الأربعاء، 18 يناير 2012

الحكومة المؤقتة تقترض أربعة أضعاف متوسط الاقتراض الخارجي أيام مبارك

الحملة الشعبية لاسقاط ديون مصر - 18 يناير 2012




عاد قرض صندوق النقد الدولي ليتصدر المشهد من جديد بعد رفضه منذ شهور قليلة بحجة احتوائه على مشروطية لم يتم الكشف عنها أبدا. وعادت نفس الوزيرة-السيدة/ فايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي والتخطيط-التي سبق لها الرفض تتحدث عن "مشاورات إيجابية" مع الصندوق مؤكدة عدم وجود أية مشروطية، وعادت تقول إن المفاوضات ضرورية لاقتراض نحو ثلاثة مليارات دولار لدعم الموازنة بعد شهور قليلة من قولها إن مصر ليست بحاجة لقروض تدعم الموازنة بقدر حاجة الاقتصاد لقروض تضخ بهدف الاستثمار والتوسع في خلق الوظائف، واليوم تتحدث عن الاقتراض لسد العجز رغم أن هذا لا يخدم بشكل مباشر جهود التعافي الاقتصادي وتوليد النمو وخلق فرص العمل.
فلماذا تم رفض القرض من قبل رغم أن التصنيف الائتماني للبلاد كان أفضل حالا، والقدرة من ثم على التفاوض مع صندوق النقد، الذي دوما ما يتيح الإقراض منخفض الفائدة، بشروط اقتصادية-وربما سياسية-؟ ولماذا يعاد التفاوض حول القرض نفسه اليوم ومصر في موقف تفاوضي صعب مع تردي الحالتين السياسية والاقتصادية؟ وعلى من تقع مسئولية هذه التخبط وغياب الرؤية؟
إن صندوق النقد الدولي كان حاضرا طوال العقدين الأخيرين في رسم وتطبيق سياسات البلاد المالية والاقتصادية بما عاد على غالبية المواطنين المصريين بتردي مستويات المعيشة وارتفاع معدلات الفقر وتدهور الخدمات العامة والتنمية الإنسانية بشهادة تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتمخض عن السياسات المدعومة من صندوق النقد الدولي إعادة توزيع الداخل من الأفقر للأغنى، وتخفيض الإنفاق العام على الخدمات الصحية والتعليم للغالبية من السكان. واليوم تعود الحكومة للتفاوض معه مجددا بحجة بلوغ العجز في الموازنة حدا لا يطاق. وكان الأجدر بالحكومة أن تراجع الموازنة العامة بعد الثورة كي تتدارك العجز، وتعيد هيكلة الموازنة لرعاية مقتضيات العدالة الاجتماعية والتنمية الإنسانية بدلا من الاستمرار في نفس سياسات النظام السابق ووزير ماليته بتخصيص ما يربو عن 19% من إجمالي الإنفاق العام لدعم المحروقات التي يذهب جلها لأصحاب رأس المال ولا تفيد الفقراء شيئا، وذهاب خمس آخر لخدمة الدين العام في مقابل الثبات الحقيقي لأنصبة الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي.
إن المشكلة أكبر من مجرد رفض أو قبول الاقتراض من صندوق النقد الدولي، إن المشكلة سياسية بامتياز تتمثل في غياب المشاركة الشعبية والشفافية عن الموقف الاقتصادي في مصر، وتعمد السلطة الانتقالية استخدام البيانات الاقتصادية الشحيحة لخدمة أغراضها السياسية تارة بإخافة الجمهور من الثورة وتارة أخرى برسم صورة وردية لاقتصاد البلاد.إن ثمة استثمارا في غياب الشفافية ونقص البيانات بل والتلاعب فيها من جانب الحكومة ومن يقودها. ثم إن هناك مشكلة أكبر تتمثل في قانونية وشرعية عقد حكومة انتقالية غير منتخبة، بل ويغلب على أعضاء فريقها الاقتصادي صفة الانتماء للنظام السابق ولحزبه المنحل ولبرلمانه المزور، عقد مثل هذه الحكومة لقروض ضخمة ترتب أعباء على الأجيال القادمة دون تفويض شعبي ولا رقابة برلمانية حقيقية ولا حتى الحد الأدنى من الشفافية لإطلاع الرأي العام المصري على الالتزامات التي ستلقى على عاتقه من حكومة انتقالية زائلة. وينسحب الأمر نفسه على كافة الالتزامات الدولية التي وقعتها الحكومة المصرية بعد سقوط نظام مبارك، والتي غابت عنها شروط الإفصاح والشفافية سواء في مبالغها أو في مصادرها.
وقد رصدت الحملة الشعبية ارتفاع حجم الدين الخارجي من 35 إلى 36.2 مليار دولار خلال السنة الماضية بواقع 1.2 مليار-طبقا للإيكونوميست حيث تغيب البيانات الرسمية!- وهي قروض تم عقدها بالفعل في ظل الحكومات المؤقتة دون تفويض شعبي ولا شرعية سياسية، وحتى دون إفصاح.
وتذكر الحملة الشعبيةلإسقاط ديون مصر بأن شروط الدين الكريه قد تتحقق في قرض صندوق النقد من حيث كون الحكومة غير ممثلة للشعب الذي تتفاوض باسمه، وبحكم معرفة الجهة المقرضة بأن الحكومة الحالية مفتقدة للشرعية. وفي حال عقدت الحكومة القرض الجديد مع صندوق النقد الدولي بمبلغ 3.2 مليار دولار تتجاوز حصيلة الاقتراض في سنة واحدة 4 مليارات أي أربع أضعاف متوسط الاقتراض الخارجي في ظل حكم مبارك! وهو عبء سيتحمله الشعب المصري لسنوات طوال، وسيعاني منه البرلمان والحكومة المنتخبين سريعا.
وفي ضوء تجربة مصر الماضية غير الموفقة مع شروط وسياسات صندوق النقد الدولي، فإن الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر لا تزال على موقفها ضد عقد القرض مع الصندوق، وترى ضرورة استعراض البدائل الأخرى لعلاج العجز في الموازنة. كما تدعو الحملة الحكومة المؤقتة إلى إتاحة المعلومات والبيانات الكاملة والتامة عن الوضع الاقتصادي للبلاد بما في ذلك حجم الاحتياطي الأجنبي بدقة، وحجم العجز في الموازنة، والأسس الاقتصادية التي تم عليها اتخاذ قرار الاقتراض من الخارج، وما إذا كان هناك مشروطية اقتصادية أو سياسية للاقتراض من صندوق النقد. وتنادي بإشراك البرلمان المنتخب فورا وبدون تأخير ولا تباطؤ في مراجعة اتفاق القرض والنظر في الموافقة عليه من عدمه بدلا من المجلس العسكري، وذلك أضعف الإيمان.

وستعقد الحملة مؤتمرا صحفيا يوم السبت 21 يناير عن الموضوع في مركز البدائل العربي شقة 4 ـ الطابق الرابع ـ 5 شارع المساحة ـ الدقي ـ القاهرة

الاثنين، 16 يناير 2012

إذا قلت الرأسمالية.. فقد قلت الفساد

الصلات القذرة بين الرأسماليين والدولة
سيمون باكستر



من الرابح؟!
في انتخابات الكونجرس الأخيرة في الولايات المتحدة (الأمريكية)، حصد المرشحون الذين نجحوا في جمع أموال أكثر من خصومهم كل المقاعد (التي يبلغ مجموع عددها 469) فيما عدا تسعة وعشرين مقعدًا فقط. ووفقًا للودفريك كوك أحد رؤساء (شركة) الاتصالات العملاقة "جلوبال كروسينج"، والذي أعطى مرشحي الحزب الجمهوري 361500 دولار: "إذا كنا سنتنافس، فلا بد أن يكون صوتنا مسموعا.. أنا لا أقدم اعتذارًا على نجاحي في الوصول لهدفي!" وعلى جانب آخر، فلأن صناعة المقاولات تسعى إلى إلغاء لوائح عمل العمال من أعضاء النقابات، فقد أعطت جمعيتان لشركات المقاولات مليوني دولار لجورج بوش الابن.
(وفي سياقات مشابهة)، بينما كان (الوزير البريطاني) بيتر مندلسون ينفي عن نفسه تهمة استخراج جواز سفر لأسرة هندوجا الثرية، كانت المظاهرات الجماهيرية – التي تجمعت عند نصب حركة 1986 الاحتجاجية التي أسقطت الديكتاتور الفاسد عميل الولايات المتحدة فرديناند ماركوس – تفرض استقالة رئيس الفلبيين جوزيف استرادا المتهم بتلقي ملايين الدولارات في الخفاء من ريع القمار غير القانوني ومن الصفقات المصرفية المشبوهة.
من بيرو إلى الهند إلى أيرلندا.. تمثل فضائح الفساد جزءًا ثابتًا من الحياة السياسية. فلقد كان السؤال عن الكيفية التي استطاع من خلالها سوهارتو – الرئيس السابق لإندونيسيا – أن يراكم هذا القدر الهائل من الثروة، واحدًا من الأسباب الرئيسية وراء المظاهرات التي أزاحته من السلطة في عام 1998. وفي العام الحالي أيضًا، تظاهر الآلاف مرة أخرى أمام قصر الرئاسة في جاكرتا، حيث تكشف أن خليفة سوهارتو – (عبد الرحمن واحد) – نصاب هو الآخر.
أطلق آل كابوني (رجل العصابات الشهير) ذات مرة على الرأسمالية لقب "المبتز الشرعي للطبقة الحاكمة".. وقد كان محقًا في ذلك! إذ أن البنك الدولي يقدر أن حوالي 80 مليار دولار تنفق سنويًا على الرشاوى. ففي إندونيسيا، تشكل الإكراميات التي يدفعها أصحاب الأعمال اتقاء لتدخلات موظفي الدولة – ويطلق عليها "بانجلي" – حوالي خمس مصاريف التشغيل. أما رجال الأعمال الألمان، فيقدر ما يدفعونه للظفر بعقود خارج بلادهم بما يتجاوز 3 مليار دولار سنويًا. وفي تجارة السلاح الدولية – وهي على الأغلب أقذر تجارة في العالم – يتم دفع ما يقرب من عشر قيمة المبيعات في صورة رشاوى. وحسب بعض التقديرات، تشكل المدفوعات تحت الترابيزة في اتفاقات السلاح ما يصل إلى 40 %.
وبالرغم من كل ذلك، يتم تصوير الفساد على أنه مجرد ثمرة منفردة متعفنة. وعلى وجه أخص، ينظر للفساد على أنه مشكلة للبلدان النامية فقط.. مشكلة تخص الرأسمالية العتيقة التي تحتاج للتحديث وفقًا لأجندة الليبرالية الجديدة.
(على أن الحقيقة هي أن) الولايات المتحدة أقرت قانون "أنشطة الفساد الخارجية" الذي تؤثم بمقتضاه رشوة الشركات الأمريكية للمسئولين الأجانب. من ناحية أخرى، تفرض اتفاقية عن الرشوة وقعتها كافة الدول أعضاء منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OECD (وهم فيما بينهم يتحكمون في معظم التجارة الدولية)، إلى جانب خمسة دول أخرى من غير الأعضاء؛ نقول تفرض هذه الاتفاقية اعتبار رشوة أي مسئول أجنبي للظفر بأي استثمار أو للحفاظ عليه، أو غير ذلك من أشكال المزايا غير السليمة، جريمة. وبالرغم من أن العقوبات في ظل القانون الأمريكي لمكافحة الرشوة تبدو مشددة – حيث تنص على غرامات بالملايين العديدة بالإضافة لعقوبة الحبس – إلا أننا نجد أنه في المتوسط لا تحوّل للمحاكمة فعليًا إلا قضية واحدة سنويًا.
وفي الواقع، فإنه يمكننا اعتبار حملات مكافحة الفساد تكافح الفساد فعلاً، بمقدار ما يمكننا اعتبار الحرب ضد المخدرات تسعى فعلاً إلى إيقاف تعاطي الكوكايين! إذ أننا نجد أن حزم الإصلاحات (الاقتصادية) المطروحة من جانب صندوق النقد الدولي تحتوي في باطنها على تخفيضات مدمرة للإنفاق، وذلك تحت غطاء حملات مكافحة الفساد. تربط (هذه الحزم الإصلاحية) بين المساعدات الممنوحة للبلدان الفقيرة وبين درجة استعداد هذه البلدان لتحقيق (ما يطلق عليه) "حكم جيد". وفي حين يخلق فتح (أبواب) اقتصاد ما للشركات عابرة القوميات فرصًا للفساد، فإن الإصلاحات التي يلح المجتمع الدولي (كما يطلق عليه عادة) من أجل تحقيقها تشجع هذا الفساد بفاعلية. فلقد تحولت الخصخصة في روسيا إلى عربدة من الصفات بين "الأحباء". وعندما نقلت كل من الهند وتايوان – في ظل الثناء من جانب أنصار "الحكم الجيد" في صندوق النقد الدولي – السلطات من حكومات مركزية إلى حكومات إقليمية، تضاعفت فرص تلقي الرشاوى بشكل هائل.

