السبت، 27 سبتمبر، 2008

الثورة الروسية في 1917.. ماذا يتبقى لنا؟


وائل جمال*


قبل تسعة وثمانين عاما، وفي مثل هذا الشهر، أسقطت الجماهير العمالية في واحد من أهم انتصاراتها – إن لم يكن الأهم على الإطلاق – واحدا من أعتى الأنظمة ديكتاتورية، وفتحت الباب لبشائر نظام جديد يسعى لتحقيق العدالة والحرية والمساواة بأيدي الجماهير الكادحة. الثورة الروسية في   1917  (أكتوبر بالتقويم القيصري الروسي القديم ونوفمبر بالتقويم الغربي) كانت مصدر الإلهام للثوريين في كل مكان ومازالت. لكنها تتعرض لهجوم شديد في السنوات الأخيرة سواء من موقع البرجوازية أم من مواقع اليسار. وهو الأمر الذي وجد أرضا خصبة أولا في ظل ما فعلته الستالينية بالمقهورين والعمال في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، ثم بعد ذلك بصورة قد تكون أعمق بعد انهيار رأسمالية الدولة الستالينية. لكن حقا هل هناك ما يمكن التعويل عليه في تراث هذه الثورة الكبرى في معارك اليوم ونحن نقترب من تجاوز السنة السادسة من القرن الحادي والعشرين؟


الجماهير ثم الجماهير

"لم يستلم البلاشفة السلطة نتيجة مساومة مع الطبقات المالكة أو مع القادة السياسيين الآخرين، ولا بإرضاء جهاز الحكومة القديم، ولا عن طريق عنف منظم مارسته فئة قليلة العدد. فلو لم تكن الجماهير في كافة أنحاء روسيا مستعدة للانتفاضة لأخفقت محاولتها". هكذا كتب الصحفي الأمريكي الثوري جون ريد في كتابه "عشرة أيام هزت العالم" الذي خطه من واقع تجربته الحية مع ثورة أكتوبر. والحقيقة أن الدور التاريخي غير المسبوق للجماهير الروسية في إسقاط القيصرية لم يقف فقط عند إعطاء الزخم والطاقة والثقل السياسي للاشتراكيين لإنجاز برنامجهم للتغيير، وإنما كانت الجماهير بدورها المركب هي صانعة الثورة وما تلاها بحق.

هذه الحقيقة التاريخية تبقى معنا للحاضر لترد على الكثير مما يطرح الآن للتشكيك في قدرة الجماهير على اعتلاء المسرح السياسي للصراع الطبقي وتوجيهه لمصلحتها.

أولا، ردت جماهير روسيا، ومازالت ترد، على فكرة أن الجماهير جاهلة ولا تمتلك الوعي الكافي للتغيير. ففي روسيا القيصرية تجلت المظاهر التي تدعم مثل هذا الموقف بكل صورها: انتشار هائل للأمية ومعها الخرافات والإيمان الخزعبلي بالغيبيات، ضعف حاد في المجتمع المدني وعقم للبرجوازية في تقديم برنامج الإصلاح الليبرالي، رأسمالية تنمو بسرعة لكنها تعاني من تخلف ملحوظ عن منافسيها في أوروبا بما يعنيه ذلك اجتماعيا وطبقيا (وهي نقطة سنعود لها لاحقا).

في المعركة كشفت الجماهير وجهها الحقيقي. يقارن تروتسكي، القائد الاشتراكي الثوري الروسي، في كلاسيكيته تاريخ الثورة الروسية، بين وضع الجماهير الروسية قبل وأثناء الثورة: "إن أهم سمة لا شك فيها للثورة هي التدخل المباشر للجماهير في الأحداث التاريخية. في الأوقات العادية، تضع الدولة، سواء ملكية أم ديمقراطية، نفسها فوق الأمة. ويصنع التاريخ بواسطة الأخصائيين في هذا الفرع من النشاط أو ذاك – الملوك، الوزراء، الموظفون البيروقراط، البرلمانيون والصحفيون. لكن في هذه اللحظات الحاسمة عندما يصير النظام القديم غير محتمل بالنسبة للجماهير، فإنهم يحطمون الحواجز التي تستبعدهم من الساحة السياسية ويجرفون جانبا ممثليهم السياسيين التقليديين ويخلقون بتدخلهم هم الأرضية الأولية لنظام جديد".

في هذا كانت الجماهير تسبق الجميع بمن فيهم الثوريون. وإذا نظرنا لحجم التضحيات التي قدمتها من أجل هذا النظام الجديد، هذا الأفق الجديد لحياة أفضل، سواء خلال الإضرابات العمالية الأولى أم خلال الحرب الأهلية يمكن أن نفهم حجم الطاقة الكامنة في هذا الكيان الذي يبدو وهميا وأسطوريا في أحيان كثيرة. واليوم، ما أحوج العالم لهذا النظام الجديد البديل الذي يقضي على تناقضاته المتفاقمة ويعيد للإنسان إنسانيته في مواجهة آلة الرأسمالية الكاسحة اقتصاديا وعسكريا. وقد يكون هذا هو بالضبط ما أعاد الجماهير مرة أخرى، بعد أن أعلن الكثيرون نهاية عصرها، إلى المقدمة. فقط أنظر إلى ما حدث في الأرجنتين وصربيا وإندونيسيا وفنزويلا والإكوادور وبوليفيا، وما يحدث في الأراضي الفلسطينية وعلى ساحة المقاومة العراقية. فقط أنظر إلى ما حدث في سياتل وجنوة وفي الحركة ضد الحرب.

ثانيا، في الثورة الروسية لم تكن الجماهير كتلة غير متجانسة، بل كانت لها قيادة طبقية واضحة: الطبقة العاملة. وفي روسيا المتخلفة كانت الطبقة العاملة أقلية بالنسبة لعدد السكان. وكانت حديثة التكوين. لكن وضع التوازن السياسي وطبيعة تكوين الطبقة العاملة ودورها الاجتماعي عموما وخصوصية نشأتها الروسية (ما يطلق عليه تروتسكي التطور المركب واللا متكافئ) جعلتها أولا قادرة وثانيا عازمة على خوض غمار المعركة الطبقية للاستيلاء على السلطة. والآن نسمع الكثير عن الطبقة العاملة. نسمع أنها غير موجودة في مصر وفي دول العالم الثالث لأن الرأسمالية والبرجوازية لم يتطورا كنسخة كربون من الغرب. ونسمع أنها انتهت لصالح الطبقة الوسطى. ونسمع أنها دجنت. بل ونسمع أنها غير راغبة في التغيير.

