تشكل الإكراميات التي يدفعها أصحاب الأعمال اتقاء لتدخلات موظفي الدولة – ويطلق عليها "بانجلي" – حوالي خمس مصاريف التشغيل. أما رجال الأعمال الألمان، فيقدر ما يدفعونه للظفر بعقود خارج بلادهم بما يتجاوز 3 مليار دولار سنويًا. وفي تجارة السلاح الدولية – وهي على الأغلب أقذر تجارة في العالم – يتم دفع ما يقرب من عشر قيمة المبيعات في صورة رشاوى. وحسب بعض التقديرات، تشكل المدفوعات تحت الترابيزة في اتفاقات السلاح ما يصل إلى 40 %.
وبالرغم من كل ذلك، يتم تصوير الفساد على أنه مجرد ثمرة منفردة متعفنة. وعلى وجه أخص، ينظر للفساد على أنه مشكلة للبلدان النامية فقط.. مشكلة تخص الرأسمالية العتيقة التي تحتاج للتحديث وفقًا لأجندة الليبرالية الجديدة.
(على أن الحقيقة هي أن) الولايات المتحدة أقرت قانون "أنشطة الفساد الخارجية" الذي تؤثم بمقتضاه رشوة الشركات الأمريكية للمسئولين الأجانب. من ناحية أخرى، تفرض اتفاقية عن الرشوة وقعتها كافة الدول أعضاء منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OECD (وهم فيما بينهم يتحكمون في معظم التجارة الدولية)، إلى جانب خمسة دول أخرى من غير الأعضاء؛ نقول تفرض هذه الاتفاقية اعتبار رشوة أي مسئول أجنبي للظفر بأي استثمار أو للحفاظ عليه، أو غير ذلك من أشكال المزايا غير السليمة، جريمة. وبالرغم من أن العقوبات في ظل القانون الأمريكي لمكافحة الرشوة تبدو مشددة – حيث تنص على غرامات بالملايين العديدة بالإضافة لعقوبة الحبس – إلا أننا نجد أنه في المتوسط لا تحوّل للمحاكمة فعليًا إلا قضية واحدة سنويًا.
وفي الواقع، فإنه يمكننا اعتبار حملات مكافحة الفساد تكافح الفساد فعلاً، بمقدار ما يمكننا اعتبار الحرب ضد المخدرات تسعى فعلاً إلى إيقاف تعاطي الكوكايين! إذ أننا نجد أن حزم الإصلاحات (الاقتصادية) المطروحة من جانب صندوق النقد الدولي تحتوي في باطنها على تخفيضات مدمرة للإنفاق، وذلك تحت غطاء حملات مكافحة الفساد. تربط (هذه الحزم الإصلاحية) بين المساعدات الممنوحة للبلدان الفقيرة وبين درجة استعداد هذه البلدان لتحقيق (ما يطلق عليه) "حكم جيد". وفي حين يخلق فتح (أبواب) اقتصاد ما للشركات عابرة القوميات فرصًا للفساد، فإن الإصلاحات التي يلح المجتمع الدولي (كما يطلق عليه عادة) من أجل تحقيقها تشجع هذا الفساد بفاعلية. فلقد تحولت الخصخصة في روسيا إلى عربدة من الصفات بين "الأحباء". وعندما نقلت كل من الهند وتايوان – في ظل الثناء من جانب أنصار "الحكم الجيد" في صندوق النقد الدولي – السلطات من حكومات مركزية إلى حكومات إقليمية، تضاعفت فرص تلقي الرشاوى بشكل هائل.

صلات قذرة:
علاوة على ذلك، ففي حالة منظمة التجارة الدولية، تمثل عبارات الإطراء والمداهنة غطاء للنفاق أيضًا. فبينما كانت الاحتجاجات تأجج خارج مقر اجتماع المنظمة في سياتل في ديسمبر 1999، كان ثمة وجه من أوجه المنظمة يتم إغفاله غالبًا. حيث منحت "اللجنة المضيفة" في سياتل للشركات الكبرى فرصة اللقاء مع المسئولين الحكوميين في مقابل (ما يسمى بـ) رسوم الرعاية. استهدفت "اللجنة المضيفة" – التي كان رؤساؤها المتشاركين هم بيل جيتس من ميكروسوفت وفيل كونديت من بوينج – جمع 9.2 مليون دولار من القطاع الخاص. وبينما أعطى المانحون فرصة اللقاءات بالسياسيين، فإن أسمائهم بالطبع ظلت سرية. ولقد كانت هذه أول مرة يتم فيها تمويل اجتماع لمنظمة التجارة العالمية بواسطة القطاع الخاص. على أن رعاية رجال الأعمال للاجتماعات الحكومية الدولية أصبحت الآن ممارسة معتادة. فمنذ 1997 يوجد رعاة لكل اجتماعات الدول الصناعية السبعة الكبرى (التي أصبحت الآن الدول الصناعية "الثمانية" الكبرى)، وكذلك الأمر مع عدد من مؤتمرات الناتو.