صلات قذرة:
علاوة على ذلك، ففي حالة منظمة التجارة الدولية، تمثل عبارات الإطراء والمداهنة غطاء للنفاق أيضًا. فبينما كانت الاحتجاجات تأجج خارج مقر اجتماع المنظمة في سياتل في ديسمبر 1999، كان ثمة وجه من أوجه المنظمة يتم إغفاله غالبًا. حيث منحت "اللجنة المضيفة" في سياتل للشركات الكبرى فرصة اللقاء مع المسئولين الحكوميين في مقابل (ما يسمى بـ) رسوم الرعاية. استهدفت "اللجنة المضيفة" – التي كان رؤساؤها المتشاركين هم بيل جيتس من ميكروسوفت وفيل كونديت من بوينج – جمع 9.2 مليون دولار من القطاع الخاص. وبينما أعطى المانحون فرصة اللقاءات بالسياسيين، فإن أسمائهم بالطبع ظلت سرية. ولقد كانت هذه أول مرة يتم فيها تمويل اجتماع لمنظمة التجارة العالمية بواسطة القطاع الخاص. على أن رعاية رجال الأعمال للاجتماعات الحكومية الدولية أصبحت الآن ممارسة معتادة. فمنذ 1997 يوجد رعاة لكل اجتماعات الدول الصناعية السبعة الكبرى (التي أصبحت الآن الدول الصناعية "الثمانية" الكبرى)، وكذلك الأمر مع عدد من مؤتمرات الناتو.
وربما كانت "منظمة الشفافية الدولية" هي أكثر لوبي في مجال مكافحة الفساد شهرة. إذ تزداد الدعاية عامًا بعد عام حول مؤشرها للفساد الذي تصنف فيه البلدان طبقًا لمستويات الفساد. وكون "منظمة الشفافية" تعد قياساتها على أساس مسح عشوائي إلى حد ما لرأي مجتمع الأعمال، بالإضافة إلى أنها لا تذكر بالاسم الشركات التي تمارس الرشوة، هما أمران قد لا يوحيان بالثقة. ولكن الأمر الأكثر إثارة للريبة بكثير هو المنظمة في حد ذاتها. فقد تأسست هذه المنظمة في عام 1993 على يد بيتر إيجن، وهو أحد المديرين التنفيذيين في البنك الدولي. وتبلغ ميزانيتها مليونين ونصف من الدولارات. يأتي ثلث تمويل المنظمة من مؤسسات دولية كـ"البنك الدولي". بينما يأتي ثلث آخر من الشركات العملاقة مثل "جنرال إليكتريك" التي أدينت هي ذاتها بالرشوة. ووفقًا لإيجن: "لسنا ناديًا للملائكة.. كثيرة هي الشركات التي تريد إيقاف الرشوة، لكنها لا تعرف كيف تفعل ذلك نظرًا للخوف من أن تخسر مصالحها أمام منافسيها الذين سيواصلون دفع الرشاوى، ذلك أن أحدًا لا يريد أن يكون هو البادئ (بإيقاف الرشاوىى).
(الحقيقة هي أن) الفساد هو النتيجة المنطقية للطريقة التي ينظم بها المجتمع. فبينما يقدم مجتمع الأعمال على أنه مجرد جماعة ضغط كغيرها تدخل ميدان السياسة (كطرف) متساو مع من تتفوق عليهم اقتصاديًا بشكل ساحق، فإن الحقيقة هي أنه لأن البيزنيس يدار بالمدفوعات (وبالأموال)، فإن هذه الطريقة ذاتها هي التي يمارس بها مجتمع الأعمال السياسة. ولأن الرأسمالية مبنية على التنافس، فإن هذا يخلق ضغطًا على أي شركة حتى تطور علاقات وثيقة مع الدولة. هذا الأمر يعني أيضًا ضغطًا لإزاحة الآخرين للحصول على امتيازات تفوق ما يحصل عليه بقية المنافسين. وغالبًا ما تكون الوسائل المستخدمة سرية وماكرة، وتقف عند الهامش بين ما هو شرعي وما هو مؤثم.
فعلى سبيل المثال، في وكر المقامرة المسمى بالبورصة يكون الغش مؤديًا للغضب، ولكن المبادلات الخفية تكون مربحة! ففي دراسة شملت 172 حالة اندماج داخل البورصة الأمريكية، تبين وجود اتفاقات على طريقة البيزنيس الخفي في 172 حالة!
والفساد ليس قاصرًا على العالم النامي فقط، ولكنه أيضًا سائد في مركز النظام. في آسيا يلقى باللائمة في حالات الفساد على اختلاف نظم القيم، بينما يصرف النظر عن الفساد في إيطاليا بزعم ضعف ديمقراطيتها. ولكن (ماذا عن ألمانيا؟). فبعد اعترافه بتلقي هبات سرية بالملايين، تم تحويل هيلموت كول – مستشار ألمانيا لمدة 16 عامًا – للتحقيق الرسمي، مما جعل الصحافة الألمانية تلقبه بدون كورليون (في إحالة ساخرة إلى "دون كورليوني" زعيم المافيا في فيلم مارلون براندو الشهير "الأب الروحي"). وفي فرنسا، كشفت فضائح شركة النفط الحكومية ELF عن تورط شخصيات عالية المستوى، بما في ذلك وزير الخارجية الأسبق رولان دومًا.
(وفي بريطانيا)، فإن لهاث (الحزب الحاكم) حزب العمال الجديد للحاق بقطار الكسب غير المشروع قد صار هو القاعدة ولم يعد استثناء عابرًا. كان قبول مندلسون لقرض قوامه 373000 جنيهًا إسترلينيًا من (الرأسمالي) جيوفري روبنسون، بالإضافة إلى المنحة المقدمة لحزب العمال من (رجل الأعمال) برني إكلستون، مؤشران على المدى الذي غاصت فيه أقدام الحزب في أوحال نفس الأسلوب الذي يعمل به النظام كله.
علاقة (رجال حزب العمال) بأسرة هندوجًا فقط أعادت للأذهان الممارسات المماثلة لدى المحافظين. فقد منح أصيل نادر – وهو رجل أعمال هرب لاحقًا من بريطانيا تفاديًا لإدانته – 440000 جنيهًا إسترلينيًا للمحافظين. أما أسرة ما سيكشون – التي فرت من هونج كونج لتفادي تهم بإدارة أنشطة المخدرات – فقد دفعت (لهم) مليون جنيهًا إسترلينيًا. (حقًا) عندما يكون المرء في السلطة، فإنه يحصل على أصدقاء من مواقع منحطة!
"إننا نبني علاقة"، هكذا شرح الأمر دان شاينمان – وهو نائب رئيس بشركة سيسكو سيستمز (الأمريكية) – لجريدة وول ستريت الاقتصادية لتفسير قيام رئيسه (جون تشامبرز) بدفع 582933 دولارًا أمريكيًا لمرشحين لوظائف فيدرالية، ولأحزاب هؤلاء المرشحين. (وفي الحقيقة) فإن المساهمة بالمال تمثل جزءًا من العلاقة (بين الرأسماليين والسلطة). ولكن على وجه العموم، فإن الأمر يدور حول تخفيض الضرائب، القواعد المنظمة (للأنشطة الاقتصادية)، الأجور، ودعاوي التعويضات: "لا أرى فارقًا بين الجمهوريين والديمقراطيين"، هكذا صرح أحد المصرفيين الذي أعطى 107000 دولارًا للجمهوريين في شكل منح. وأضاف (هذا المصرفي): "كلا الحزبين من أنصار البيزنس، وهذا هو ما يهمني".
(نلاحظ هنا) أن التقديرات السابق ذكرها لا تتضمن ما يطلق عليه "الأموال الخفيفة" الخاصة بالجماعات المعفاة من الضرائب. إذ تسمح ثغرة بالقانون لتلك الجماعات بعدم الكشف عن مساهماتهم أو مصروفاتهم. جزء كبير من الدعم الآتي (للجموريين) من شركات الدواء كان مقدمًا من جماعة تابعة للحزب الجمهوري تدعى "مواطنون من أجل رعاية صحية أفضل" أنشأها صناع الدواء وحلفائهم. وبعض من أنصار بوش الآخرين يتضمون "قادة البيزنس المدافعون عن الأولويات المعقولة" و"إنقاذ الأسر الأمريكية يوميًا" و"جمهوريون من أجل الهواء النقي".

الغضب ضد النظام:
حين رفع بوش إصبعيه في عيني العالم معلنًا أنه لن يلتزم ببروتوكول كيوتو حول ارتفاع درجة حرارة الأرض الموقع من قبل الولايات المتحدة ذاتها في 1997، فقد كشف هذا عن تأثير دعم البيزنس للديمقراطية. فمنذ قدومه إلى السلطة، نبذ بوش المعايير الجديدة المحددة لكميات الزرنيخ في مياه الشرب، كما سمح لشركات التعدين بتجاهل غرامات تخريب البيئة. ليس غريبًا إذن أن يكون بوش ونائبه ديك تشيني قد تلقيا 47 مليون دولار من شركات الطاقة من أجل حملتهم الانتخابية.
أما مستشارة بوش للأمن القومي فهي كوندوليزا رايس المديرة السابقة لمؤسسة شيفرون للنفط، والتي توجد ناقلة بترول باسمها. أما أكبر مناصري بوش في أوساط الشركات العملاقة فهي شركة "إنرون كورب" التي تعمل في مجال توريد الطاقة والتي أعطت حملته الانتخابية مليون دولار. وحين كان حاكمًا لولاية تكساس، حرص بوش على أن تكون "إنرون" واحدة من ضمن 26 شركة معفاة من الخضوع لقوانين الهواء النقي. وأخيرًا، (يأتي) جيل نورتون وزير الداخلية الذي كان ممن يقومون بأعمال اللوبي لشركة "ناشيونال ليد"، والذي شارك في تأسيس جماعة "جمهوريون للدفاع عن البيئة" المدعومة من "المجلس القومي للفحم" و"جمعية الصناعات الكيميائية" و"الجمعية القومية للتعدين" و"المجلس الكيميائي للكلور".
إن أعمال اللوبي (والضغط) تمثل ببساطة الفساد منظمًا بشكل جيد. كلنا يذكر (قصة) الألفي جنيهًا إسترلينيًا المعطاة مقابل كل سؤال لأعضاء البرلمان من المحافظين. أما الأمر الذي نذكره بدرجة أقل فهو أنه تقف وراء المظاريف البنية (وهي مظاريف العطاءات الحكومية) شبكة للبيزنس على النطاق الكبير تدفع أموالاً ضخمة لخلق لوبيات تدافع عن مصالحها. هناك حوالي 40000 شخص يقومون بأعمال اللوبي في مدينة واشنطن، وعدد آخر مماثل (يلتف) حول منظمات الاتحاد الأوروبي. ولا ينبغي أن يوحي ذلك بأن العلاقات (بين اللوبيات وبعضها، وبينها وبين الدولة) تسير بالضرورة بشكل سلس. ففي سياق الإعداد لحملة الانتخابات الأمريكية، دُفعت أموال من جانب شركات الأدوية المتخصصة في المنتجات ذات البراءات المسجلة، ومن جانب شركات أدوية أخرى تتركز أرباحها في المنتجات ذات العلامات التجارية العامة. ولكن لأن صناع الأدوية المسجلة لهم جيوب (نفوذ) أعمق، فلذلك كان لهم تأثير أكبر. وهذا يرينا أنه في داخل كل دولة يوجد رجال أعمال مختلفون لهم مصالح مختلفة. وهذا هو أحد أسباب نمو الفساد: المصالح المختلفة لرجال الأعمال المتنافسين على تحقيق أهدافهم. وهذا معناه أنه بالرغم من كون الفساد أمرًا منطقيًا، إلا أنه ليس دائمًا مفيدًا لصحة النظام. فإذا كانت حفنة من الرأسماليين أكثر نجاحًا في التأثير على السياسة وفي توجيهها صوب مصالحها، فحتمًا سوف يكون أداء (ووضع) باقي الرأسماليين سيئًا.
لذلك، ففي مراحل عدم الاستقرار يأتي الفساد إلى مقدمة (المشهد). في مستوى معين إبان مراحل الأزمة الاقتصادية يتزايد الضغط على البيزنس لكي يحصل على صلات داخلية (مع النظام). وبشكل أكثر عمقًا، فإن التغيرات في السلطة وحالات الأزمة السياسية يجلبان إلى المقدمة العلاقات بين السياسة والبيزنس. مثل تلك الظروف تكشف عن أن النظام (الرأسمالي) المبني على الاستغلال والسرقة، يضع النظام السياسي – كما يضع كل شيء آخر – في خدمة السوق. ولكن الشيء الآخر الذي تفعله فضائح الفساد هو إذكاء غضب الجماهير ضد هذا النظام. وكما تعلم كل من سوهارتو واسترادا، فإن هذه الغضبة يمكنها أن تكون خطيرة حقًا. وكما كتب طلاب زيمبابوي المحتجين على فساد موجابي على لافتاتهم: "إذا كان طلاب إندونيسيا قد نجحوا (في إسقاط حكم الفاسدين)، فنحن أيضًا نستطيع".

نشرت في العدد 29 من مجلة الشرارة في أغسطس 2001
ترجمة لمقال منشور في مجلة "السوشياليست ريفيو" عدد يونيو 2001

الأربعاء، 19 أكتوبر 2011

البيان التأسيسي للحملة الشعبية لمراقبة وإسقاط ديون مصر

"فتح عينك....الديون من جيبك"


تنطلق الحملة الشعبية لمراقبة وإسقاط ديون مصر، من رحم نضالات ثورة 25 يناير المستمرة وتأكيدا على حق الشعب المصري فى تحقيق إرادته فى كل ما يتعلق بحياته ومستقبل أجياله.

هي حركة شعبية تهدف الى تأكيد استقلال مصر الاقتصادي عن كل مظاهر الاستغلال والتبعية وتبديد الموارد التي فرضت عليه خلال العقود الماضية على يد نظام الدكتاتور مبارك وأعوانه فى الخارج.

خلفت السياسات الاقتصادية التي طبقها نظام مبارك ديونا داخلية وخارجية هائلة، واستخدم النظام السابق مزيدا من الاقتراض لسداد أقساط هذه الديون و فوائدها. واستمر النموذج الاقتصادي السائد الذى يلجأ للاستدانة سواء من الداخل أو الخارج كأول وأسهل وسيلة للتعامل مع مشاكل التخطيط الاقتصادي، وذلك بدلا من تغيير المنظومة الاقتصادية ككل وجعلها أكثر عدالة، والبحث عن أليات بديلة لتمويل الانفاق الحكومي مثل الضرائب على الثروة. ومن ثم جعلت الديون الإرادة المصرية رهينة للدول و للمؤسسات الدولية الدائنة.

- ولما كانت فوائد القروض تمثل أحد أكبر بنود الإنفاق الحكومي فى مصر مما يحرم جموعا عريضة من الشعب المصري من حقها الأصيل فى حياة كريمة؛

- وتأكيدا على أن مجال الاقتصاد ليس حكرا على نخبة الخبراء، فالشعب، بصفته أول المتأثرين بالسياسات الاقتصادية، كما أنه من يدفع من جيبه اقساط وفوائد تلك الديون، فإن له حقا أصيلا فى المشاركة فى تحديد أولوياته الاقتصادية كجزء لا يتجزأ من التحول الديمقراطي في مصر.

لذلك كله قررت مجموعة من الأفراد ومنظمات المجتمع المدني من المصريين المهتمين بالشأن العام وبمستقبل العدالة الاجتماعية في البلاد أن تبدأ حملة شعبية لتكوين مراكز ضغط شعبية محلية ودولية لدى كل الدول والمؤسسات الدائنة لمصر.

وتطالب الحملة بالآتي:

1- مراجعة كل إتفاقيات القروض التي عقدت فى عهد مبارك البائد من قبل لجنة مصرية مستقلة تقوم بتقييم استخدام القروض وحجم استفادة الشعب المصري بكل فئاته من تلك القروض. ثم الضغط على الدول الدائنة بعد ذلك لإسقاط الديون الفاسدة.

2- في حاله طرح آلية استبدال الديون بدلا من إسقاطها فالحملة تتبني الموقف التالي:

كقاعدة عامه الحملة لا تؤيد اللجوء لاستبدال الديون لأن ذلك يحمل البلاد أعباء جديدة فى مبادلة ديون لا وسيلة للشعب من التأكد من منفعتها أو شرعيتها ولذا فى حالة الديون التى تم استبدالها بالفعل تطالب الحملة بالأتى:

• أن تتم مراجعة اتفاقيات الديون لتحديد شرعية الديون التي يتم تبادلها.