وبالنظر للطبقة العاملة إبان ثورة أكتوبر والآن لابد وأن نلاحظ العديد من التغيرات سواء في ثقل العمال الصناعيين وفي طبيعة عملية الاستغلال والتطور التكنولوجي للرأسمالية الذي ينعكس على علاقات العمل إلى جانب نمو قطاع الخدمات والقطاع المالي غير المعهود. لكن الأكيد هو أن هذه الطبقة لم تنقرض ولم تختف بل زادت حجما وتأثيرا ونفوذا. طبقة العاملين بأجر الذين يتعرضون لنزح فائض القيمة, وتتناقض مصالحهم استراتيجيا مع البرجوازية (أنظر للطبقة العاملة التي أضافها النمو الاقتصادي الهائل في شرق آسيا على سبيل المثال). بل إن هذه الطبقة لم تترك الساحة السياسية أصلا ومازالت تكشف عن قوتها وقدرتها وأسلحتها في مناسبات عدة. (إضراب فرنسا في 1995 ومعركة قانون العمل الأخيرة العام الحالي هناك، وإضرابات كوريا الجنوبية التي أسقطت الديكتاتورية، والعديد من الإضرابات العامة في جميع أنحاء المعمورة). وفي كل مواجهة من المواجهات الشعبية من أجل الديمقراطية في أمريكا اللاتينية وغيرها كان العمال في المقدمة. المعركة الطبقية التي مثلتها ثورة 1917 بالتالي معركة قابلة للتكرار بل صارت الحاجة لها أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

ثالثا، كانت تجربة الجماهير العمالية والشعبية الكادحة في روسيا الثورية واحدة من أعمق التجارب الديمقراطية في التاريخ الإنساني حتى الآن. ديمقراطية تعطي للشعب مصيره بحق في يده إذ تجمع بين السياسة والاقتصاد بشكل لم يوفره نظام لا قبلها ولا بعدها. الديمقراطية التي بزغت شمسها مع الثورة الأولى في فبراير 1917 وجدت جذورها في المصانع والمجتمعات المحلية. وأسس الملايين من العمال والمدرسين والطلبة والجنود وغيرهم لجانا في كل المواقع لتكون هذه المؤسسات الديمقراطية الأولية مقدمة لتأسيس المجالس العمالية (السوفييتات). في هذه اللجان الانتخاب هو القاعدة الأساسية في كل المستويات (مع حق استعادة المنتخبين وتغييرهم في أي وقت) منتجة بذلك أكبر "انفجار" للديمقراطية الشعبية في التاريخ وهي حقيقة مورست بأوسع نطاق ممكن لتلقي في المزبلة بمزاعم اقتصار الثورة الروسية على تحرك للأقلية.

وفي البداية كان لهذه المجالس دور دفاعي لكن مع مرور الأيام واتجاه المعركة صوب أكتوبر أصبحت المجالس العمالية هي السلاح الأول لصياغة وتنفيذ إرادة الجماهير الديمقراطية. ويمكن الإشارة هنا إلى ما فعلته هذه المجالس بالنسبة للتمييز ضد المرأة وإجراءات حاسمة لإلغاء الفوارق الطبقية وحماية حق التنظيم النقابي وإلغاء التراتبية في الجيش، بل إلغاء مؤسسة الجيش القمعية ذاتها واستبدالها بالميليشيات العمالية. لكن الجانب الأهم هو أن القرار الاقتصادي الإنتاجي في المجتمع صار في يد المنتجين في مواقع الإنتاج. عجلة الإدارة انتقلت بمنتهى السلاسة من أيدي الخبراء إياهم إلى أيدي أصحاب المصلحة.

قارن هذه الديمقراطية بأعتى النظم الديمقراطية في عالمنا المعاصر. ما أبعد هذه الروح وهذا الزخم عن عفن الفضائح والفساد السياسي والاغتراب عن مصالح الجماهير واغتراب الجماهير عن صناعة القرار السياسي الحادث حاليا. وما أبعد هذه الديمقراطية المباشرة الحرة المتجددة عن تجويع الملايين وإبقائهم تحت وطأة البطالة والمرض وتدمير البيئة لصالح قوانين السيطرة الطبقية لحفنة من رجال الأعمال وهي قوانين تصور زورا وبهتانا على أنها أبدية أو فوق طبيعية. بل إنه في كل غليان صغير أو بروفة مصغرة لسلطة الطبقة العاملة نستطيع أن نرى جنين الديمقراطية العمالية حيا يرزق. ليس فقط قدرة العمال على إدارة شئونهم ديمقراطيا بل أيضا قدرتهم على اتخاذ السياسات السليمة لإدارة شئونهم. ولا يقتصر المثل على ذلك على حركة الاستيلاء على المصانع في الأرجنتين بل يمكن أن نستدعي للذاكرة مثل لا يعرفه الكثيرون هو عمال مصنع المصابيح في العاشر الذين سيطروا على مصنعهم وأداروه لصالحهم بل طوروه بنجاح قبل أن يعود صاحبه للاستيلاء عليه.


الحزب

ترافقت الأجواء الديمقراطية التي خلقتها ثورة فبراير، وتعمقها مع تطورات الصراع، مع انشغال الملايين بالسياسة وتحولهم يسارا يوما بعد يوم. صب هذا بمرور الوقت في مصلحة البلاشفة. لكن الأخيرين الذين بنوا حزبهم على مدى سنوات في رحم المقاومة الطبقية العمالية، في مئات وآلالاف الإضرابات العمالية الصغيرة، وفي خضم كل المعارك الطبقية الكبرى التي شهدتها روسيا، هؤلاء كان لهم دورهم. ففي المعركة لا تختفي الطبقة الحاكمة هكذا في طرفة عين بمؤسساتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. بل تخوض الطبقات الحاكمة نضالا مريرا دفاعا عن مواقعها. وفي هذه المعركة كان للبلاشفة بتنظيمهم المركزي الديمقراطي فضل قيادة الطبقة على الأرض. القيادة التي تنبع من أسفل لتكون قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة لضمان الإجهاز على العدو. ومن ثم كان البلاشفة هم الذين خططوا لموعد انتفاضة أكتوبر. ولم تكن لا ديمقراطية المجالس العمالية ولا الحرب البطولية التي خاضها العمال الثائرون دفاعا عن نظامهم الجديد ممكنة بدون كوادر البلاشفة وتضحياتهم.