وربما كانت "منظمة الشفافية الدولية" هي أكثر لوبي في مجال مكافحة الفساد شهرة. إذ تزداد الدعاية عامًا بعد عام حول مؤشرها للفساد الذي تصنف فيه البلدان طبقًا لمستويات الفساد. وكون "منظمة الشفافية" تعد قياساتها على أساس مسح عشوائي إلى حد ما لرأي مجتمع الأعمال، بالإضافة إلى أنها لا تذكر بالاسم الشركات التي تمارس الرشوة، هما أمران قد لا يوحيان بالثقة. ولكن الأمر الأكثر إثارة للريبة بكثير هو المنظمة في حد ذاتها. فقد تأسست هذه المنظمة في عام 1993 على يد بيتر إيجن، وهو أحد المديرين التنفيذيين في البنك الدولي. وتبلغ ميزانيتها مليونين ونصف من الدولارات. يأتي ثلث تمويل المنظمة من مؤسسات دولية كـ"البنك الدولي". بينما يأتي ثلث آخر من الشركات العملاقة مثل "جنرال إليكتريك" التي أدينت هي ذاتها بالرشوة. ووفقًا لإيجن: "لسنا ناديًا للملائكة.. كثيرة هي الشركات التي تريد إيقاف الرشوة، لكنها لا تعرف كيف تفعل ذلك نظرًا للخوف من أن تخسر مصالحها أمام منافسيها الذين سيواصلون دفع الرشاوى، ذلك أن أحدًا لا يريد أن يكون هو البادئ (بإيقاف الرشاوىى).
(الحقيقة هي أن) الفساد هو النتيجة المنطقية للطريقة التي ينظم بها المجتمع. فبينما يقدم مجتمع الأعمال على أنه مجرد جماعة ضغط كغيرها تدخل ميدان السياسة (كطرف) متساو مع من تتفوق عليهم اقتصاديًا بشكل ساحق، فإن الحقيقة هي أنه لأن البيزنيس يدار بالمدفوعات (وبالأموال)، فإن هذه الطريقة ذاتها هي التي يمارس بها مجتمع الأعمال السياسة. ولأن الرأسمالية مبنية على التنافس، فإن هذا يخلق ضغطًا على أي شركة حتى تطور علاقات وثيقة مع الدولة. هذا الأمر يعني أيضًا ضغطًا لإزاحة الآخرين للحصول على امتيازات تفوق ما يحصل عليه بقية المنافسين. وغالبًا ما تكون الوسائل المستخدمة سرية وماكرة، وتقف عند الهامش بين ما هو شرعي وما هو مؤثم.
فعلى سبيل المثال، في وكر المقامرة المسمى بالبورصة يكون الغش مؤديًا للغضب، ولكن المبادلات الخفية تكون مربحة! ففي دراسة شملت 172 حالة اندماج داخل البورصة الأمريكية، تبين وجود اتفاقات على طريقة البيزنيس الخفي في 172 حالة!
والفساد ليس قاصرًا على العالم النامي فقط، ولكنه أيضًا سائد في مركز النظام. في آسيا يلقى باللائمة في حالات الفساد على اختلاف نظم القيم، بينما يصرف النظر عن الفساد في إيطاليا بزعم ضعف ديمقراطيتها. ولكن (ماذا عن ألمانيا؟). فبعد اعترافه بتلقي هبات سرية بالملايين، تم تحويل هيلموت كول – مستشار ألمانيا لمدة 16 عامًا – للتحقيق الرسمي، مما جعل الصحافة الألمانية تلقبه بدون كورليون (في إحالة ساخرة إلى "دون كورليوني" زعيم المافيا في فيلم مارلون براندو الشهير "الأب الروحي"). وفي فرنسا، كشفت فضائح شركة النفط الحكومية ELF عن تورط شخصيات عالية المستوى، بما في ذلك وزير الخارجية الأسبق رولان دومًا.