• أن تناقش شروط مبادلة الديون بشكل يضمن النزاهة والشفافية فى اتخاذ القرار.

3- وفي حالة الاستدانة في المستقبل، وإن كانت الحملة لا تؤيد اللجوء إلى الديون كأسهل الحلول، تعمل الحملة على:

- ترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة بشكل يسمح بالمناقشة والمشاركة الشعبية حول شروط العقود ومضمونها.

- إقرار مشروع قانون لحرية تداول المعلومات يعتمد على الإتاحة والإفصاح التلقائي لكل المعلومات والبيانات الحكومية بلا استثناءات إلا ما ينص عليها القانون.

وبناء على ما سبق،

يشرفنا أن ندعو كل فئات الشعب المصري ومنظمات المجتمع المدني للانضمام إلى الحملة المصرية لمراقبة وإسقاط ديون مصر وفعالياتها المختلفة من أجل حماية حق الثورة المصرية فى أن تبني اقتصادها وفق إرادة أبنائها بعيدا عن ضغوط الاستعمار الاقتصادي والنهب المالي المنظم من خلال الديون.

- تابعونا من خلال:

Twitter: @EgyDebtAudit

Egyptians for Debt Audit حملة مراقبة و إسقاط ديون مصر
https://www.facebook.com/groups/232399976792797

صفحة اليوم العالمي للمطالبة بمراجعة وإسقاط ديون مصر الخارجية
http://www.facebook.com/event.php?eid=274119772601919

للانضمام أو لمزيد من المعلومات اتصلوا بنا:

- سامر عطا الله: 0101162412 samermatallah@gmail.com

- عمرو اسماعيل: 0127793243
amradly@eipr.org

- سلمى حسين: 0123118939 salmaahussein@gmail.com

الأحد، 2 أكتوبر 2011

التقشف في غير موضعه والكرم لمن لايستحق

وائل جمال

في كل مناسبة تقتضي تدخل الدولة تقفز في وجهنا قضية الدين العام وعجز الموازنة. فهي أولى الحجج التي تقدم ضد رفع أجور العاملين بالدولة ومنهم الأطباء والمدرسون في المستشفيات والمدارس العامة. كانت فزَّاعة تضخم الدين أيضا المبرر الذي تم تقديمه لتقزم الإنفاق الاستثماري على الصحة والتعليم والبنية الأساسية في موازنة العام المالي الحالي التي أعلت شأن محاصرة العجز على تحفيز السوق وخلق الوظائف لتنخفض نسبة العجز المتوقع فيها مقارنة بإجمالي الناتج المحلي مما هو فوق ال11% إلى 8.55% بعد أن وصل إلى 134.3 مليار جنيه.
وكما أعطت موازنة الثورة الأولى الأولوية لعجز الموازنة، الذي هو الفارق بين ايرادات الدولة وإنفاقها الذي يزيد عنها، تستمر حكومة شرف الثانية في إيلاء وزن كبير له يصل إلى حد كونه المحدد الأساسي لسياستها الاقتصادية حتى الآن، وهو ما يكاد يصيبها بشلل.

الوظائف أم الدين العام؟ جدل عالمي

الحقيقة أن ظاهرة تضخم الدين العام وعجز الموازنة ليست خاصة بمصر. فقد قفز المتوسط العالمي للعجز من 1.9% عام 2008 إلى 6.7% في 2009 و5.5% في 2010. ويتوقع صندوق النقد الدولي، في تقرير المراقبة المالية ربع السنوي الصادر في سبتمبر، أن يصل العجز في العام الحالي إلى 10.3% في اليابان،و 10.3% في بريطانيا، وإلى 9.6% في الولايات المتحدة (كلها نسب أعلى من نسبة العجز المصري في حجم اقتصادات أكبر بما لايقاس). في الوقت نفسه تشهد الولايات المتحدة، جدلا سياسيا محتدما بين منطقين: الأول يتبناه الرئيس باراك أوباما ويقوم على ضرورة أن تضخ الدولة استثمارات جديدة لتحفيز الاقتصاد، الذي يراوح في كساد هائل منذ 2008، وخلق وظائف جديدة للفقراء، يتم تمويل جزء منها من ضرائب جديدة على الأغنياء. أما الثاني فهو منطق شبيه بما لدينا يتبناه الجمهوريون: لا ضرائب جديدة وبالتالي لا انفاق تحفيزي لأنه لا يمكن السماح للعجز والدين العامين بالتفاقم أكثر من ذلك.
ويسير رأي الجمهوريين على خطى تصور ساد العالم، ولم يستثن مصر، يقول بإن عجز الموازنة هو الشيطان الأكبر الذي يفسد الأسواق وحياة الناس، و"يحمل الأجيال القادمة مالا تحتمل". لكن ذلك في الحقيقة أثبت أنه مجرد مدخل لتبرير انسحاب الدولة من الانفاق الاجتماعي ولخصخصة الأصول العامة لحساب قلة من الشركات الكبرى.
وينفضح الجمهوريون، وكل من هم على شاكلتهم، من الذين ينعقون بخراب الأجيال القادمة، بتجاهلهم الكامل للتوسع الهائل في الانفاق الحكومي، في عام 2008، والذي ترتب عليه قفزة في نسب العجز العالمية. ببساطة لأن هذا الإنفاق كان يصب في جيوب نفس الشركات والمؤسسات الكبرى، التي تنبني لمصالحها سياسات تحرير الأسواق.
ومن المدهش، وفقا للاقتصادي البريطاني الكبير روبرت سكيدلسكي، أن أكثر المنفقين بالعجز في التاريخ الأمريكي، كانوا من الرؤساء الجمهوريين المبشرين بمبدأ السوق الحرة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي. هذا الجدل بين أنصار تقليص العجز وأنصار الوظائف والتنمية ليس فنيا على الإطلاق. إنه جدل سياسي بامتياز بين مصالح متعارضة ومتاريس اجتماعية متواجهة.

جاء ليبقى

في عام 1941، مثل رئيس مجلس الاحتياط الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي) مارينر إيكلس أمام لجنة البنوك والعملات بالكونجرس وسئل عن الإنفاق الحكومي المتزايد وقتها فقال "لو لم يكن هناك ديون في نظامنا المالي لما كانت هناك نقود". يعني هذا ببساطة أن الديون جزء لا يتجزأ من حركية النظام الرأسمالي ومن تطوره، حتى وإن كان حكوميا. ومن هنا كان طبيعيا ألا تسدد حكومة الولايات المتحدة ديونها أبدا منذ قرنين من الزمان بل تستمر في النمو والتضخم.
وبتخطي الدين الحكومي لأكبر وأقوى اقتصادات الرأسمالية 8 تريليون دولار، هناك استحالة لتسديد هذا الدين في ظل النظام الرأسمالي: لو دفعت الحكومة الأمريكية 100 دولار في الثانية لردت من أصل ديونها تريليونا واحدا خلال 317 سنة. وبفائدة لا تزيد عن 1% فإن رد الديون مستحيل.
الدين العام جاء إذاً ليبقى في ظل الرأسمالية. ويظل الجدل هو عند أي مستوى يجب الحفاظ عليه وفي خدمة من؟
على العكس من الجمهوريين وأخوتهم عندنا وفي سائر المعمورة، ممن يبررون الإنفاق بالعجز فقط لخدمة الأسواق ومن يحتكرونها، يقول جوزيف ستجليتز الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في تخصصه في حوار صحفي العام الماضي، إنه "يجب أن نتذكر ما الذي أوقعنا في الأصل في هذه المشكلة: أن أسواق المال كانت قصيرة النظر بشكل هائل. هم يركزون على الأن وهنا وليس على الأمد الطويل". المسألة، وفقا لستيجليتز، هي أنه إذا أنفقنا المال الحكومي على التعليم والتكنولوجيا والبنية الأساسية، فإن الدين الحكومي سيصبح أقل في المدى البعيد.
إن إنفاق المزيد من المال اليوم يحفز الاقتصاد ويوفر عوائد ضريبية جديدة. فبالاستثمار الحكومي، في وقت يتقاعس فيه مستثمرو القطاع الخاص، برغم كل التدليل القانوني والسياسي عن ضخ أموال في السوق، نحصل على نمو أعلى وتنمية أعمق.

العجز وحكومة شرف


لم تتجاوز حكومة شرف ولا سياستها الاقتصادية أبدا الانحيازات الأساسية التي قامت عليها توجهات التحرير الاقتصادي خلال العقود الماضية، والتي كانت مسئولة عن تراكم الدين العام، الذي دفعنا ثمنه وقتها ويستخدم لندفع الثمن مرة ثانية الآن. مرة أخرى، وبعد الثورة على المنطق الاقتصادي لنظام المخلوع، يتم إلقاء اللوم على فقراء المصريين بل أغلبيتهم من المستفيدين من الخدمات العامة في عجز الموازنة. يقول موقع وزارة المالية الحالي تحت عنوان سؤال وجواب حول عجز الموازنة: "كان مقدراً فيما سبق لهذه النسبة (8.55%) أن تصل إلى 7.9% فقط إلا أن الأحداث الأخيرة وبرامج الإنفاق الضخمة التي تبنتها الحكومة الحالية لتعويض المضارين من الأحداث ولتحقيق العدالة الاجتماعية قد قفزت بالنسبة".
يعني هذا بالضبط استمرار نفس المنطق القديم في التفكير في دور الدولة في الاقتصاد وفي انحيازاتها الاجتماعية. وينكشف هذا أكثر عندما نكتشف أنه في ظل نفس المشكلة مازالت حكومة شرف تقدم رجلا وتؤخر أخرى في توفير ما بين 7 إلى 12 مليار جنيه سنويا، يتم إنفاقها من جيوبنا مباشرة إلى جيوب محتكري أسواق الأسمنت والأسمدة والسيراميك (وأغلبهم من قيادات الحزب المحظور)، برغم كل الحديث عن تشويه هذه السياسة لكفاءة الأسواق بل وتأييد بعض رجال الأعمال للخطوة. نفس الشيء يسري على الحد الأقصى للأجر، الذي قيل لنا إنه سيعلن خلال شهر من تشكيل حكومة شرف الثانية ثم تأجيله إلى يناير. وهو إجراء يحل بعضا قليلا من اختلالات هائلة تضيع موارد الدولة.
الحكومة شبه مشلولة اقتصاديا، والأمر لا يتعلق فقط بضغوط الوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل (التأخر في الإجراءات التي تعطي ثمارها بعد حين يجعل الضغوط تعيش معنا في المستقبل). فعلى الرغم من استنكار كل أعضائها لفكرة أنها حكومة تسيير أعمال، لم تتخذ إجراء ذا شأن من الناحية الاقتصادية في اتجاه ما يصبو إليه المصريون المنتفضون ولا في اتجاه احتياجات التنمية الحقيقية. والسبب هو موقفها الاجتماعي والسياسي المنحاز كما يتجسد في سياستها تجاه العجز والدين العام: التقشف في غير موضعه عندما يخص الأجور والاستثمار في الصحة والتعليم والنقل العام والصرف الصحي والخدمات، والكرم لمن لا يستحق بدعم الطاقة للمصانع كثيفة استهلاكها قليلة العمالة، الابقاء على دعم المصدرين، وعلى نظام ضريبي يدفع فيه الفقراء أكثر. هذا هو لب القصة.