والآن مع بزوغ الحركة المناهضة للحرب والرأسمالية عاد سؤال الحزب مرة أخرى. وداخل الحركة يهاجم الكثيرون الأحزاب الثورية على النمط البلشفي من منطلق أنها معادية للديمقراطية بطبيعتها لدرجة أن بعض هؤلاء يصمون الثورة الروسية نفسها بأنها انقلاب للأقلية البلشفية. لكن تطور الحركة العالمية وتطور هذا الجدل داخلها بين أنصار الحزبية وأعدائها يؤكد بوضوح أن الواقع لا يعمل في مصلحة الأوائل. فتطوير الحركة وتعميقها وتجذيرها وتوسيعها للمزيد من الأنصار والأعضاء أصبح يفرض وجود الحزب الثوري الذي ينطلق من نضالات الجماهير وينظمها.


الأممية

كان شعار "يا عمال العالم اتحدوا" شعارا رئيسيا في الثورة الروسية. بل ودافع قادة البلاشفة مرارا وتكرارا عن أن الثورة العالمية ضرورة لاستمرار ونجاح الثورة الروسية. الأكثر من ذلك هو أن الثورة الروسية إنحدرت بالضبط بسبب فشل الموجة الثورية التي ألهتمها في ألمانيا والمجر وبريطانيا. الأممية التي رفعت شعارها ثورة أكتوبر لم تعد الآن فقط ضرورة سياسية بل صارت إمكانية أوضح بكثير. تعالوا ننظر للمستغَلين حول العالم. كلهم بلا استثناء صاروا يعانون نفس المشاكل تقريبا. ونفس السياسات (سياسات إجماع واشنطن لتحرير الأسواق وسيطرة اليد الخفية والسافرة لرأس المال) تطبق في كل مكان تقريبا. هذا الوضع خلق تقاربا أمميا تاريخيا بين مصالح المضطهدين في العالم كله.

بل إن نمو الشركات العابرة للقوميات الذي تغزو كل يوم بقعة جديدة في العالم صار يجسد وحدة مصالح عمال العالم كما لم يحدث من قبل. وقبل سنوات قليلة خاض عمال رينو الفرنسية في بلجيكا إضرابا تضامنيا مع عمال أحد مصانع الشركة الذي أغلق في فرنسا، ونفس الشيء حدث في إضرابات لعمال جنرال موتورز التي كانت وقتها أكبر شركة عابرة للقوميات في العالم. عولمة رأس المال جعلت شعار "يا عمال العالم اتحدوا" أكثر إلحاحا وأعلى إمكاناً. وعلى غير الحال وقت ثورة أكتوبر حينما كان العالم يعرف بأنباء ما يحدث بعدها بأسابيع الآن يشاهد الناس الثورة على الهواء بما في ذلك من إلهام ثوري جبار. بل تستخدم الحركات الاجتماعية هذا التقارب الإعلامي الثوري لتنظيم المستغَلين والمحتجين على نطاق عالمي كما تجسد في مظاهرة الخامس عشر من فبراير عام 2003 ، التي شارك فيها الملايين من جميع أنحاء العالم على شعار واحد ولهدف واحد.

"ثورة أكتوبر كانت باختصار ذروة حركة جماهيرية هائلة، قادها نحو السلطة حزب طليعي مندمج بالجماهير، حزب كان يتطلع قبل كل شيء لتحقيق مطالب السكان الأكثر إلحاحا في حين يتطلع إلى أهداف اشتراكية عالمية وقومية أشد اتساعا" وعلى حد وصف مكسيم جوركي الكاتب والأديب الروسي فهي رصيد لـ"كل من يرى بشرف أن تطلع البشرية المتعذر كبته إلى الحرية والجمال، وحياة يوجهها العقل، ليس حلما بلا جدوى، بل قوة حقيقية يمكنها، بذاتها، أن تخلق أشكال حياة جديدة – أنه بحد ذاته رافعة يمكن أن تحرك العالم". وياله من تطلع يفرض نفسه علينا الآن وفورا.

*نشرت في جريدة الاشتراكي في نوفمبر ٢٠٠٦


الجمعة، 26 سبتمبر، 2008

حول الدولار والأسعار والأرباح

وائل جمال*

منذ أن وصل نظام مبارك للحكم، أي ما يزيد على ربع قرن، كانت القاعدة الذهبية هي أن العملة الوطنية (وكانت تساوي حينها 1.4 دولار)، تخسر كل يوم أرضا جديدة أمام العملات الأجنبية، وهو ما يمكن أن يعد علامة أكيدة على الانحطاط المتواصل في مكانة والوضع التنافسي للرأسمالية المصرية في سباقها مع منافسيها في الأسواق الناشئة والعالم. لكن سوق الصرف بدأت تشهد لأول مرة في الشهورالقليلة الأخيرة ظاهرة لم تحدث من قبل في عصر مبارك.

فما بين يوليو وأكتوبر 2007، انخفض الدولار الأمريكي في مواجهة الجنيه المصري بأكثر من أربعة في المائة كاملة لينزل تحت مستوى الخمسة جنيهات ونصف لأول مرة منذ تحريره على يد حكومة عاطف عبيد. وقتها قررت حكومة عاطف عبيد بشكل مفاجيء تحرير سعر الجنيه في مواجهة الدولار ليقفز سعر الأخير إلى ما فوق السبعة جنيهات في السوق السوداء مولدا موجة عارمة من ارتفاع الأسعار. وها هو الدولار ينخفض لكن الأسعار لم تبدأ في التراجع، بل إنها لم تتوقف عن الارتفاع. 