(وفي بريطانيا)، فإن لهاث (الحزب الحاكم) حزب العمال الجديد للحاق بقطار الكسب غير المشروع قد صار هو القاعدة ولم يعد استثناء عابرًا. كان قبول مندلسون لقرض قوامه 373000 جنيهًا إسترلينيًا من (الرأسمالي) جيوفري روبنسون، بالإضافة إلى المنحة المقدمة لحزب العمال من (رجل الأعمال) برني إكلستون، مؤشران على المدى الذي غاصت فيه أقدام الحزب في أوحال نفس الأسلوب الذي يعمل به النظام كله.
علاقة (رجال حزب العمال) بأسرة هندوجًا فقط أعادت للأذهان الممارسات المماثلة لدى المحافظين. فقد منح أصيل نادر – وهو رجل أعمال هرب لاحقًا من بريطانيا تفاديًا لإدانته – 440000 جنيهًا إسترلينيًا للمحافظين. أما أسرة ما سيكشون – التي فرت من هونج كونج لتفادي تهم بإدارة أنشطة المخدرات – فقد دفعت (لهم) مليون جنيهًا إسترلينيًا. (حقًا) عندما يكون المرء في السلطة، فإنه يحصل على أصدقاء من مواقع منحطة!
"إننا نبني علاقة"، هكذا شرح الأمر دان شاينمان – وهو نائب رئيس بشركة سيسكو سيستمز (الأمريكية) – لجريدة وول ستريت الاقتصادية لتفسير قيام رئيسه (جون تشامبرز) بدفع 582933 دولارًا أمريكيًا لمرشحين لوظائف فيدرالية، ولأحزاب هؤلاء المرشحين. (وفي الحقيقة) فإن المساهمة بالمال تمثل جزءًا من العلاقة (بين الرأسماليين والسلطة). ولكن على وجه العموم، فإن الأمر يدور حول تخفيض الضرائب، القواعد المنظمة (للأنشطة الاقتصادية)، الأجور، ودعاوي التعويضات: "لا أرى فارقًا بين الجمهوريين والديمقراطيين"، هكذا صرح أحد المصرفيين الذي أعطى 107000 دولارًا للجمهوريين في شكل منح. وأضاف (هذا المصرفي): "كلا الحزبين من أنصار البيزنس، وهذا هو ما يهمني".
(نلاحظ هنا) أن التقديرات السابق ذكرها لا تتضمن ما يطلق عليه "الأموال الخفيفة" الخاصة بالجماعات المعفاة من الضرائب. إذ تسمح ثغرة بالقانون لتلك الجماعات بعدم الكشف عن مساهماتهم أو مصروفاتهم. جزء كبير من الدعم الآتي (للجموريين) من شركات الدواء كان مقدمًا من جماعة تابعة للحزب الجمهوري تدعى "مواطنون من أجل رعاية صحية أفضل" أنشأها صناع الدواء وحلفائهم. وبعض من أنصار بوش الآخرين يتضمون "قادة البيزنس المدافعون عن الأولويات المعقولة" و"إنقاذ الأسر الأمريكية يوميًا" و"جمهوريون من أجل الهواء النقي".

الغضب ضد النظام:
حين رفع بوش إصبعيه في عيني العالم معلنًا أنه لن يلتزم ببروتوكول كيوتو حول ارتفاع درجة حرارة الأرض الموقع من قبل الولايات المتحدة ذاتها في 1997، فقد كشف هذا عن تأثير دعم البيزنس للديمقراطية. فمنذ قدومه إلى السلطة، نبذ بوش المعايير الجديدة المحددة لكميات الزرنيخ في مياه الشرب، كما سمح لشركات التعدين بتجاهل غرامات تخريب البيئة. ليس غريبًا إذن أن يكون بوش ونائبه ديك تشيني قد تلقيا 47 مليون دولار من شركات الطاقة من أجل حملتهم الانتخابية.