نشرت في جريدة الشروق عدد 2 أكتوبر 2011

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

موجة جديدة من الإضراب تضم مئات الآلاف من العمال

بيان الاتحاد المصري للنقابات المستقلة
الأثنين 5 سبتمبر 2011




خلال هذه الأيام والأيام القادمة يمارس مئات الآلاف من العمال الإضراب والأعتصام، كاسرين بذلك كل محاولات تخويفهم وإجبارهم علي ممارسة الاضراب والاعتصام، وعلي رأس هذه الإجراءات قانون تجريم الاعتصام والاضراب، والذي ذكر أكثر من 22 ألف عامل بغزل المحلة بأن هذا القانون لن يرهبهم ويمنعهم عن ممارسة حقهم في الأضراب الذي حددوه يوم 10 سبتمبر المقبل وذلك للمطالبة بـ:
الحد الأدني للأجور، وزيادة حافز الإثابة إلي 200%، والعمل علي تشغيل الشركة بضخ الأموال اللازمة لتشغيلها والمادة الخام اللازمة لذلك.
كما هدد مئات الآلاف من المعلمين في المدارس في شتي المحافظات عن وقفة احتجاجية في نفس اليوم يليها إضراب عن العمل للمطالبة بـ:
تثبيت العمالة المؤقتة، وبزيادة الحافز لـ 200%.
وقد سبقهم للإضراب العاملين بهيئة البريد في العديد من المحافظات للمطالبة بـ:
إعادة هيكلة الأجور، وزيادة حافز الإثابة، وتثبيت العمالة المؤقتة، وتسوية حملة المؤهلات الدراسية ومحاسبة الفاسدين، وكما بدأ قبل عيد الفطر المبارك أكثر من 5 آلاف عامل بشركة كابو بالإسكندرية مطالبين بمحاسبة الفاسدين، وصرف مرتباتهم المتأخرة وتثبيت العمالة المؤقتة، وصرف حقهم في الأرباح، وكذلك تظاهر العاملين بقصور الثقافة للمطالبة بالحوافز والمكافأت، وبتثبيت العمالة المؤقتة، ومحاسبة الفاسدين، والتخلص من المستشارين.
هذا بخلاف مساعدي السائقين بمترو الأنفاق اللذين اعتصموا الأمس بمحطة الدمرداش ثم قاموا بنقل اعتصامهم لمحطة الشهداء وذلك للمطالبة بالتثبيت، ومساواتهم بزملائهم المثبتين في جميع الحقوق، كما بدأ بالأمس أيضاً العاملين بمراكز معلومات الطيران اعتصام مفتوح مطالبين بإقالة محي راغب، هذا ويستعد العاملين بالمطار أيضاً للاعتصام وذلك للمطالبة بإقالة وزير الطيران المدني وكل من أتي بهم من حاشيته.
هذا وينتظر عشرات الآلاف من العاملين بهيئة النقل العام تنفيذ رئيس الهيئة وعوده بصرف حافز الإثابة 200%، ويهددون بالإضراب في أول يوم دراسي إذا لم يتحقق مطلبهم.
كما يهدد الفنيين الصحيين بالإضراب في نهاية الشهر، وذلك لعدم تحقق مطالبهم، وتموج الهيئات والمستشقيات في وزارة الصحة وغيرها من الوزرارات، بغضب العاملين اللذين ينتظرون منذ عشرات السنين لنيل حقوقهم في التثبيت وغيره من الحقوق.
فبعد مرور أكثر من ثمانية شهور علي انتصار ثورة 25 يناير في تنحية الديكتاتور مبارك عن كرسي الحكم في مصر، وباستمرار الضغوط استطاع الثوار إجبار الحكومة التي من المفترض أنها حكومة الثورة علي البدء وبشكل علني في محاكمة الديكتاتور و عدد قليل من المجرمين والقتلة والمفسدين من المقربين له.
ولكن أكتشف عمال مصر أن الحكومات المتتالية لا تستجيب لمطالبهم التي طالما احتجوا منذ أكثر أربعة سنوات للمطالبة بها فالمطالبة بالحد الأدني للأجور والتي تم احتسابها منذ أكثر من ثلاثة أعوام بـ 1200 جنيه شهرياً أي باحتساب نسبة التضخم خلال السنوات الثلاث لأصبح هذا المبلغ أكثر من 1500 جنيه شهرياً، ولكن حكومات رجال الأعمال رفضوا تنفيذه بحجة عدم توفر الأموال التي تمولها، وضربوا بعرض الحائط كل الدراسات الجادة التي أثبتت أن تمويل الحد الأدني للأجور ممكن وبنفس الموازنة التي نهبت لسنوات طوال ولكن مع بعض الإجراءات التي تحد من الفساد والاستغلال مثل وضع حد أقصي للأجور إذ ليس من المنطقي أن يتقاضي عامل حوالي 50 جنيه شهرياً كآجر في الوقت التي يتقاضي فيه موظف آخر أكثر من مليون جنيه شهرياً، وكذلك فرض الضرائب التصاعدية علي الأرباح الرأسمالية، وغيرها من الأساليب التي رفضتها كل الحكومات التي تدعي أنها حكومات الثورة، وحاولت التحايل علي هذا المطلب بمسألة حافز الـ 200% حافز إثابة للمحليات بدلاً من 75%، وكانت هذه النتيجة، كما أنها لم تعر العمالة المؤقتة التي طالما وقفت أمام الوزارات والمجالس التشريعية قبل الثورة وبعدها تطالب بالتثبيت أي اهتمام.
والاتحاد المصري للنقابات المستقلة إذ يعلن تضامنه الكامل مع كل العمال اللذين يمارسون حقهم في الإضراب والاعتصام، في حقوقهم المشروعة وعلي رأسها:
1- حد أدني للأجور لا يقل عن 1500 وربطه بحد أقصي لا يتعدي 15 مرة الحد الأدني، وربطهما بنسب التضخم والزيادة في الأسعار.
2- تعيين كل العمالة المؤقتة إيا كان شكلها، واحتساب سنوات الخبرة لها منذ بداية عملها.
3- إسقاط قانون تجريم اعتصام والاضراب، وإيقاف المحاكمات العسكرية للمدنيين.
4- إصدار قانون الحريات النقابية فورا.
5- إبعاد كل الفاسدين من مناصبهم ومحاسبتهم.
6- ضخ الأموال والمواد الخام في مصنع غزل المحلة والمصانع الآخري، وإعادة تشغيل المصانع والشركات التي أغلقها أصحابها وشرد عمالها علي أن يكون التشغيل بواسطة عمالها.
7- عودة كل العمال المفصولين تعسفياً، وصرف كل مستحقاتهم المالية.
8- تفعيل القانون الخاص بمنح العمال حقهم في الأرباح.
كما يطالب الاتحاد المصري للنقابات المستقلة كل العمال أن ينظموا أنفسهم في نقابات تعبر عنهم وتدافع عن حقوقهم، وأن يتحدوا حتي يستطيعوا تحقيق مطالبهم المشروعة.
الإضراب مشروع مشروع...........ضد الفقر وضد الجوع

الاثنين، 15 أغسطس 2011

الرأسمالية الوحشية تضرب الشوارع

كتب ديفيد هارفي

(ترجمة وائل جمال)




"مراهقون عدميون ووحشيون"، هكذا وصفتهم جريدة االديلي ميل: أولئك الشباب المجانين من كل مناحي الحياة الذين تسابقوا عبر الشوارع يائسين بلا عقل يلقون بالحجارة والقرميد والزجاجات على الشرطة، وهم ينهبون هنا ويشعلون المحارق هناك، دافعين السلطات إلى مطاردة اعتقال بهيجة لمن يمكن أن تطاله أيديها، وهم يرسلون تغريدة تويتر وراء أخرى توجه طريقهم من هدف استراتيجي لآخر.
أخذتني كلمة "وحشي" بشدة. فقد ذكرتني بكيف تم وصف أعضاء كوميونة باريس عام 1871 بأنهم "حيوانات متوحشة"، بأنهم "ضباع"، والذين كان من المعتاد إعدامهم باسم قدسية الملكية الخاصة، الأخلاق، الدين والعائلة. لكن سرعان من أثارت الكلمة ذكرى أخرى: توني بلير وهو يهاجم "الاعلام الوحشي" الذي ظل مودعا لفترة طويلة في الجيب الأيسر لروبرت ميردوخ قبل أن ينقله ميردوخ لاحقا إلى جيبه الأيمن لينزع ديفيد كاميرون.
بالطبع سيكون هناك الجدل الهستيري المعتاد بين أولئك الميالين لأن يروا تمرد الشوارع على أنه قضية إجرام محض منزوع اللجام لا يمكن التماس العذر فيه، وبين أولئك التواقين لوضع الأحداث في السياق على خلفية سياسات الشرطة السيئة، تواصل العنصرية، والإدانات غير المبررة للشباب والأقليات، بطالة الشباب الواسعة، الحرمان الاجتماعي المتنامي، وسياسات التقشف الغبية، التي لاعلاقة لها بعلم الاقتصاد، وترتبط بشدة بالحفاظ على وتدعيم وتعزيز الثروة والسلطة الشخصية. وقد يذهب البعض لحد إدانة السمات الخالية من المعنى والتي تدفع للاغتراب في الكثير من الوظائف وفي معظم الحياة اليومية في وسط إمكانية هائلة للازدهار البشري، التي لا تتوزع بشكل عادل.
ولو كنا محظوظين، فسيكون لدينا لجان وتقارير نقول فيها مرة أخرى ما قيل عن بريكستون وتوكسيث خلال أعوام تاتشر. وأقول محظوظين لأن الغرائز الوحشية لدى رئيس الوزراء الحالي تبدو أكثر توافقا مع التحول لمدافع المياه ولاستدعاء وحدة الغاز المسيل للدموع ولاستخدام الرصاص المطاطي بينما يعظنا بلزوجة كقس عن خسائر المجال الأخلاقي وانحدار التمدن والتدهور المحزن لقيم الأسرة والانضباط عند هذا الشباب المنحرف.
لكن المشكلة هي أننا نعيش في مجتمع صارت فيه الرأسمالية نفسها وحشية بشكل يخرج عن السيطرة. السياسيون الوحشيون يغشون في نفقاتهم، المصرفيون الوحشيون يسلبون محفظة العامة بكاملها، والعباقرة من الرؤساء التنفيذيين للشركات ومديري صناديق التحوط المالي والاستثمار الخاص المباشر ينهبون عالم الثروة، وشركات التليفونات وبطاقات الاعتماد يحملون نفقات غامضة على فواتير الكل ويكحتون بالإزميل من أسعار أصحاب المحال، وعند أي فرصة، حتى لو كان سقوط قبعتك، يلعب فنانو النصب والاحتيال الثلاث ورقات لأعلى مستويات عالم السياسة والشركات.
وأصبح الاقتصاد السياسي للنزع الجماعي لحيازة الثروة والممارسات اللصوصية لحد السرقة في وضح النهار، بالذات للفقراء و غير المحصنين والبسطاء والذين لا يتمتعون بحماية قانونية، نظاما يوميا.
هل هناك من يصدق أنه مازال يمكننا إيجاد رأسمالي أمين وصادق، سياسي أمين وصادق، مفوض شرطة أمين وصادق؟ نعم هم موجودون لكن كأقلية ينظر لهم كل الآخرين كأغبياء. تخلصوا من غبائكم واحصلوا على الأرباح السهلة. احتالوا واسرقوا. احتمالات أن يتم ضبطكم قليلة. وفي كل الأحوال، هناك طرق عديدة لحماية ثرواتكم الشخصية من تكلفة مخالفات عالم الشركات.
ما أقوله قد يبدو صادما. وأغلبنا لا يراه لأنه لا يرغب في ذلك. وبالتأكيد لا يجرؤ سياسي على التصريح به ولن تنشره الصحافة إلا للتنديد بقائله. لكن تخميني هو أن كل من شارك في تمرد الشوارع يعرف بالضبط ما أعنيه. هم يقومون بما يفعله كل الآخرين ولكن بطريقة مختلفة بشكل مرئي وواضح في الشوارع. لقد فكت التاتشرية سلاسل الغرائز الوحشية للرأسمالية (أسموها بحياء الروح الحيوانية لرواد الأعمال)، ولم يحدث شيء ليكبحها من ساعتها. شق الجروح واحرق هو شعار الطبقات الحاكمة في كل مكان تقريبا.
هذا هو المعتاد الجديد الذي نعيشه. وهذا هو ما يجب أن تتعامل معه لجنة التحقيق الكبرى القادمة. يجب محاسبة الجميع وليس فقط من أثاروا الشغب في الشوارع. يجب أن تمثل الرأسمالية الوحشة للمحاكمة على الجرائم ضد الإنسانية وضد الطبيعة.
الشيء المحزن هو أن هذا هو ما لايمكن لهؤلاء المشاغبون منزوعي العقل رؤيته أو المطالبة به. فكل شيء يتآمر لمنعنا من رؤيته والمطالبة به أيضا. لذلك تتشح السلطة السياسية بسرعة بمنطق الأخلاق العليا لكي لا يرى الواحد منا كم هي فاسدة بشكل فاضح وغير رشيدة بشكل غبي.
لكن هناك لمحات عديدة من الأمل والضوء عبر العالم. الحركات الساخطة في إسبانيا واليونان، النبضات الثورية في أمريكا اللاتينية، الحركات الفلاحية في آسيا، كلها بدأت ترى وراء الخداع الواسع الذي أطلقت له الرأسمالية العالمية الوحشية اللصوصية العنان ليسيطر على العالم. ما الذي سيتطلبه الأمر لكي يرى بقيتنا الواقع ويتصرفوا إزاءه؟ كيف يمكننا أن نبدأ من جديد؟ أي اتجاه علينا أن نأخذ؟ الإجابات ليست سهلة لكننا نعرف شيئا واحدا مؤكدا: يمكننا فقط الوصول للإجابات الصحيحة بأن نسأل الأسئلة الصحيحة.

ـــــ
ديفيد هارفي هو اقتصادي بريطاني بارز وأستاذ رفيع المستوى بجامعة سيتي بنيويورك. آخر كتبه هو "لغز رأس المال وأزمات الرأسمالية.
هذا المقال نشر على موقع davidharvey.org في 13 أغسطس 2011

الأحد، 14 أغسطس 2011

تراجيديا تل الزعتر

كتب عمر الشافعي

مقدمة جديدة لمقال قديم
على الرغم من القمع بالغ الدموية الذي يواجه به نظام الأسد الإجرامي الثورة السورية العظيمة، لا تزال تطل علينا أصوات تدافع عن هذا النظام انطلاقا من دعمه المفترض للمقاومة ووقوفه ضد الهيمنة الإمبريالية على المنطقة. ولو افترضنا جدلا أن النظام السوري الدموي يقف حقا في معسكر مناهضة الإمبريالية، لما أجاز له ذلك على الإطلاق ارتكاب ما يقترفه على مرأى ومسمع من الجميع من جرائم يندى لها الجبين في حق الشعب السوري العظيم وثورته المجيدة. ولكن مقولة عداء هذا النظام للإمبريالية هي أسطورة لا تصمد أمام أي تحليل جاد.
 
بدأت مسيرة تآمر هذا النظام على المقاومة الفلسطينية حتى قبل وصوله للسلطة! ففي سبتمبر 1970، وإبان مذابح أيلول الأسود التي نفذها النظام الأردني العميل ضد المقاومة الفلسطينية، امتنع حافظ الأسد، وكان آنذاك وزيرا للدفاع، عن تقديم التغطية الجوية للجيش السوري الذي أرسله آنذاك صلاح جديد لدعم الفلسطينيين، ومهد حافظ الأسد بذلك الطريق نحو الانقلاب الذي أوصله للسلطة في نوفمبر من نفس العام.
 
وإلى جوار تاريخ نظام الأسد، الأب والابن، المظلم كواحد من أشرس النظم البوليسية في العالم، فنحن إن نسينا فلن ننسى أبدا تل الزعتر. في عام 1976 نفذت ميليشيات اليمين الماروني في لبنان مذبحة بشعة ضد سكان هذا المخيم من اللاجئين الفلسطينيين تحت إشراف الجيش السوري الذي كان يحكم الحصار على المخيم. وعلى الرغم من المقاومة البطولية لسكان المخيم، وهو وقتها قلعة المقاومة والطبقة العاملة الفلسطينية، فقد تحول تل الزعتر في نهاية المطاف إلى مرفأ للسيارات. وبعدها بست سنوات، وبعد حافظ الأسد، جاء الدور على أرييل شارون ليشرف على مذبحة مماثلة وفي ظروف مماثلة في صبرا وشاتيلا. وقبل ذلك وبعده، دأب نظام الأسد على محاربة منظمة التحرير الفلسطينية وإفساد منظمات المقاومة بخليط من العصا والجزرة.
 
لا يمكن لنظام تلطخت يداه بدماء الفلسطينيين والسوريين أن يكون معاديا للإمبريالية. في أفضل الأحوال، ينتمي نظام الأسد إلى معسكر "الممانعة" وليس المقاومة، وهي ممانعة تعود إلى حسابات وتوازنات السياسة الدولية في المنطقة، كما أنها ممانعة تنطبق عليها بحق مقولة "يتمنعن وهن الراغبات".
 
والمقال المنشور بعد هذه المقدمة نشره كاتب هذه السطور باسم مستعار قبل 15 عاما في الذكرى العشرين لملحمة تل الزعتر في مجلة "الشرارة" اليسارية المصرية. ولعله على الرغم من مرور السنين لم يفقد مغزاه. ولتظل روح تل الزعتر، الذي يمر  اليوم بالتمام والكمال 35 عاما على سقوطه، تطارد العصابة الإجرامية التي تتهاوى اليوم غير مأسوف عليها قبضتها على دمشق. وليذهب نظام الأسد إلى مزبلة التاريخ إلى جوار مبارك وبن علي والقذافي وعلي عبد الله صالح والبقية تأتي.
عمر الشافعي
في 12 أغسطس 2011
 
 


 
ربع قرن هو عمر مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين منذ إنشائه في إحدى ضواحي بيروت الشرقية في عام 1950 حتى سقوطه في 12 أغسطس 1976 بعد قرابة أربعة شهور من الحصار التجويعي ثم 52 يومًا من القصف المتواصل على يد ميليشيات اليمين اللبناني المدعومة من جانب الجيش السوري في واحد من أشد فصول الحرب الأهلية اللبنانية مأساوية ودموية. ولأسباب عديدة فإن مذبحة تل الزعتر ينبغي أن تحتل مكانًا بارزًا في "ذاكرة الطبقة".