انخفاض عالمي أم جنيه أقوى؟

تراجع الدولار الأمريكي أمام العملات العالمية على مدى الشهور الماضية ليصل لأدنى مستوى له خلال عشرين شهرا خلال نوفمبر الماضي. وعلى ذلك فإن جزءا، على الأقل، من الصعود الذي نشهده للجنيه في الفترة الأخيرة ينبع من وضع الدولار العالمي، خاصة وأن الجنيه لم يتمتع بهذا الوضع في مواجهة العملات الأخرى كاليورو والاسترليني. لكن هذا لا يمنع في الحقيقة من أن هناك محركات أخرى تتعلق بالاقتصاد المصري وتطوراته في الفترة الأخيرة تلعب دورا في ارتفاع قيمة العملة المحلية.

على مدى السنوات الثلاث الماضية غيرت الرأسمالية المصرية توجهها لتقترب، للمدى الأقرب تاريخيا، من روشتة الليبرالية الجديدة، مطيحة بذلك بالعديد من الاعتبارات السياسية والاجتماعية التي كانت تقيد طموحاتها بالنسبة لبرنامج التكيف الهيكلي.

هذا الثمن الذي دفعناه جميعا خلال الثلاث سنوات الماضية منذ أن وصل نظيف للحكم، من ارتفاع في أسعار الخدمات والطاقة وتراجع للأجور الحقيقية وتدهور معدلات الفقر وغيرها، انعكس على البيانات المالية للشركات الكبرى التي تقود عملية التراكم في مصر ومن ثم على وضعية الرأسمالية المصرية عموما.

قفز معدل النمو إلى ما فوق السبعة في المائة سنويا لأول مرة منذ سنوات طويلة، وتحرك برنامج الخصخصة ليجلب معه تدفقات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتتجاوز أحد عشر مليار دولار فيما كانت تصل لنصف مليار سنويا. انتعشت البورصة المصرية مترافقة مع تعمق في صلتها بالبورصات العالمية بعد أن أصبح الأجانب لاعبين أساسيين بها. وزادت الصادرات إلى ما فوق ثلاثين مليار جنيها، مقارنة بحوالي الخمسة قبل سنوات قليلة، وبنسب زيادة كبيرة في المكون غير البترولي منها.

كل هذا انعكس في فائض يتزايد لميزان المدفوعات المصري وصل في أكتوبر الماضي إلى 1.2 مليار دولار أمريكي بمساندة من فائض حساب المعاملات الرأسمالية. وترافق ذلك مع عدد من الإجراءات النقدية، عبر أسعار الفائدة وعبر آليات لضمان السيولة من الدولار، والتي أدت إلى هدوء في سوق صرف العملات الأجنبية.

إذن والحال أن معدلات الربحية زادت بعد تراجع الضرائب والجمارك وزيادة معدلات استغلال العمال، كان طبيعيا أن يتحسن موقف الجنيه أمام الدولار بل إن الحقيقة أنه كان من الممكن أن يتحسن أكثر من ذلك لولا أن البنك المركزي المصري، بتنسيق لا شك فيه مع الحكومة، وقف في وجه ذلك.

تشوهات وتحيزات

بعد قرار تعويم الجنيه  ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية لأكثر من 15%، أما السلع التي يدخل فيها مكون أجنبي فقد ارتفعت بنسبة تتراوح ما بين 18 و30% بنفس نسبة ارتفاع الدولار أو انخفاض الجنيه. وهذا هو الحد الأدنى للارتفاع في ظل أن معدلات التضخم التي تقدمها الحكومة المصرية تميل بأساليب فنية وبإيعاز سياسي لتقليص الصورة الحقيقية.

السبب في ذلك هو أن الواردات تشكل مصدرا رئيسيا للسلع الاستهلاكية ومدخلات الانتاج والصناعة على حد سواء. فقد كانت هناك تقديرات وقتها بأن المكون الأجنبي في الصناعات المصرية يقدر بنحو 40% من تكلفة المنتج النهائي للسلع. أما السلع الأولية كالقمح والفول وغيرها فحدث ولا حرج حيث وصلت نسب الاستيراد فيها إلى معدلات قياسية.

من هنا كان من الطبيعي أن تحسن قيمة الجنيه تعني تراجع في الأسعار ولو بنسبة طفيفة، ولو بتوقفها عن الارتفاع. صحيح أن أسعار بعض السلع الغذائية التي تستورد مصر منها كميات هائلة، كالقمح، قد قفزت في الأسواق العالمية لتتسبب في تغذية التضخم، وصحيح أن سعر اليورو مثلا ، عملة أحد الشركاء التجاريين الهامين بالنسبة لمصر، لم يشهد تراجعا أمام الجنيه، إلا أن هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية ووضوحا أدت إلى تعطيل هذا الميكانيزم الصافي للسوق.

أول هذه العوامل هو أن الدولار هو العملة الأساسية أو العملة الجسر بين الاقتصاد المصري والاقتصاد العالمي. فبرغم أن البنك المركزي قد تحول لاعتماد سلة من العملات في تحديده لسعر الصرف في وقت مبكر من العام الحالي، إلا أن الدولار مازال يحتل الوزن الأعلى بما لا يقاس في هذه السلة (سبعون في المائة). وهذا بالطبع قرار سياسي أيضا يرتبط بتحالفات الرأسمالية الحاكمة مع الولايات المتحدة.

ثاني هذه العوامل هو أن البنك المركزي المصري لا يرغب في أن تزيد قيمة الجنيه. فزيادة قيمة الجنيه تعني ضعفا في القدرة التنافسية لمنتجات التصدير المصرية مما سيتسبب في انهيار معدلات ربحية القطاعات التي تعتمد على التصدير (لهؤلاء هنا ثقل سياسي هائل في اتخاذ القرار في توازنات حكومة نظيف، ربما أعلى من وزنهم في تكوين الرأسماليين المصريين عموما). الشيء الثاني أن هذا سوف يؤدي إلى زيادة تكلفة الاستثمار في مصر. فكلما كان الجنيه المصري أضعف كانت كلفة إنشاء مصنع، بالنسبة لمستثمر أجنبي أقل، وكلما أصبحت الأجور التي يدفعها أقل، مقارنة بعملته.