أما مستشارة بوش للأمن القومي فهي كوندوليزا رايس المديرة السابقة لمؤسسة شيفرون للنفط، والتي توجد ناقلة بترول باسمها. أما أكبر مناصري بوش في أوساط الشركات العملاقة فهي شركة "إنرون كورب" التي تعمل في مجال توريد الطاقة والتي أعطت حملته الانتخابية مليون دولار. وحين كان حاكمًا لولاية تكساس، حرص بوش على أن تكون "إنرون" واحدة من ضمن 26 شركة معفاة من الخضوع لقوانين الهواء النقي. وأخيرًا، (يأتي) جيل نورتون وزير الداخلية الذي كان ممن يقومون بأعمال اللوبي لشركة "ناشيونال ليد"، والذي شارك في تأسيس جماعة "جمهوريون للدفاع عن البيئة" المدعومة من "المجلس القومي للفحم" و"جمعية الصناعات الكيميائية" و"الجمعية القومية للتعدين" و"المجلس الكيميائي للكلور".
إن أعمال اللوبي (والضغط) تمثل ببساطة الفساد منظمًا بشكل جيد. كلنا يذكر (قصة) الألفي جنيهًا إسترلينيًا المعطاة مقابل كل سؤال لأعضاء البرلمان من المحافظين. أما الأمر الذي نذكره بدرجة أقل فهو أنه تقف وراء المظاريف البنية (وهي مظاريف العطاءات الحكومية) شبكة للبيزنس على النطاق الكبير تدفع أموالاً ضخمة لخلق لوبيات تدافع عن مصالحها. هناك حوالي 40000 شخص يقومون بأعمال اللوبي في مدينة واشنطن، وعدد آخر مماثل (يلتف) حول منظمات الاتحاد الأوروبي. ولا ينبغي أن يوحي ذلك بأن العلاقات (بين اللوبيات وبعضها، وبينها وبين الدولة) تسير بالضرورة بشكل سلس. ففي سياق الإعداد لحملة الانتخابات الأمريكية، دُفعت أموال من جانب شركات الأدوية المتخصصة في المنتجات ذات البراءات المسجلة، ومن جانب شركات أدوية أخرى تتركز أرباحها في المنتجات ذات العلامات التجارية العامة. ولكن لأن صناع الأدوية المسجلة لهم جيوب (نفوذ) أعمق، فلذلك كان لهم تأثير أكبر. وهذا يرينا أنه في داخل كل دولة يوجد رجال أعمال مختلفون لهم مصالح مختلفة. وهذا هو أحد أسباب نمو الفساد: المصالح المختلفة لرجال الأعمال المتنافسين على تحقيق أهدافهم. وهذا معناه أنه بالرغم من كون الفساد أمرًا منطقيًا، إلا أنه ليس دائمًا مفيدًا لصحة النظام. فإذا كانت حفنة من الرأسماليين أكثر نجاحًا في التأثير على السياسة وفي توجيهها صوب مصالحها، فحتمًا سوف يكون أداء (ووضع) باقي الرأسماليين سيئًا.
لذلك، ففي مراحل عدم الاستقرار يأتي الفساد إلى مقدمة (المشهد). في مستوى معين إبان مراحل الأزمة الاقتصادية يتزايد الضغط على البيزنس لكي يحصل على صلات داخلية (مع النظام). وبشكل أكثر عمقًا، فإن التغيرات في السلطة وحالات الأزمة السياسية يجلبان إلى المقدمة العلاقات بين السياسة والبيزنس. مثل تلك الظروف تكشف عن أن النظام (الرأسمالي) المبني على الاستغلال والسرقة، يضع النظام السياسي – كما يضع كل شيء آخر – في خدمة السوق. ولكن الشيء الآخر الذي تفعله فضائح الفساد هو إذكاء غضب الجماهير ضد هذا النظام. وكما تعلم كل من سوهارتو واسترادا، فإن هذه الغضبة يمكنها أن تكون خطيرة حقًا. وكما كتب طلاب زيمبابوي المحتجين على فساد موجابي على لافتاتهم: "إذا كان طلاب إندونيسيا قد نجحوا (في إسقاط حكم الفاسدين)، فنحن أيضًا نستطيع".

نشرت في العدد 29 من مجلة الشرارة في أغسطس 2001
ترجمة لمقال منشور في مجلة "السوشياليست ريفيو" عدد يونيو 2001