فهي أولاً كانت نقطة تحول هامة في مسار الحرب الأهلية في لبنان. وهي من جهة ثانية كانت أيضًا خطوة بارزة على طريق "المسيرة السلمية" في المنطقة إذ أسهمت في إزالة تلك العقبة التي وقفت كحجر عثرة في وجه التسوية مع إسرائيل والمتمثلة في استقلالية المقاومة الفلسطينية وحيوية المحيط الاجتماعي الذي يغذيها، وهو بالأساس المخيمات الفلسطينية. وأخيرًا، فإن مذبحة تل الزعتر مفعمة بالدلالات فيما يتعلق بالموقف الفعلي للبرجوازيات العربية من القضية الفلسطينية بعيدًا عن الشعارات الزاعقة والخطب الرنانة.

على أننا في هذا المقال لن نعني فقط بالمذبحة وإنما بقصة المخيم من النشأة حتى السقوط. ذلك أنه يخيل إلى أن هذا المخيم بسنواته الست والعشرين وسكانه الذين بلغوا حوالي 20 ألفًا أغلبهم من الفلسطينيين وقت سقوطه، إنما يمثل تكثيفًا هائلاً لخبرات الكادحين الفلسطينيين في زمننا هذا.

البرجوازية اللبنانية والقضية الفلسطينية
أدى قيام الدولة الصهيونية في 1948 إلى  تشريد حوالي مليون فلسطيني، لجأ أغلبهم إلى الضفة الغربية وغزة، وإلى بلدان الجوار العربي – لبنان وسوريا والأردن ومصر. وإذا كان الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لم يفرق بين الفلسطينيين حيث شرد العظمى منهم وعامل الأقلية التي بقت في أرضيها كمواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة، فإن المجتمعات العربية التي لجأ إليها الفلسطينيون قد ميزت فيما بينهم. فبشكل عام، استطاع ملاك الأراضي والبرجوازية والبرجوازية الصغيرة المهنية – وبحظوظ متفاوتة من النجاح – أن يستثمروا صلاتهم وروابطهم بالاقتصاديات العربية، ومواردهم وأموالهم التي استطاعوا نقلها من فلسطين، ومهاراتهم الفنية المطلوبة في العالم العربي في إيجاد موضع قدم بارز لهم في تطور الاقتصاديات العربية وفي الاندماج، بدرجة أو بأخرى، في هذه أو تلك من البرجوازيات العربية. بل إن العقود الثلاثة التي تلت الشتات الفلسطيني قد شهدت ما أصطلح على تسميته "الشتات الثاني"، حيث هاجرت أعدادًا واسعة من الفلسطينيين، غالبيتهم العظمى من البرجوازيين والبرجوازيين الصغار، من دول الجوار العربي إلى الخليج وليبيا حيث استفادوا من (وأسهموا في) الفورة النفطية.

أما بالنسبة للغالبية العظمى من الفلسطينيين من فلاحين سابقين وعمال غير مهرة وأسرهم، فقد اختلفت الوضع تمامًا. لقد افتقد هؤلاء جميعًا – وهم حوالي 80% من اللاجئين الفلسطينيين – الرأسمال والمهارات الفنية، ولم يكن لديهم ملاذ إلا الحياة في مخيمات اللاجئين حيث تولت مسئوليتهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا)، التي اقتصرت نشاطاتها – كما حددها تفويض الجمعية العامة للأمم المتحدة – "على أهداف إنسانية تتمثل في إغاثة اللاجئين في مجال توفير الغذاء والمأوى والتعليم والخدمات الصحية".

ولم تعط الأونروا أية سلطات سيادية أو بوليسية محلية يكون من شأنها ضمان سلامة وأمن وحقوق اللاجئين، حيث تركت هذه المسئوليات للبلدان المضيفة.

وقد نظر الحكام العرب بارتياب شديد لجيش الفقراء الفلسطينيين هذا – حوالي 800 ألف نسمة – الذي اضطروا لاستقباله في حوالي 80 من المخيمات. لقد كانوا واعين تمامًا بالدور التجذيري للنضالات الوطنية والطبقية الذي يمكن أن تلعبه القضية الفلسطينية في أوساط الجماهير العربية، وفي هذه الأجواء فإن وجود أعدادًا غفيرة من الفلسطينيين المعدمين والمصرين على انتزاع حقوقهم كان بالنسبة للحكام العرب بمثابة قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة. وهكذا راح هؤلاء الحكام يبذلون قصارى جهدهم في محاولة منع هذه القنبلة من الانفجار عن طريق تشديد القمع السياسي على المخيمات واللجوء لمختلف صنوف التمييز الاقتصادي – سواء كان تمييزًا رسميًا أو غير رسمي – ضد سكان المخيمات بهدف عزلهم عن المحيط الجماهيري الأوسع وافتعال التناقضات ومنع التلاحم الطبقي بين العمال الفلسطينيين وعمال الدول المصيفة.

وإذا كانت خبرة سكان المخيمات الفلسطينية في العالم العربي قد تمثلت في ثلاثية التمييز الاقتصادي، البؤس الاجتماعي، القمع السياسي، فإن خصوصية الوضع في لبنان قد شددت من وطأة هذه العناصر الثلاثة. ولا نستطيع أن نفهم ذلك حق الفهم إلا في إطار الدور الخاص للبرجوازية اللبنانية في المنطقة والذي تحدد على أساسه موقف هذه البرجوازية من القضية الفلسطينية. إن الدور التاريخي الذي لعبته البرجوازية اللبنانية – وهي بالأساس برجوازية تجارية ومالية – في منطقتنا هو دور الوسيط بين الداخل العربي والسوق الرأسمالي العالمي. وانطلاقًا من هذا الدور راحت البرجوازية اللبنانية تستشعر الخطر المتمثل في نمو الاقتصاد الصهيوني وانتزاعه دور الوساطة هذا من لبنان. وقد عبر ميشال شيحا، أحد كبار منظري البرجوازية اللبنانية، عن مخاوفها في هذا الصدد حيث قال: "على الصعيد الاقتصادي فإن إسرائيل لا يلين لها عيش دون صناعة ضخمة. فإذا هي صنعت نفسها بما لديها من وسائل تقنية ومالية، اكتسحت جوارها وقضت على كل شيء. وإسرائيل من جهة أخرى، لا تستطيع التنفس بدون تجارة مكثفة... ولسوف تكون التجارة الإسرائيلية، في شرقي المتوسط، بفعل ما توفره لها الدولة من حوافز، تحديًا لامناص منه، لكل المشروعات، لكل المرافئ، لكل التجاريات والوكالات. ولكل المهن التي تقتضي خدمة معينة".

كان التخوف الأساسي لدى البرجوازية اللبنانية من قيام دولة إسرائيل إذن هو خطر مضاربة التجارة الصهيونية – "بفعل ما توفره لها الدولة من حوافز" – على النشاط الاقتصادي اللبناني. ومن هنا نستطيع أن نقول مع فواز طرابلسي، أحد قادة ومنظري منظمة العمل الشيوعي في لبنان، أن "لبنان الرأسمالي التجاري والمصرفي" الذي كان الأكثر تعرضًا للأخطار الاقتصادية للاستعمار الصهيوني، هو الذي جني أكبر الأرباح من "الحل" الذي أنتهي إليه النزاع العربي الإسرائيلي عام 1948: الهدنة والمقاطعة العربية لإسرائيل. فقد أرسى هذا الحل دعامة أساسية في تطور قطاع التجارة والخدمات اللبناني، وفي دور الوساطة الذي تلعبه الرأسمالية اللبنانية بين السوق الإمبريالية والداخل العربي، بعد إزاحة المنافس الرئيسي لهذا الدور عبر المقاطعة العربية لدولة إسرائيل.

جاءت الهدنة والمقاطعة لإسرائيل إذًا للبرجوازية اللبنانية "على الطبطاب". فقيام سلام وتطبيع كامل للعلاقات مع إسرائيل يهدد بنسف دور الوساطة الذي يلعبه الاقتصاد اللبناني بين السوق العالمي والداخل العربي، حيث ينتقل هذا الدور للاقتصاد الصهيوني "الأوفر تجهيزًا والأمتن صلات مع الغرب والأغنى من حيث الإمكانات التقنية ورؤوس الأموال".

ومن جهة أخرى، فإن تحول المقاطعة العربية لإسرائيل وعدم الاعتراف بها إلى حرب يعود بالضرر البالغ على البرجوازية اللبنانية من جراء عدم الاستقرار الذي تولده الحرب وغلق الأسواق فضلاً عن احتمالات التجذير الاجتماعي والسياسي. والخلاصة أن "المبدأ الذهني" للبرجوازية اللبنانية والنظام اللبناني في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي صار "المحافظة على الأمر الوقع" وتجنب تغيير هذا الأمر الواقع سواء في اتجاه الحرب أو السلام! وعلى هذه الأرضية تشكل تعامل البرجوازية اللبنانية مع المخيمات الفلسطينية.

المخيمات في لبنان
بلغ عدد الفلسطينيين الذين وصلوا لبنان في 1948 – 1949، والذين تم تسجيلهم على قوائم الأونروا، حوالي 128 ألف شخص، عاش أغلبهم في 13 مخيمًا أقيم أغلبهم في ضواحي المدن الكبرى مثل صيدًا وبيروت وطرابلس. وكانت الأوضاع المعيشية في المخيمات بالغة البؤس، في ظل تواضع الخدمات التي تقدمها الأونروا للاجئين والتي لا تلبي الحد الأدنى من احتياجاتهم الإنسانية. ووفقًا لدراسة هامة قام بها الدكتور أمين مجج وأسامة الخالدي للأوضاع الغذائية والصحية في المخيمات فإنه: " بسبب النقص الطويل الأمد في الغذاء اليومي فإن أطفال اللاجئين بدءوا يعانون من نوع فقر الدم (الأنيميا) لم يسبق أن عرف في التغذية البشرية". وتضيف الدراسة: ".. عند النظر في الوجبة الغذائية المستهلكة فعلاً فإن الأرقام المستخلصة من معسكرات اللاجئين تقل القيمة الغذائية المقدمة على المعتقلين في معسكرات الاعتقال (النازية). فبينما كان مجموع السعرات الحرارية التي يستهلكها المعتقل في معتقلات النازية في الدانمرك خلال الحرب العالمية الثانية يبلغ 2120 سعرًا حراريًا، فقد كانت 1900 سعر حراري بالنسبة للاجئي لنبان". ونستطيع أن نقيس على ذلك حجم التردي في سائر الأحوال المعيشية من ظروف سكن غير آدمية إلى افتقار للمياه النقية وشبكات الصرف والطرق المرصوفة فضلاً عن تدني الخدمات الصحية والتعليمية.

وإذا كان النظام اللبناني قد سعى في البداية لتقليص عدد اللاجئين الفلسطينيين في لنبان حرصًا على الحفاظ على "التوازن الطائفي" الهش في البلاد (حيث أن 90% من اللاجئين الفلسطينيين كانوا مسلمين)، فسرعان ما تبين للبرجوازية اللبنانية أن هؤلاء اللاجئين يمثلون "قيمة" كبيرة حيث أنهم مصدر رائع للعمل الرخيص. وفي ظل التمييز القانوني الصريح ضد العمال الأجانب (ينص القانون على ضرورة حصولهم على إجازة (تصريح) عمل وتتشدد السلطات في منح هذه الإجازات وهو ما يعني اضطرار أغلب الفلسطينيين للعمل بشكل غير شرعي في أعمال من الدرجة الثانية بأجور متدنية، كما يحول القانون دون تمتعهم بمزايا نظام الضمان الاجتماعي رغم اقتطاع اشتراكاته من أجورهم) راحت البرجوازية اللبنانية تستغل التدفق الكبير للأيدي العاملة الفلسطينية الرخيصة في خلق جيش عمل احتياطي كبير وتخفيض الأجور للعمال الفلسطينيين واللبنانيين معًا، وإثارة العداء المصطنع بين العمال الفلسطينيين واللبنانيين بهدف شق صفوف الطبقة العاملة.

وعلى الصعيد السياسي والأمني، تم حرمان الفلسطينيين من عضوية النقابات ومن أية أشكال للنشاط السياسي. وتولي "لمكتب الثاني" (المخابرات اللبنانية) بمساعدة أجهزة أمنية أخرى السيطرة على المخيمات حيث شدد السيطرة على حركة الفلسطينيين خارج المخيمات عن طريق إجبارهم على الحصول على تصاريح للدخول أو الخروج أما الزيارات بين المخيمات فكانت تقتضي تصاريح خاصة، مع تسجيل وقت الوصول والمغادرة، فضلاً عن تحديد سبب الزيارة وأسماء المضيفين. بل إن الحركة داخل المخيمات كانت أيضًا مقيدة، حيث لم يسمح للسكان بمغادرة منازلهم بعد التاسعة مساء، وفي بعض المخيمات كانت الأنوار تطفئ في العاشرة مساء.

وإلى جانب حظر كل نشاط سياسي بما في ذلك جمع التبرعات لأي غرض، فإن التنكيل الشديد بسكان المخيمات كان من ممارسات اليومية لضباط المكتب الثاني. ولأتفه الأسباب كان يتم "استجواب" السكان حيث كان الكثيرون يعودون مضروبين أو معذبين، إن لم يموتوا بالفعل تحت التعذيب، ويمكننا القول دون أدنى مبالغة إن المخيمات كانت – حتى 1969 عندما تولت المقاومة الفلسطينية الإشراف عليها – أقرب ما تكون إلى معسكرات الاعتقال.

نشأة وتطور مخيم تل الزعتر 1950 – 1969
اشترك مخيم تل الزعتر مع سائر المخيمات الفلسطينية في لبنان في السمات العامة التي أوردناها من افتقار الشروط الدنيا للمعيشة الإنسانية اللائقة إلى توحش القمع السياسي. على أن السمة الأساسية التي ميزته كانت موقعه تحديدًا. فقد أنشئ المخيم في 1950 في المنطقة التي تسمى ضواحي بيروت الشرقية (وتحديدًا المنطقة الشرقية الشمالية). في ذلك الوقت كان النشاط الزراعي مزدهرًا نسبيًا في تلك المنطقة التي اشتهرت بشكل خاص ببساتين الحمضيات والخضروات. وفي ذلك الوقت اشتعل قسم كبير من سكان المخيم، الذي لم يكن يتجاوز عدد سكانه بضع مئات، في الزراعة. على أن النشاط الزراعي بدأ ينحصر تمامًا في أوائل الستينات على أثر نمو النشاط الصناعي وازدهار حركة البناء في معظم مناطق بيروت الشرقية الشمالية، وخاصة في المنطقة المحيطة بالمخيم (الدكوانة والمكلس) وبحلول عام 1968 صار النشاط الزراعي لا يستوعب سوى 1.5% من مجموع القوى العاملة في عموم المنطقة الشرقية، وسارت المنطقة الشرقية الشمالية من بيروت أهم مناطق البنان الصناعية على الإطلاق حيث ضمت 29% من الرأسمال الصناعي اللبناني.