انطلاقا من هذه الاعتبارات، المتحيزة لمصالح رجال الأعمال والشركات الكبيرة، دأب البنك المركزي للتدخل، تخيلوا، من أجل منع الدولار من الانخفاض أمام الجنيه، وذلك عبر شراء الدولار. آخر هذه العمليات كانت في أواخر أكتوبر الماضي حينما فاجأ يوسف بطرس غالي الجميع بتصريحات يؤكد فيها على أن الدولار سيتراجع إلى خمسة جنيهات وثلاثين قرشا فقط بنهاية العام الحالي. هذه التصريحات أدت إلى موجة بيع للدولار نزلت بسعره إلى خمسة جنيهات وثمانية وأربعين قرشا. لكن البنك المركزي اشترى ما يصل إلى مليار دولار في ساعة واحدة ليمنع الجنيه من التحسن، وهو ما ظهر في احتياطاته النقدية التي تضخمت لمستوى تاريخي يقترب من الواحد وثلاثين مليار دولار بنهاية أكتوبر الماضي.

لكن العامل الأهم في عدم تراجع الأسعار مع تراجع الدولار لا يتعلق بالتفضيلات النقدية للسياسة الاقتصادية المصرية وإنما بتشوهات هيكلية في بنيته على رأسها الاحتكارات الانتاجية والتجارية.

ميكانيزم السوق الكفء، وهو في الحقيقة لا يتحقق بصورته المثالية لا في مصر ولا في غيرها، إلا في كتب ببغاوات السوق الحر وخطابهم، لا يمكن أن يفرض نفسه لو أن منتجا واحدا يتحكم في سبعين في المائة من عرض سلعة تدخل في كافة عمليات البنية الأساسية وكل مشروعات التشييد كالحديد. ميكانيزم السوق الكفء يصبح قاصرا أمام احتكار استيراد القمح في أيدي قلة من المستوردين. المحتكرون يحددون الأسعار ويغترفون فارق سعر الصرف في جيوبهم مضيفين لأرباحهم ولعملية التراكم على حساب ميزانية الفقراء.

من هنا لم يتراجع معدل التضخم حتى في حسبته الحكومية المنقحة، سوى مؤقتا (7.5 في المائة سنويا في أكتوبر الماضي)، غير أن جنون الأسعار مازال مستمرا بالذات مع التحرير الذي تتسارع وتيرته لأسعار المياه والكهرباء والمواصلات العامة وغيرها. ومازال الخبراء الاقتصاديون يحذرون من موجة تضخمية وارتفاعات جديدة منتظرة، حتى وهم يتوقعون المزيد من التراجع للدولار، قد تطيح في بعض التقديرات حتى بمعدلات النمو الاقتصادي.

لكن الأهم، والتقدير هنا للبنك الدولي، هو أن شريحة كبيرة من المصريين يقبعون على حافة خط الفقر، وأن الارتفاعات المنتظرة والتي ستواكب خطط رفع أسعار البنزين والتحول إلى الدعم النقدي (الاسم الحركي لتقليص الدعم) ستطيح بهؤلاء إلى بئر الفقر المدقع.

تشوهات الاقتصاد المصري واعتبارات تراكم الأرباح لا تفسح لعموم المصريين مساحة للعيش حتى وإن كان صعبا، وهي بذلك لا تترك لهم بديلا سوى الاحتجاج على طريقة موظفي الضرائب العقارية، احتجاجات سنرى الكثير منها في المستقبل القريب.

*نشرت في جريدة الاشتراكي في ديسمبر ٢٠٠٧

النمو الاقتصادي المصري في عهد نظيف: من أين يأتي؟ وإلى متى يستمر؟

وائل جمال*

حينما جاءت حكومة نظيف للحكم قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، هلّلت المؤسسات الاقتصادية الدولية لها، واعتبرت أنها ستكون دفعة للاستثمار الخاص وبداية لعهد الإصلاح الحقيقي. واليوم، مازالت هذه المؤسسات، ومازالت تقاريرها، تحتفي بحكومة اليمين المصري الجديد. لكنها الآن لا تكتفي بالاحتفاء اعتمادا على توقعات المستقبل، وإنما أيضا على مؤشرات، أبرزها معدل النمو الاقتصادي، الذي قفز إلى ما يقرب من 7%، إلى جانب مؤشرات أخرى، كالاستثمار الأجنبي المباشر وارتفاع أرصدة العملة الأجنبية وتحسّن معدّلات الإقراض البنكي.

فهل نجح اليمين الجديد حقا في إزالة الصدأ من على ماكينة التراكم الرأسمالي؟ وهل أفلح في وضع الرأسمالية المصرية في حلبة المنافسة العالمية الشرسة؟

النمو.. في أي مرحلة؟

تقوم الإستراتيجية الاقتصادية لحكومة نظيف منذ مجيئها للحكم على استهداف تحقيق طفرة في معدلات النمو، وهو هدف تقليدي في كل تجارب وصفة الليبرالية الجديدة. وبحسب الوصفة، فإن تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومتواصلة (أي تحفيز وتسريع دورة التراكم والأرباح الرأسماليين) سيسهم في تخفيض الدين العام المنتفخ، وتقليص عدد العاطلين (الحكومة تقول إنهم في حدود 10%، بينما تصل بهم تقارير وحدة استخبارات مجلة الإيكونوميست البريطانية إلى 20%)، وذلك عبر استثمارات جديدة ترفع معدلات التشغيل.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف حاولت الحكومة، التي تمثل أغلبيتها المسيطرة تحالفا من الحيتان الرأسماليين الجدد، قدر طاقتها الالتزام بفلسفة الضبط المالي وتخفيض الإنفاق الاجتماعي، جنبا إلى جنب مع تحرير الأسواق، وهي فلسفة نعلم جميعا المصالح التي تخدمها وأعداد الفقراء التي تخلقها.

من هذا المنطلق، نفذت حكومة نظيف عددا من الإجراءات تتضمن تخفيضات حادة في الضرائب على المستثمرين، وتخفيضات في الجمارك، وهجمة على دعم الفقراء، وتحرير لسوق الخدمات استتبع رفعا لأسعار المياه والكهرباء والمواصلات.. كل هذا جنبا إلى جنب مع تفعيل برنامج الخصخصة وبيع الشركات العامة.

شكلت هذه الإجراءات تحوّلا في برنامج التكيف الهيكلي الذي توجه له نظام مبارك بمجرد استقراره في الحكم مع منتصف ثمانينات القرن الماضي، ثم الذي تبناه رسميا مع مطلع التسعينات.