وكان طبيعيًا أن يقترن بالتطور الكبير للمنطقة المحيطة بالمخيم، تطور ديمرجرافي هام داخل المخيم ذاته، حيث راح عدد السكان يرتفع من 400 نسمة في عام 1950 إلى 778 نسمة في 1951، ثم بدأ النمو السكاني يتباطأ بين 1952 – 1954 ثم راح يتسارع مرة أخرى مع تنامي وتيرة التصنيع حيث وصل عدد السكان إلى حوالي 3 آلاف نسمة في 1955، ثم حوالي 6600 في 1960/1961، ثم حوالي 9900 في 1964/1965، ثم حوالي 10400 في 1966/1967، فحوالي 13100 في 1970/1971، ثم حوالي 14200 في 1971/1972.

ولم يكن الجانب الأكبر من هذا النمو السكاني مرتبطًا بالتزايد الطبيعي في عدد السكان (الفارق بين المواليد والوفيات) وإنما ارتبط أساسًا بالانتقال السريع إلى المخيم من مخيمات المناطق الجنوبية والشمالية والشرقية من لبنان بفعل تحول المناطق الشرقية من بيروت بشكل عام، والمنطقة المحيطة بمخيم تل الزعتر بالذات، إلى مناطق جذب اقتصادي.

ولكن التغير الأكثر أهمية بكثير من مجرد التنامي السريع للسكان في المخيم كان التحول البارز في التركيب الاجتماعي للسكان. فوفقًا لدراسة هامة أجريت على سكان المخيم في عام 1969 / 1970، تبين أن حوالي 87% من أبناء المخيم يأتون من قرى فلسطينية وكانوا يعملون بالزراعة أو تربية الماشية في حين أن 13% فقط أبناء مدن فلسطينية. وبحلول عام 1972 لم يعد يعمل بالزراعة من سكان المخيم سوى حوالي 60 شخصًا يشكلون مع عائلاتهم (إذا اعتبرنا في أقصى الأحوال أن متوسط عدد أفراد العائلة الفلسطينية هو 8 أشخاص) حوالي 480 شخصًا، أي قرابة 3.4% فقط من مجموع سكان المخيم.

وبحكم وقوع المخيم في قلب منطقة صناعية هامة فقد تدفقت عليه أعداد غفيرة من الأيدي العاملة من غير الفلسطينيين الذين شكلوا في أواخر الستينات حوالي 23% من سكان المخيم، أغلبهم من فقراء اللبنانيين والأكراد والمصريين والسوريين. وتعد هذه النسبة أعلى كثيرًا من نسبة غير الفلسطينيين في مخيمات لبنان عمومًا.

أوضاع العمل والعمال بالمخيم
بلغ مجموع القوى العاملة في تل الزعتر في عام 1972 حوالي 3650 شخصا، مثلوا حوالي 25% من سكان المخيم. ووفقًا لدراسة عامة حول البنية الطبقية للقوى العاملة  للمخيم، فإن حوالي 285 شخصًا فقط يمثلون 7,8% من مجموع القوى العاملة يمثلون شرائح مختلفة – حرفية ومهنية – من البرجوازية الصغيرة، في حين تمثل البروليتاريا (العاملون في مؤسسات تشغل أكثر من 25 عاملاً) وأشباه البروليتاريا (العاملون في المؤسسات الصناعية والخدمية الصغيرة، التي تشغل أقل من 25 عاملاً وكذلك في الأعمال الشاقة الموسمية وشبه الموسمية) حوالي 86,8% من إجمالي القوى العاملة، ويندرج بقية القوى العاملة – حوالي 200 شخص يمثلون 5,4% من القوى العاملة – في فئات البروليتاريا الرثة (أو الفئات العمالية التي تزاول أعمالاً هامشية وخدمات ثانوية) يتكون أغلبهم من خادمات المنازل.

وفيما يتعلق بالتوزيع القطاعي للطبقة العاملة في المخيم، فإن الدراسة ذاتها تبين أن نسبة العمال العاملين في الصناعة بلغت 60,3% في 1972، مقابل 37,27% للعاملين في الخدمات و2,43% في الزراعة. وتمثل العاملات نسبة 25% من مجموع العمال الذكور والإناث في تل الزعتر. أما في القطاع الصناعي وحده، فإن نسبة العاملات ترتفع قليلاً حيث تبلغ حوالي 32% من مجموع العمال. قلنا أن 86,8% من مجموع القوى العاملة يتمثل في العناصر البرولتيارية وشبة البروليتارية، وهو ما يشير إلى مستوى عال من البلترة في صفوف سكان المخيم. إلا أن تشريح هذه النسبة يبين أن الغالبية داخلها تتكون من العناصر شبه البروليتارية التي تعمل في مؤسسات صغيرة تتصف ظروف العمل داخلها بقدر كبير من عدم الاستقرار. وينطبق ذلك بشكل خاص على العمال الذكور، حيث لا تزيد نسبة العمال الذكور العاملين في مؤسسات كبيرة عن 7% من إجمالي عددهم.

ويعود ضعف تمركز العمال الفلسطينيين بالأساس إلى سياسة التمييز التي أشرنا إليها من قبل خلال الحديث عن أحوال المخيمات بشكل عام. فالقانون اللبناني يشترط حصول العامل الفلسطيني (والأجنبي عموما) على إجازة عمل. وجدير بالذكر أن إجازة العمل هذه لا تخول العامل الفلسطيني حق العمل في كافة المؤسسات أو المهن المختلفة، بل تقتصر على السماح له بالعمل في مؤسسة محددة، وينتهي مفعول ومد الإجازة فور ترك العامل لهذه المؤسسة لأي سبب من الأسباب، ومن الناحية العملية، فإن السلطات اللبنانية كانت تتشدد في تنفيذ هذا القانون فيما يتعلق بعمل الفلسطينيين في المؤسسات الكبيرة، حيث تشترط على صاحب العمل في هذه المؤسسات أن يحصل على إجازة عمل لعماله الفلسطينيين وتمتنع في الوقت ذاته عن منح هذه الإجازات في أغلب الأحوال. أما فيما يتعلق بالمؤسسات الصغيرة والعمل الشاق وغير الموسمي، فإن السلطات كانت تختار في الأغلب أن تغمض أعينها عن عمل الفلسطينيين غير الشرعي، مما يشجع أصحاب هذه المؤسسات على تشغيل الفلسطينيين بأجور متدنية.

والأمر الجدير بالتأمل هنا هو أن إجازة العمل، سواء في حال حصول العامل الفلسطيني عليها أو عدم حصوله عليها، فإنها تستعمل كسلاح ضد للقبول بشروط العمل التي بفرضها عليه صاحب العمل. فإذا حصل العامل على الإجازة، فإنه يشعر بأن سيف الفصل من عمله، الذي يعني تلقائيًا وقف سريان الإجازة، مسلط على رقبته بشكل خطير، حيث أن حصوله على إجازة عمل جديدة يعني مزيدًا من الأعباء المالية على أجره المتدني أصلاً فضلاً عن تعطل وقته وإهدار طاقته في دهاليز البيروقراطية الحكومية المعادية له. وإذا لم يحصل العامل على الإجازة فإن صفة عدم الشرعية (التي تنطبق على الغالبية العظمى من العمال الفلسطينيين في لبنان!) تجبره على القبول بأجور منخفضة وظروف عمل سيئة.

وينبغي أن نذكر أن ما ذكرناه عن ضعف تمركز العمال الفلسطينيين الذكور في تل الزعتر لا ينطبق على العاملات الفلسطينيات. فالمؤسسات الصناعية الكبيرة، بدعم من السلطات، تتغاضي عن شرط حصولهن على إجازة العمل نظرا لتمتعهن بميزة إضافية وهي تدني أجورهن حتى بالمقارنة بزملائهن من العمال الفلسطينيين الذكور الذين يتقاضون في الأغلب أجورا تقل عن أجور العمال اللبنانيين. وهكذا فإن أكثر من 50% من العاملات في الصناعة في تل الزعتر كنّ يعملن في مؤسسات كبيرة، خاصة في مجالي الصناعات الغذائية وصناعة النسيج.

وإلى جانب المشكلات المتعلقة بإجازة العمل بين المنح والمنع، فإن الشكل الثاني للتمييز الفج ضد العمال الفلسطينيين تمثل في عدم شمولهم في الضمان الاجتماعي الذي يشتمل على الفروع الأربعة التالية: ضمان المرض والأمومة، ضمان طوارئ العمل والأمراض المهنية، نظام المعاش، نظام تعويض نهاية الخدمة. وينص قانون الضمان الاجتماعي اللبناني صراحة على أنه "لا يستفيد الأجراء الأجانب الذين يعملون على أراضي الجمهورية اللبنانية من أحكام هذا القانون.. إلا بشرط أن تكون الدولة التي ينتسبون إليها تقر للبنانيين مبدأ المساواة في المعاملة مع رعاياها فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي". وحيث أن الفلسطينيين ليست لديهم "دولة ينتسبون إليها" فقط صار شمولهم في الضمان الاجتماعي مستحيلا، رغم اقتطاع اشتراكاته من أجورهم إجباريا، وسواء كانوا حاصلين على إجازة العمل أم لا!!

ويجدر بنا هنا أن نذكر أن أوضاع العمال الفلسطينيين تتشابه في جوانب كثيرة مع أوضاع زملائهم من اللبنانيين. فالعامل الفلسطيني واللبناني معا يعانين من تفشي الفصل التعسفي وعدم منح أغلب المؤسسات لإجازة أسبوعية مدفوعة الأجر، وامتناعها عن صرف أجر عن أيام المرض، فضلا عن أشكال عديدة أخرى من انتهاك أبسط الحقوق الإنسانية. إلا أن التمييز القانوني والفعلي ضد العمال الفلسطينيين، ضمن إطار تردي أحوالي العمال عموما، كان يسهم في شق صفوف الطبقة العاملة وبالتالي تكثيف استغلالها.

وعلى صعيد العمل النقابي، فإن السلطات اللبنانية – كما ذكرنا من قبل – كانت تحظر العمل النقابي تماما حتى 1969. وأدى ذلك لاحتواء العمل النقابي في تل الزعتر في إطار من السرية وعدم الفاعلية. على أن الوضع النقابي لم يتغير كثيرا بعد سيطرة المقاومة على المخيمات منذ 1969 حيث أن الطابع الفوقي والبيروقراطي للاتحاد العام لعمال فلسطين في لبنان حال دون تمكنه من خلق جذور حقيقية بين العمال الفلسطينيين في تل الزعتر الذين لم ينظم سوى أقلية منهم للإتحاد، واتسمت عضويتهم بعدم الفعالية.

انتعاش المقاومة ونسمات الحرية
فضحت هزيمة 1967 عجز الأنظمة العربية الشديد، وراحت هذه الأنظمة تغطي عجزها هذا من خلال دفع حركة المقاومة الفلسطينية لمركز الصراع مع إسرائيل في محاولة لتخفيف حدة الغضب الشعبي. ولكن السماح لحركة المقاومة بالعمل انطلاقا من أراضي الدول العربية كان سلاحا ذا حدين من وجهة نظر هذه الأنظمة. ففي حين أن تشجيع المقاومة كان مفيدا على صعيد تلطيف صورة الأنظمة أمام الجماهير، فإن هذه الإستراتيجية كان من شأنها "توريط" الأنظمة في مواجهة مع إسرائيل لم تكن راغبة فيها ولا مستعدة لها، كما أن حركة المقاومة سرعان ما راحت تلهب المشاعر النضالية لدى الجماهير العربية في اتجاه تجذير النضالات الطبقية الاجتماعية والسياسية في بلدانها. وكان هذا المأزق هو الجذر الأساسي للصدامات العديدة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات بين المقاومة الفلسطينية وهذا أو ذلك من الأنظمة العربية، وخاصة النظامين الأردني واللبناني.

أصبحت المقاومة الفلسطينية بؤرة جذب وتجذير للجماهير اللبنانية، والعربية عموما على أثر معركة الكرامة في أوائل مارس 1968 عندما استطاع الفدائيون الفلسطينيون أن يصمدوا في وجه هجوم حرب إسرائيلي متفوق عددا وعتادا على بلدة الكرامة الواقعة على الضفة الشرقية لنهر الأردن. وراح العمل الفدائي يتكاثف في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك انطلاقا من الأراضي العربية المحيطة بإسرائيل، ومنها جنوب لبنان. وفي إبريل 1969 وقعت أحداث جسام أكدت عمق الشعبية التي حظيت بها المقاومة بين الجماهير اللبنانية. ففي منتصف إبريل طارد الجيش اللبناني مجموعة من الفدائيين العائدين من عملية في إسرائيل، وقام الجيش خلال المطاردة بمحاصرة بلدة بنت جبيل التي رفض أهلها تسليم الفدائيين المطلوبين. وبعد ثلاث أيام من القصف المتواصل للبلدة قام الفدائيون بتسليم أنفسهم لإنقاذ بنت جبيل من التدمير الكامل، وتم اعتقالهم في صور.

وعلى الفور اندلعت مظاهرات اجتماعية على امتداد لبنان تطالب بالإفراج عن الفدائيين. ومع تصاعد المظاهرات والإضرابات يوما بعد آخر دعت مجموعة الأحزاب الوطنية والتقدمية التي كان كمال جنبلاط ينسق تحركها لمسيرة احتجاجية كبرى في قلب بيروت يون 23 إبريل. ورغم حظر وزارة الداخلية (التي كان يقودها عادل عسيران المنتمي لواحدة من العائلات الشيعية الأربع الفاحشة الثراء السيطرة على الجنوب اللبناني) للمسيرة فقد تدفقت الآلاف المؤلفة من كل حدب وصوب على قلب بيروت. وما أن بدأت المسيرة السلمية حتى واجهتها السلطات بعنف بالغ. فعندما عجزت خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع عن فض المسيرة، بدأت قوات الأمن تفتح النار بشكل مباشر وعشوائي على المسيرة مما أسفر عن مذبحة راح ضحيتها ما لا يقل عن 30 قتيلاً و100 جريح ومئات المعتقلين. وكانت المفارقة صارخة بين وحشية الأمن والجيش في مواجهة المتظاهرين والوداعة الشديدة التي أبداها الجيش قبل أربعة شهور فقط عندما لم يحرك ساكنًا إزاء الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت، التي تم خلالها تدمير 13 طائرة لبنانية، في 28 ديسمبر 1968.

في أعقاب أحداث إبريل 1969، وقعت عدة صدامات مسلحة كبيرة بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية التي استطاعت في النهاية عبر صمودها البطولي والالتفاف الجماهيري حولها أن تنتزع ليس فقط شرعية وجودها في لبنان (من خلال اتفاق القاهرة الذي تم بوساطة عبد الناصر) بل أن تحرر كذلك المخيمات الفلسطينية من السيطرة القمعية البشعة للمكتب الثاني.

ومن وجهة نظر سكان المخيمات لم تكن حركة المقاومة تعني فقط إمكانية المواجهة المباشرة مع العدو الصهيوني وإنما أيضا تحرير المخيمات سياسيا. كانت القضية الجوهرية هي تحويل المخيمات من معسكرات اعتقال إلى قواعد ثورية. وإلى جانب انضمام أعداد ضخمة من شباب المخيمات لأفواج الفدائيين، راح النشاط السياسي يزدهر بشكل غير مسبوق داخل المخيمات التي وجدت المنظمات والأحزاب اليسارية والقومية الراديكالية فيها أرضا شديدة الخصوبة.

الصراع الطبقي ومقدمات الحرب الأهلية
خلال السنوات الممتدة من مايو 1968 إلى إبريل 1975 شنت إسرائيل أكثر من 6200 هجوما عسكريا على لبنان (بواقع ثلاثة اعتداءات يوميا!) منها حوالي 4000 عملية قصف بالمدفعية والطائرات لقرى وبلدان ومخيمات، وأكثر من 350 غزو مباشر تتراوح الحجم والمدى. ومع ذلك فلم يحدث أن رفع الجيش اللبناني إصبعا في مواجهة هذه الدوامة من الاعتداءات المتواصلة. ذلك أن الجيش كان مشغولا في معركة مقدسة على الجبهة الداخلية ضد إضرابات العمال وتمردات الفلاحين ومظاهرات الطلاب المتواصلة أيضًا خلال الفترة ذاتها.

كانت هناك بالطبع أرضية موضوعية للارتفاع الهائل في مستوى الصراع الطبقي في لبنان منذ أواخر الستينات. فالنصف الثاني من الستينات شهد ذبول ما عرف بالـ"معجزة" الاقتصادية اللبنانية التي تمثلت في تحقيق معدلات نمو سنوية زادت في المتوسط عن 10% خلال النصف الأول من الستينات والتجاوز النسبي للطابع الخدمي للاقتصاد اللبناني من خلال برنامج التصنيع الطموح الذي تبناه الجنرال فؤاد شهاب خلال فترة رئاسته (1958 – 1964). فقد انخفض معدل النمو إلى حوالي 2,5% في النصف الثاني من الستينات، وأدى تقلص الإنتاج وارتفاع الأسعار الفلكي (جزئيا بسبب التضخم الذي كان لبنان يستورده جنبا إلى جنب السلع المشتراة من الغرب في فترة بدأت فيها مظاهر الأزمة تمسك بتلابيب العالم الرأسمالي المتقدم، وجزئيا بسبب النشاط المسعور للشركات الاحتكارية المحلية) إلى المزيد من اعتصار العمال والفلاحين وتعميق الاستقطاب الطبقي في المجتمع اللبناني.

شهدت الحركة العمالية صعودا كيفيا منذ بداية السبعينات. في 1970 حققت الحركة العمالية وحدتها التنظيمية عندما اتحدت تسعة اتحادات نقابية مكونة "المجلس الأعلى للعمل" وعلى الرغم من الطابع النضالي للمجلس الأعلى للعمل (الذي لا يمكن مقارنته على الإطلاق بما لدينا في مصر من اتحاد نقابي فاقع الصفار) فإن السمة الأساسية للحركة العمالية في سنوات السبعينات الأولى كانت هي ذلك التحدي العميق الذي واجهه المجلس الأعلى للعمل من جانب حركة قاعدية مناضلة وعلى قدر كبير من التسيس. انتشرت اللجان العمالية المنتخبة في غالبية المناطق الصناعية. وقد بدأت هذه الحركة في المكلس وهي إحدى أهم الضواحي الصناعية في منطقة بيروت الشرقية، وكان يعمل بها جانب كبير من عمال تل الزعتر. وراحت اللجان العمالية تتفاعل فيما بينها وتنسق حركتها من خلال إصدار جريدة عمالية على المستوى القومي، هي "نضال العمال"، التي جمعت وربطت بين طرح المطالب الاقتصادية والاجتماعية الجذرية والدعوة لإصلاح النقابات العمالية ودمقرطتها.

وحدث في مناسبتين سبتمبر 73 ثم فبراير 74 أن دعا المجلس الأعلى للعمل – تحت ضغط هائل من أسفل – للإضراب العام مطالبا بزيادة الأجور وتقليص الفصل التعسفي. وفي المرتين ألغي المجلس الإضراب قبل ساعات من موعده مقابل إصلاحات حكومية محدودة. إلا أنه عجز تماما في المرة الثانية – فبراير 74 – عن فرض قراره على القواعد العمالية. فقد نفذ جميع عمال المكلس الإضراب تحت قيادة لجانهم المنتخبة. كما التزم أغلب عمال الجنوب اللبناني أيضا بالإضرابات حيث قاد تحركهم "اتحاد نقابات جنوب لنبان". واندلعت مظاهرات احتجاجية هائلة ضد قرار إلغاء الإضراب في طرابلس وصيدا وصور. وهكذا صار واضحا للعيان تماما أن اللجان العمالية صارت قوة لا يستهان بها بحلول عام 1974.

وخلال سنوات أوائل السبعينات أيضا كان الريف اللبناني يغلي. فمن الانتفاضة المسلحة لفلاحي سهل عكار على بعد نحو 150 كيلو مترا شمال بيروت وقرب الحدود السورية في نوفمبر 1970 مرورا بالمظاهرات الهائلة لفلاحي الجنوب ضد شركة الريجي المحتكرة لشراء وتسويق وتصنيع إنتاجهم من التبغ (السلعة الأساسية في الجنوب) في يناير 1973، ووصولاً إلى المؤتمرات الجماهيرية للفلاحين والعمال الزراعيين في سهل البقاع خلال سنوات 73، 74، 75، كان الفلاحون والعمال الزراعيون يعبرون عن مرارة عميقة إزاء الرسملة المتسارعة للريف وما ينتج عنها من طرد بالجملة للفلاحين من أراضيهم وارتفاع للأسعار وتكثيف الاستغلال.

أما على صعيد الحركة الطلابية. فيكفي أن نذكر أن المظاهرات والإضرابات الطلابية – وكذلك مظاهرات وإضرابات المدرسين وأساتذة الجامعات! – كانت جزءا من النسيج شبه اليومي لنشاط المدارس والجماعات طوال النصف الأول من السبعينات. وقد جمعت هذه الحركة بين المطالب السياسية العامة – وخاصة تأييد المقاومة الفلسطينية والدعوة لسياسية دفاعية حقيقية ضد الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة – والمطالب المتعلقة بالإصلاح الجوهري للتعليم سواء على مستوى دمقرطة الإدارة التعليمية أو تعديل المناهج بما يتفق مع احتياجات الطلاب أو زيادة الإنفاق الحكومي على التعليم.

وفي محاولة مستميتة، لإنقاذ الرأسمالية اللبنانية في ظل هذا الغليان، راح نظام سليمان فرنجية (1970 – 1976) المفرط في الرجعية يجرب الإقدام على إصلاحات تافهة. فقد استدعى فرنجية لرئاسة الوزارة السياسي السني التقليدي صائب سلام الذي أعلن عن "ثورة من أعلى لتجنب ثورة من أسفل". وبالفعل شكل سلام وزارة التقنيين الشبان نسبيا المتحمسين لقدر بسيط من الإصلاح، إلا أن إصلاحاتهم باءت بفشل ذريع.

فوزير المالية إلياس سابا اضطر للاستقالة بسبب الحرب التي شنتها شده جمعيات رجال الأعمال بسبب قراره بزيادة الجمارك على عدد من سلع الاستهلاك الترفي المستوردة لتمويل بعض المشروعات الاجتماعية الإصلاحية. أما وزير الصحة إميل بيطار فقد استقال أيضا بضغط من كبار مستوردي الأدوية بسبب مشروعه لتوفير الدواء بأسعار معقولة. كما تعرض ثلاثة من وزراء التعليم على التوالي للاستقالة الاضطرارية أو الإقالة بسبب طرحهم لإصلاحات على نظام التعليم رفضها رئيس الجمهورية.

كان فشل التكنوقراط في إنجاز أشد الإصلاحات تواضعا في ظل غليان اجتماعي وسياسي هائل دليلا على الإفلاس التام للرأسمالية اللبنانية ونظامها السياسي الطائفي المتعفن.

وإزاء هذا الفشل الذريع، ومع استمرار حالة الغليان في المصانع والمزارع والمدارس والجامعات والمخيمات، فضلا عن التوتر الشديد على الحدود مع الدولة الصهيونية، راحت نذر الحرب الأهلية تتبدى، واستعد أقصى اليمين لهذه الحرب بتكثيف التسليح والتدريب العسكري لميليشياته بالتعاون المباشر مع الجيش، ومن خلال إمدادات السلاح من إسرائيل والولايات المتحدة والتدفقات المالية من بلدان الخليج، فضلاً عن التدريب في معسكرات الملك حسين بالأردن.

الحرب الأهلية
عندما قررت نقابات الصيادين في صيدا وصور وطرابلس أن تضرب في فبراير 1975 احتجاجا على توسيع الحكومة لاحتكار شركة بروتين (التي كان أحد أهم ملاكها ومديرها العام كميل شمعون الرئيس السابق الذي فجر حكمه الحرب الأهلية في 1958 وأحد قادة الميليشيات اليمينية الأساسية) لصناعة الصيد، لم تكن تلك النقابات تعلم أن قرارها هذا سيضع لبنان على عتبة حرب أهلية جديدة أشد ضراوة كثيرا من سابقتها. فعلى حين أن إضرابات صور وطرابلس قد مرت بسلام، فقد قمع الجيش ببربريته المعهودة إضراب صيادي صيدا وأسفر القمع، من بين ما أسفر عنه، عن استشهاد القائد الشعبي للمدينة معروف سعد متأثرا بإصابته بطلقات رصاص وجهها لمظاهرة تأييد للصيادين.

وإذا كان قمع الصيادين ومقتل معروف سعد قد رفع درجة الغليان السياسي في لبنان، فإن المذبحة التي نفذتها ميليشيا "الكتائب" اليمينية المتطرفة ضد أتوبيس يجمل عائلات فلسطينية ولبنانية كانت في طريق عودتها إلى مخيم تل الزعتر بعد حضور اجتماع شعبي في مخيم صبرا في 13 إبريل، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثين شخصا، كانت إشارة البدء للحرب الأهلية.

ليس هذا هو المجال بالطبع لتحليل وافي للحرب الأهلية اللبنانية من حيث أسبابها وطبيعتها ومساراتها. ولكن يمكن القول على وجه الإجمالي أن رحى هذه الحرب قد دارت حول محاور ثلاثة، كانت هناك أولاً "المسألة الاجتماعية". فاليمين يسعى لإبقاء الوضع على ما هو عليه، في حين يناضل اليسار من أجل تغيير اجتماعي تتراوح حدته باختلاف فصائل هذا اليسار بين الثورة الاجتماعية من جانب والإصلاحات التي ترفع مستوى معيشة جماهير العمال والفلاحين وتعيد توزيع الدخل لصالحهم بعض الشيء من جانب آخر. ثم كانت هناك "المسألة الوطنية". اليمين يطالب باستمرار السياسة "الحيادية" للبنان إزاء الصراع العربي الإسرائيلي ورحيل المقاومة الفلسطينية من الأراضي اللبنانية، في حين يطالب اليسار بسياسة معادية للإمبريالية تحصن الجنوب أما الهجمات الإسرائيلية وتدعم المقاومة الفلسطينية. أما ثالث المحاور وربما أكثرها بروزا فتمثل في "المسألة الطائفية". فاليمين يستهدف الحفاظ على جوهر النظام الطائفي بلا تعديل، في حين يناضل اليسار للقضاء على الطائفية واستبدالها بنظام سياسي علماني ديمقراطي. وانطلاقا من مركزية هذا المحور الثالث فإن كمال جنبلاط – القائد والأب الروحي لمعسكر "اليسار" بالمعنى الواسع – قد وصف اندلاع الحرب الأهلية في 1975 قائلاً: "هذه هي 1789 الخاصة بنا" في إشارة إلى الثورة الفرنسية التي قضت على الامتيازات الخاصة للطوائف الدينية وحررت الإنسان الفرد من سطوة هذه الطوائف وأعلنت المساواة السياسية الكاملة بين جميع المواطنين.

 

ومن المهم أن نشير هنا سريعا للطابع المركب للنظام الطائفي. فمن جهة كان للطائفية السياسية في لبنان طابع طبقي واضح، حيث حققت توزيعا محسوبا بدقة للامتيازات والمناصب العليا بين الشرائح العليا للطوائف المختلفة، أي بين البرجوازية بمختلف انتماءاتها الطائفية. وبكلمات عالم سياسة فرنسي تخصص في دراسة المجتمع اللبناني: "يعزز النظام الطائفي سيطرة الطبقات المتميزة لأنه ينزع نحو توحيد الطبقات الحاكمة وتفتيت المستضعفين". ومن جهة أخرى، وفي إطار هذا الطابع الطبقي لعام، فإن النظام الطائفي يمنح امتيازات خاصة ووضع مهيمن للمارونيين بالمقارنة بالطوائف الأخرى.

على الرغم من أن النظام الطائفي كان الشكل المميز لهيمنة البرجوازية على المجتمع اللبناني، فإن خصوصية الامتيازات المارونية جعلت من البرجوازية المارونية القطاع الأكثر انسجاما مع هذا النظام والأكثر شراسة في مواجهة أية محاولة لإدخال تعديلات عليه. وقد استهدف المشروع السياسي للبرجوازية المارونية – معبرا عن نفسه في أحزاب وميليشيات اليمين الماروني وأبرزها "الكتائب" – حشد المارونيين، والمسيحيين عموما، من كافة الطبقات وراء الإبقاء على النظام الطائفي، وتصوير أي هجوم على هذا النظام كهجوم على المسيحيين أنفسهم. جوهر مشروع اليمين الماروني إذن كان الدفاع عن مصالح البرجوازية اللبنانية عموما في استمرار الطائفية والحفاظ على هيمنة البرجوازية المارونية بالذات داخل البرجوازية اللبنانية. واتساقا مع الطابع البرجوازي لهذا المشروع راح اليمين الماروني يصور الحرب الأهلية ذاتها على أنها حرب طائفية.