لكن النمو الاقتصادي في مصر لم يسر على منوال واحد خلال هذه الفترة التي تقترب من عشرين عاما. في البدء كان النمو. فبحسب دراسة للبنك الدولي صادرة نهاية 2005، لفاروق إقبال وأنطون دوبرانوجوف، بعنوان "النمو الاقتصادي في مصر"، تزامن التوجه لبرنامج الليبرالية الجديدة مع انحسار مرحلة من تراجع معدلات النمو في الفترة من 1986 إلى 1991، وهي مرحلة تلت بدورها وصول معدلات النمو لأعلى نقاطها في السبعينات (فوق السبعة في المائة سنويا).

المرحلة الجديدة ترافقت مع بدء تبني برنامج التكيف الهيكلي وسلسلة الاتفاقات مع صندوق النقد، وتمتد من 1992 إلى 1998. شهدت معدلات النمو في هذه المرحلة ارتفاعا نسبيا متأثرة بخفض العجز المالي من 15% إلى ما يزيد قليلا على 1% في أول أربع سنوات منها، وبتخفيض عبء الديون الخارجية مكافأة لنظام مبارك على مشاركته في حرب الخليج. وشهدت هذه المرحلة أول موجة من الخصخصة وتنشيط بورصة الأوراق المالية.

لكن هذا الوضع لم يستمر. وجاءت للرأسمالية الكبوة بعد الصحوة، وهي المرحلة التي امتدت من 1999 إلى 2004، وشهدت تراجعا مرة أخرى لمعدلات النمو بفعل الكساد العالمي وبفعل فضيحة القروض التي أدت لتخفيض قدرة الجهاز المالي على توفير الاعتماد. ولا ننسى أيضا بدء تساقط مشروعات مبارك الكبرى في توشكى وحديد أسوان وشرق التفريعة، تلك المشروعات التي ضخت الدولة فيها مليارات الجنيهات!

ولا يجب أن ننسى كذلك في هذا السياق ما يرصده أحمد النجار في كتابه "الانهيار الاقتصادي في عصر مبارك" من أن معدلات النمو عموما منذ 1983، بغض النظر عن التذبذبات الدورية، منخفضة للغاية مقارنة بالعصر الذهبي للنمو الاقتصادي في الستينات (متوسطه السنوي 8.3%) أو حتى ذروته في السبعينات (حينما وصل أحيانا لما فوق 7%). إذ يقول النجار إن متوسط معدل النمو السنوي تدهور بين 1983 و2004 إلى 4.1% سنويا، وذلك طبقا لأرقام صندوق النقد، المأخوذة من الأرقام الرسمية المبالغ فيها.

من هنا تأتي أهمية تطورات النمو الأخيرة. وبعيدا عن الإحصاءات الحكومية، التي يشوبها الكثير من عدم الدقة ومن التضخيم، يقول آخر تقارير وحدة استخبارات الإيكونوميست إنه يتوقع أن يصل معدل النمو المصري في 2006/2007 إلى 7.1%، بعد وصوله إلى 6.8% في العام الذي سبقه، وهو معدل لم تحققه الرأسمالية المصرية منذ سبعينات القرن الماضي.

ليس هذا فقط، بل يتزامن هذا النمو مع مضاعفة الاستثمارات الأجنبية المباشرة عدة مرات إلى 7.2 مليار دولار في العام الماضي. أيضا تحققت درجة عالية من استقرار معدل صرف الجنيه المصري الذي إن تحرك فبتؤدة ليكسب أرضا في مواجهة الدولار الأمريكي. وأخيرا، تحقيق فائض متواصل في الحساب الجاري وتحسن في معدل إقراض الجهاز المصرفي للقطاع الخاص.

من أين يأتي نمو حكومة نظيف؟

تقول مؤسسة إي إف جي هيرميس، أحد الأذرع الرئيسية للرأسمالية الجديدة في مصر، في تقرير صدر في نهاية فبراير الماضي، إن هذا الصعود كان متوقعا في إطار الدورة الاقتصادية. لكن هيرميس ربطته بوضوح ببرنامج حكومة نظيف وإصلاحاتها التي خلقت نموا في الطلب المحلي بفعل تخفيضات الضرائب والجمارك.

في نفس الوقت رصدت إي إف جي مصادر أخرى للنمو. أولا الارتفاع الكبير في صادرات الغاز الطبيعي المصرية التي شهدت طفرة في العامين الماضيين بفعل سياسة مصرّة على التصدير كاستراتيجية رغم كل الانتقادات. أيضا النمو المتواصل في عوائد قناة السويس منذ الربع الثاني من 2002 مع زيادة حركة التجارة العالمية بفعل النمو الهندي الصيني. حيث تضاعفت عوائد القناة من 1.9 مليار دولار في 2000/2001 إلى 3.6 مليار في 2005/2006. كما أشارت هيرميس إلى ارتفاع عوائد النفط في الخليج التي خلقت فوائض جذبت مصر بعضها في الفترة الأخيرة (استثمارات إعمار الإماراتية في العقارات، واتصالات الإماراتية في شبكة المحمول الثالثة، والراجحي السعودية في مشروع توشكى..الخ). وتوجهت بعض هذه الاستثمارات، جنبا إلى جنب مع استثمارات قادمة من تركيا، إلى الصناعة.

ويمكن الإشارة أيضا إلى النمو في قطاعين خدميين آخرين، هما الاتصالات الذي نما في العام الماضي بنسبة 40%، والسياحة التي نمت قيمتها المضافة بمعدلات وصلت 22%.

لكن هذه المصادر للنمو تجعلنا نعتقد أن له حدودا قريبا ما سوف تكشف عن نفسها.

حدود النمو المصري

يمكن فهم حدود النمو المصري بالنظر إلى أربع عوامل. أول هذه العوامل هو ضعف القطاع الخاص وضعف أداء المؤسسات المالية المصرية. فصحيح أن معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي أشرنا إليها تقترن بزيادة في معدلات إقراض الجهاز المصرفي للقطاع الخاص، وهو المؤشر الأول على عمق دورة التراكم الرأسمالي، إلا أن هذه الزيادة محدودة للغاية ولا تتجاوز 5%، بينما لا تتجاوز نسبة النمو في الأصول 8%.

كان معدل الإقراض للقطاع الخاص دائما في السنوات الأخيرة أقل من معدل النمو. ويبدو أن هذه الظاهرة إن تحسنت فلن تتحسن كثيرا. وتقول الدولة (عن حق) إن هذا سببه التأثر بفضيحة الديون المتعثرة التي تحاول الحكومة جهدها تجاوزها، لكي تزيل هذا العبء من على ميزانيات البنوك وتعيد الرأسماليين المتعثرين إلى ساحة الاستثمار. وآخر الخطوات في هذا الصدد هو ما أعلنه محافظ البنك المركزي مؤخرا من مبادرة لإسقاط جزء من ديون المتعثرين الصغار.

لكن أيضا هناك عنصر آخر هو ضعف تكوين القطاع الخاص المصري، والأهم من ذلك انخفاض معدلات الربحية، وهو الأمر الذي يسبب عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار. ويدفع هذا الأمر الدولة إلى ضخ استثمارات ضخمة لكي تحرك عجلة التراكم، حتى لو تناقض ذلك مع الأيديولوجيا المعتمدة لديها بأنها لا تشارك في العملية الاقتصادية. لكن لهذا عواقبه التي قد تحدّ من النمو في النهاية.

العامل الثاني هو الدين العام وعجز الموازنة. وهذا همّ أساسي لدى صقور اليمين الجديد في مصر، وقد دعاهم لاختيار يوسف بطرس غالي على وجه التحديد على رأس وزارة المالية المصرية. والوصفة التي يطبقها غالي منذ مجيئه محددة وواضحة: تقليل الدعم وتحرير الخدمات وتقليص الإنفاق الاجتماعي للدولة، مرة بحجة الأسعار العالمية، وأخرى بحجة أن الدعم لا يصل لمستحقيه، وأحيانا لأن هذا النوع من الإنفاق يخلق تشوهات تفسد آلية السوق وتعوقها عن تحقيق الرخاء المنشود.

لكن بما أن ضعف القطاع الخاص وضعف تدفق الائتمان إليه يفرض على الدولة ضخ أموال ضخمة، فإن هذا سيعاكس أثر أي سياسة هدفها تقليص الدين العام. ويزيد تأثير هذه النقطة في ظل اضطرار الحكومة لرفع أسعار الفائدة لمحاولة محاصرة التضخم (جدير بالذكر هنا أن هذا يحدّ من هوامش الربح ويقلل الاستثمار ويزيد من وتيرة زيادة الدين العام).

أما العامل الثالث فهو طبيعة القطاعات الأكثر نموا: فالسياحة وقناة السويس والاتصالات كلها قطاعات لا تمس عمق الاقتصاد الحقيقي في الصناعة والزراعة والذي مازال يعاني بشدة. هذا إلى جانب أن قابليتها للتأثر بالصدمات سواء الداخلية (كعدم الاستقرار السياسي أو الأعمال الإرهابية) أو الخارجية (كأزمة اقتصادية عالمية أو تراجع حركة التجارة أو الحروب الإقليمية) عالية جدا.

وأخيرا هناك استمرار الزيادة في العجز التجاري الذي يتوقع أن يزيد في العامين القادمين إلى مستوى 12 مليار دولار بسبب زيادة الواردات وفشل الصادرات المصرية في تحقيق القفزة المطلوبة. وتقول الإيكونوميست إن فوائض تصدير الغاز حتى لن تكون قادرة على وقف هذه الزيادة. وأهمية هذا المؤشر تنبع من محورية التصدير بالنسبة لاستراتيجية اليمين الجديد ومن أنه مؤشر على تنافسية الرأسمالية المصرية ككل إقليميا ودوليا.

ويشير تقرير إف جي هيرميس إلى حزمتين من الشروط ستحدد مصير موجة النمو المصرية. الأولى حزمة الشروط المتعلقة بالاقتصاد العالمي والتطورات الاقتصادية الإقليمية. والثانية تتعلق بالجوانب الاجتماعية والسياسية المترتبة على عملية الإصلاح. ويؤكد التقرير أن أي تراجع أو نكسة في أي من هذه العناصر سوف يؤثر سلبا بقسوة على أداء مصر الاقتصادي.

النمو المصري والرأسمالية العالمية والإقليمية

ارتباط الحزمة الأولى من محددات استمرار النمو المصري بالاقتصاد العالمي بديهي تماما. فلا وجود للرأسمالية بمعزل عن الرأسمالية العالمية. فالتنافس هو محرك النظام، والنقطة التي يصل إليها من يتقدمون المنافسة تحدد مصير كل من يأتي تاليا. ويعني هذا نتيجتين. الأولى هي أنه إذا صح تقييم أداء اقتصاد رأسمالي ما من خلال تاريخه، فإن الأهم هو مقارنته بمنافسيه وماذا حققوا في نفس الفترة. أما النتيجة الثانية فهي أنه يؤثر ويتأثر بحسب مكانه هذا في ساحة التصنيف العالمي المبنية على منافسة لا تتوقف.

وإذا انطلقنا من النقطة الأولى، فإن وضع الرأسمالية المصرية يجيء في ذيل ما يسمونه بالاقتصادات الناشئة، ناهيك عن البلدان الرأسمالية المتقدمة. ويستخدم أحمد النجار هذا المعيار ليرصد حالة الانحطاط الاقتصادي المصري في عصر مبارك. فيقول في كتابه إن "مصر كانت تقف في الصف الأول مع أسرع دول العالم في النمو الاقتصادي، بالذات في فترة الازدهار الذهبية في النصف الأول من ستينات القرن العشرين"، وإنه "خلال الفترة من 1983 وحتى 2004 تدهور متوسط الناتج المحلي إلى 4.1% سنويا مقارنة بـ9.8% في الصين و5.8% في الهند، و6% سنويا في ماليزيا و 6% في كل من كوريا الجنوبية وتايلاند". وإذا طبقنا نفس المعيار فيما يتعلق بفترة تسارع معدلات النمو على يد اليمين الجديد، فسيتراجع حجم الإنجاز الذي حققته الرأسمالية المصرية.

وبالعودة لتقرير التوقعات الاقتصادية لعام ألفين وسبعة الخاص بصندوق النقد الدولي في قسمه الخاص بالشرق الأوسط، نستطيع أن نلاحظ أن النمو لم يكن ظاهرة مصرية. فكما يقول التقرير، دفعت فورة أسعار النفط موجة من النمو الاقتصادي بلغ متوسطها في القطاع غير النفطي فقط في الإقليم ثمانية في المائة. وبالتالي فإن معدل 6,8% المصري لا يجعلها في قيادة النمو في المنطقة.

الشيء الآخر متعلق بحجم الاستثمار الأجنبي المباشر الذي، وإن زاد بمعدلات هائلة بالنسبة لمصر، فإنه يتقزم أمام مثيله الذي توجه للإمارات العربية المتحدة أو تركيا أو حتى الأردن وتونس. ناهيك عن أن هناك قفزة في الاستثمار العالمي بتسعة وعشرين في المائة العام الماضي لتصل إلى  916 مليار (قارن السبعة مليارات المصرية).

معنى ذلك أن الزيادة المصرية جزء من اتجاه عالمي وليست علامة على تحسن موقع مصر. الأكثر من هذا هو أن جزءا أساسيا من هذه الاستثمارات العالمية، وهذا ينطبق على مصر، كان موجها نحو عمليات الاستحواذ والاندماج وليس نحو خلق أصول جديدة، وهو ما يقلل من دلالة تدفق هذه الاستثمارات. فعندما تشتري شركة عابرة للجنسيات شركة مصرية عامة ــ تمت هيكلتها فعلا من قبل الحكومة ــ فإنها لا تضيف باستثماراتها هذه أصولا جديدة للاقتصاد. ويتوقف الأمر هنا على ما ستفعله الحكومة بثمن بيع الشركة.

 وفيما يتعلق بنقطة التنافسية فقد صدر تقريران، واحد يختص بمناخ الأعمال في العالم والثاني عن التنافسية، ليثيرا غضبا وهجوما حكوميا مصريا. لماذا؟ لأن التقريرين صنفا مصر في مرتبة متأخرة للغاية. ليس هذا فقط، بل حدث تراجع مقارنة بالعام الماضي، وهو ما كان بالنسبة لأنبياء الإصلاح الليبرالي الجديد ـ عن حق ـ بمثابة إعلان فشل.

أما عن الجانب الثاني المتعلق بالتأثير والتأثر بين رأسمالية نظيف والعالم، فتكفي هنا الإشارة إلى تدفقات استثمارات الخليج، التي تعطي شيئا لوزارة الاستثمار للتشدق به، والتي قد تتعرض لصدمة في أي لحظة في حال حدوث أي صدمة لأسعار النفط. الأهم من ذلك هو التوقعات بتباطؤ الاقتصاد الأمريكي في الشهور المقبلة. وهو أمر قد يهدد بتباطؤ عالمي لن تنجو منه مصر. وتزيد مخاطر الاقتصاد العالمي في ظل التشوهات الناتجة عن طبيعة النمو الصيني وعلاقته بالولايات المتحدة. وتكفي الإشارة هنا إلى ما شهده الثلاثاء الأسود الأخير للبورصات العالمية والذي انطلقت شرارته من الصين.

النمو ليس كل شيء

إذا حسبنا المتوسط الحسابي لدرجتي حرارة منتجين معدنيين، الأولى مائة وخمسون درجة والثانية سالب مائة وخمسون، فإن المتوسط سيكون صفرا! لا يعني هذا فقط أن النتيجة لا تخبرنا شيئا، وإنما يعني أنها قد تورطك إن حاولت أن تعتمد عليها. فلو وضعت يدك على أي من المنتجين ستصاب بعاهة! ولذلك ففي علم الإحصاء يجب أن يقترن المتوسط الحسابي دائما بمؤشر آخر هو الانحراف المعياري.

يمكن، مع الفارق، أن ينطبق هذا المنطق على معدل النمو الاقتصادي كمعدل متوسط. لا يكشف هذا المؤشر كيف يتم توزيع هذه الزيادة على الشرائح  الاجتماعية المختلفة، ولا يكشف توزيعها بين القطاعات. وفي هذا الإطار فإن آخر التحليلات الاقتصادية تشير إلى أن تفاقم الاحتكار لعوائد الاقتصاد، واستبعاد شرائح اجتماعية متزايدة منه، يهددان العملية ككل، ليس فقط سياسيا، وإنما أيضا على مستوى زخم التراكم نفسه وحيوية وتدفق السوق (أنظر كيف يؤدي احتكار عز للحديد لخنق كل الراغبين في دخول السوق وتطوير إنتاجه).

ولأن مؤسسة كـ"إي إف جي هيرميس" لا تكتفي بحرب الدعاية الخاصة بالمؤشرات، فهي تنبه في تقريرها إلى عاملين قد لا يتعامل معهما علم الاقتصاد البرجوازي، خاصة في نسخته الليبرالية الجديدة: العواقب السياسية، وتأثير الجانب الاجتماعي على التراكم (معدلات الاستغلال ودرجة تطور العامل وتكلفة إنتاج عامل يدعم تنافسية الرأسمالية). من هنا تؤكد هيرميس على أن البطالة وطبيعة العمالة (بمعنى ضرورة تطوير التعليم وربطه باحتياجات تطور الرأسمالية) ستحددان مصير النمو المتحقق على يد نظيف ورجاله.

ونفهم من تحذيرات هيرميس أن هناك معضلة على النمو الرأسمالي المصري أن يواجهها، وهي ضرورة التحرك في وقت تنعدم فيه شرعية البرجوازية المصرية الحاكمة من جانب، وتزداد فيه ضرورات تكثيف الاستغلال وتحميل أعباء دينها العام للفقراء من جانب آخر. وهي معضلة لن يفيد في تجاوزها حل مبني على التوازن، لأنه لن يقدم شيئا لأحد. بينما سيكون على البرجوازية المصرية في حال تبنيها خيار التحرك السريع لإنقاذ حيوية التراكم والمراهنة على اللحاق الرأسمالي العالمي أن تواجه مارد الغضب العمالي والشعبي، الذي أعطانا عمال النسيج المصريون في مطلع العام الحالي، في بروفة لإمكانياته وعناده، الأفق الذي يمكن أن يفتحه لجميع الفقراء والمضطهدين.

* نشرت في مجلة اوراق اشتراكية في الاول من ابريل ٢٠٠٧