وفي مواجهة اليمين الماروني، تمثل معسكر اليسار في الحرب الأهلية في تحالف "الحركة الوطنية اللبنانية" والمقاومة الفلسطينية. وكانت "الحركة الوطنية" عبارة عن جبهة واسعة من الأحزاب والقوى الوطنية واليسارية أضفت عليها قيادة كمال جنبلاط قدرا من الوحدة والتماسك. وتمثلت أهم قوى اليسار داخل الحركة الوطنية في الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي. تبني الحزب الشيوعي نظرية المراحل الستالينية في أنقى صورها وفصل بوضوح بين "الثورة الوطنية الديمقراطية" الممكنة التحقيق والواقعية، و"الثورة الاشتراكية" التي تمثل الأفق التاريخي للنضال ولكنها غير مطروحة على جدول الأعمال الآني. أما "منظمة العمال الشيوعي" الأكثر راديكالية فقد ربطت (وإن يكن بشكل يشوبه الغموض) بين القضاء على الطائفية وتحقيق المهام الوطنية من جانب والثورة الاجتماعية من جانب آخر، حيث أكدت، على لسان فواز طرابلسي، أن "الإلغاء الكامل للامتيازات الطائفية بما هي أيضا امتيازات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، لا يتم إلا بقيام سلطة وطنية ديمقراطية تفتتح التحول الاشتراكي الذي يقضي وحدة على كافة أشكال التمييز الطبقي والطائفي والعنصري".

التدخل السوري ومعركة تل الزعتر
بعد حوالي سنة من الاقتتال العنيف، وبالتحديد في مارس 1976، كان تحالف الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية قد أحرز انتصارا عسكريا حاسما، إذ صار يسيطر على حوالي 82% من أراضي لبنان مقابل 18% لليمين الماروني الذي صار في حال لا يحسد عليه. وفي هذه الأثناء اكتسب الدور السوري أهمية استثنائية.

فحتى مطلع 1976 كان اليمين الماروني يحظى بمساندة إسرائيل وأمريكا والأردن ودول الخليج ومصر. وكان "تقسيم العمل" بين هذه الأطراف يسير بدقة تستحق الإعجاب! فإسرائيل توفر إمدادات هائلة من السلاح فضلاًَ عن قيام ضباطها منذ أوائل 1976 بتدريب الميليشيات اليمينية عسكريا وإمدادها بالخطط القتالية. ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، ترسل فيضا متدفقا من الأموال دعما للمعسكر "المسيحي" تعبيرا عن تسامح إسلامي سامي!! والأردن يقدم معسكرات تدريب للقوات اليمينية. أما دور مصر الساداتية فتمثل أساسا في الدعم السياسي والأيديولوجية لليمين من خلال حملة تشويه مكثفة لطبيعة الصراع الدائر في لبنان. وقد بلغت هذه الحملة من الكثافة لدرجة أن نائب الرئيس المصري وقتها حسني مبارك (الذي لم يكن مشهورا على الإطلاق بالحنكة السياسية أو القدرة على التحليل السياسي، فضلا عن جهله الشديد بقضايا السياسة الخارجية) اضطر للإسهام فيها حيث صرح في أحد أيام نوفمبر 1975 للأهرام "أن الشيوعيين هم الذين يفجرون الأحداث في لبنان، وأنه ليست هناك حركة وطنية إنما مجرد تغطية لأهداف الشيوعية الدولية"، فيا له من سياسي ثاقب النظر حقا!

أما بالنسبة للنظام السوري، فإن موقفه من الحرب طوال عام 1975 كان موقف "الحكم النزيه" – الحريص على الظهور بمظهر الحياد والحفاظ على توازن معين بين القوى المتصارعة في لبنان يحول دون توريط سوريا في صدام مع إسرائيل (حال انتصار اليسار والفلسطينيين) كما يحول دون تكريس الهيمنة الإسرائيلية على لبنان (في حالة انتصار اليمين الماروني). ومع الانتصارات الحاسمة لمعسكر اليسار في مطلع 1976 حدث تحول هام في السياسة السورية التي اندفعت في التحالف السافر مع اليمين، سياسيا وعسكريا.

كانت دوافع سياسة الأسد الجديدة متعددة. فهو أولاً يريد أن يقضي على أية عراقيل تحد من إستراتيجية القائمة على استعادة الجولان المحتلة بواسطة تسوية سلمية مع إسرائيل، وأهم هذه العراقيل هي وجود حركة مقاومة فلسطينية "متطرفة" ومستقلة عن الهيمنة السورية ومرشحة لأن تزداد "تطرفا" واستقلالا في حالة انتصار تحالفها مع اليسار ضد اليمين الماروني. وهو من جهة ثانية يريد أن يقنع اليمني الماروني بقبول "الحماية" السورية وليس الإسرائيلية – الأمريكية، وهو هدف حاول الأسد تحقيقه عن طريق المبادرة التي قدمها في فبراير لإنهاء القتال والتي تنص في الجوهر على الحفاظ على البنية الاجتماعية والسياسية للبنان ما قبل الحرب مع خلق سلطة مركزية أكثر تماسكا. وأخيرا فقد كان الأسد واعيا تماما بأن انتصار المشروع الديمقراطي الجماهيري في لبنان، في ظل احتدام ونضج الصراعات الطبقية في المدن والريف، ستكون له حتما آثار "وخيمة" في محيط أوسع من لبنان وأن رياح التغيير الثوري آنذاك ستكون مرشحة لتقويض نظامه الاستبدادي في سوريا.

هكذا ألقت سوريا بثقلها سياسيا وعسكريا في معسكر اليمين الماروني لتنضم بذلك للقافلة الأمريكية الإسرائيلية المصرية الأردنية الخليجية، لكي يظهر على المسرح اللبناني مشهد عظيم للتضامن الشرق أوسطى قبل حوالي عشرين عاما من البزوغ القوى للإيديولوجية الشرق أوسطية على يد منظريها المعاصرين من أمثال شيمون بيريز ولطفي الخولي!

خلال شهر يونيو 1976 أرسل الأسد حوالي 30 ألف جندي سوري على دفعات إلى لبنان، وإزاء فشل القوات السورية الذريع في احتلال المدن الرئيسية وإجبار المعسكر اليساري – الفلسطيني على الاستسلام أصبحت الإستراتيجية السورية هي السيطرة على المواقع الإستراتيجية، وعزل تمركزات القوات الفلسطينية والتقدمية عن بعضها البعض، ورفع الضغط عن مواقع الميليشيات اليمينية، ومنع وصول إمدادات مدنية أو عسكرية للقوات الفلسطينية والتقدمية. باختصار، حرب تجويع لصالح قوى الثورة المضادة. وفي ظل الوضع الجديد اكتسب مخيم تل الزعتر أهمية قصوى.

فمع توالي هزائمه العسكرية والسياسية حتى قدوم السوريين، لم يعد مشروع اليمين الماروني (الذي كان يظن أنه سينتصر لا محالة في الحرب الأهلية التي فجرها بمذبحة 13 إبريل 1975) هو "إبقاء الأوضاع على ما هي عليه" في لبنان وإنما تقسيمه طائفيا بحيث يتسمم جوه ويسود فيه المنطق الطائفي الرجعي. هكذا صار المطلوب هو "تطهير" المناطق التي يسيطر عليها اليمين، وأهمها بيروت الشرقية من كل من هو غير ماروني، عن طريق مجازر بربرية لأحياء الفقر المدقع التي تسكنها أغلبية شيعية مثل الكرنتينا والمسلخ والنبعة والمخيمات الفلسطينية في بيروت الشرقية وأهمها على الإطلاق تل الزعتر الذي وصل سكانه في 1976 لحوالي 30 ألفًا نتيجة لتدفق أعداد هائلة من فقراء الفلسطينيين والفقراء عموما عليه خلال السنوات القليلة السابقة.

في 4 يناير 1976، اعترضت ميليشيا الكتائب قافلة الطعام في طريقها لتل الزعتر ليبدأ بذلك حصار المخيم، ذلك الحصار الذي صار شديد الإحكام منذ النصف الثاني لفبراير. ورغم خضوع تل الزعتر لحصار تجويعي بالغ القسوة منذ أواخر فبراير حتى أواخر يونيو، فقد حال عامل عسكري هام دون قصف المخيم طوال هذه الشهور الأربعة. ففي محاولة لإنقاذ تل الزعتر قامت قوات الحركة الوطنية بحصار بلدة زحلة المارونية وأعلنت الحركة اتخاذ سكان زحلة رهينة لمنع ضرب تل الزعتر. وبالطبع غير التدخل السوري هذه المعادلة، حيث رفع السوريون الحصار حول زحلة وقاموا أيضا بتشتيت جميع القوات الفلسطينية والتقدمية القادرة على الوصول لمنطقة المخيم وبذلك فتحوا الباب على مصراعيه أمام الهجوم اليميني على تل الزعتر.

بدأ قصف تل الزعتر في 21 يونيو بواسطة ميليشيا النمور بزعامة كميل شمعون التي سرعان ما انضمت إليها الكتائب، وفي ظل إشراف القوات السورية. وعلى الرغم من أن سكان المخيم كانوا قد عاشوا في ظل حصار شامل لمدة أربعة شهور اعتمد بقاؤهم خلالها على تناول كميات غاية في الضآلة من المياه والعدس، ورغم ضراوة القصف الذي اشتركت فيه أحيانا المدفعية السورية مباشرة، فقد صمد أهالي تل الزعتر صمودا فاق كل تصور. كان مخيم جسر الباشا القريب من تل الزعتر والذي كان يضم حوالي ألفين من الفلسطينيين أغلبهم من المسيحيين قد سقط في 30 يونيو، وتوقعت أكثر تقديرات اليمينيين تشاؤما أن يسقط تل الزعتر خلال عشرة أيام. إلا أن أهالي المخيم استطاعوا الصمود في ظروف يصعب وصفها بالكلمات حتى 12 أغسطس.

وعلى مدى 52 يوما قصف المدفعية، كان عدد القتلى يوميا في المتوسط 25 شخصا إلى جانب حوالي مائة جريح. وخلال الشهر الأول للقصف، منعت الميليشيات اليمينية والقوات السورية دخول الصليب الأحمر الدولي إلى المخيم كما حالت دون وصول أية إسعافات حتى أن أي إصابة بسيطة كانت تتحول إلى غرغرينا. وعندما تم السماح أخيرا في 23 يوليو لبعض مسؤولي الصليب الأحمر بدخول المخيم، فإنهم وجدوا حوالي 700 مصاب في احتياج ماس للإجلاء بينهم أطفال كثيرون كانوا يموتون بأمراض مثل الإسهال والجفاف.

وعندما سقط المخيم أخيرا في 12 أغسطس وتمكنت الميليشيات اليمينية من دخوله كان عدد القتلى من جراء القصف اليومي على مدى 52 يوما قد تجاوز الألف. إلا أن دخول القوات اليمينية للمخيم كان بداية لحمام دم جديد أشد قسوة من كل ما سبق. فقد راحت الميليشيات تنظم كمائن جبانة للسكان العزل حيث تدعوهم بالميكروفونات للخروج من المخابئ بدعوى إجلائهم ثم تطلق النار عليهم. وراحت المليشيات المختلفة تتنافس على ذبح أكبر عدد من الفلسطينيين بطرق لا تخطر ببال. تعرضت عائلات بأكملها للذبح. ورفضت الميليشيات بإصرار السماح بإجلاء أي رجل إلى بيروت الغربية، وكان تعريفهم للرجل هو "الذكر الذي يتراوح عمره بين عشرة أعوام وخمسين عاما! وتعرضت أعداد غفيرة من النساء للاغتصاب قبل ذبحهن، بينهن فتيات كثيرات يقل عمرهن عن عشرة سنوات. بل إن الخسة بلغت بالقوات التي اقتحمت المخيم، تحت أشراف الضباط السوريين، أنهم قاموا بصف 60 من ممرضي المخيم في صفين وأطلقوا عليهم الرصاص في واحدة من أسوأ المذابح.

هل كانت الهزيمة حتمية؟
كان سقوط الزعتر نقطة تحول بارزة لا في مسار الحرب الأهلية اللبنانية وحدها، حيث كرس وصول قوات الردع العربية إلى لبنان انتصار اليمين من خلال تسوية نوفمبر 1976 (التي لم تحقق السلام بالطبع وإنما كانت البداية لمرحلة جديدة مختلفة نوعيا من الاقتتال الطائفي في أغلبه هذه المرة)، بل في مسيرة النظم العربية نحو "سلام" مع الإمبريالية على حساب القضية الفلسطينية، وهي مسيرة كان يصعب أن تتقدم بسلاسة في ظل وجود قوي ومستقل لمقاومة فلسطينية تستمد الحيوية من مخيمات بنضالية تل الزعتر.

لقد تعرض أهالي تل الزعتر لمذبحة جماعية بشعة، وتحول مخيمهم الذي كان قد شهد تحولات اجتماعية وسياسية عارمة (البلترة، الاعتصار الطبقي، المقاومة الوطنية والطبقية... الخ) إلى جراج كبير للسيارات. كما أنهزم تحالف الحركة الوطنية اللبنانية – المقاومة الفلسطينية أمام ميليشيات اليمين الفاشي المدعومة من كافة دول المنطقة في حرب أهلية لم تكن على الإطلاق شأنا لبنانيا محضا وإنما كانت تكثيفا هائلا لمعركة طبقية كبرى على مستوى منطقتنا. فهل كانت هذه الهزيمة حتمية؟

ليست الإجابة على هذا السؤال سهلة بالطبع. وبداية نشير إلى أن اليسار بالمعنى الواسع متمثلا في الحركة الوطنية، وكذلك اليسار بالمعنى الضيق متمثلا في الأحزاب والمنظمات الشيوعية قد وقع في أخطاء هائلة خلال مسيرة الحرب.

فكما أسلفنا شبهت الحركة الوطنية أحداث 1975 في لبنان بالثورة الفرنسية. وبالطبع فإن المأزق الحقيقي لهذا التشبيه هو أن البرجوازية اللبنانية في 1975 – على عكس مثيلاتها الفرنسية في 1789 – كانت طبقة ممعنة في الرجعية، وبالتالي لم يكن من الممكن تحقيق أهداف 1789 إلا في سياق ثورة من طراز أكتوبر 1917 الروسي. وهذا بالطبع هو ما لم تدركه الحركة الوطنية وكان ذلك بمثابة خلل أساسي في إستراتيجيتها السياسية، خاصة في فترة بلغ فيها احتدام الصراع الطبقي مستوى غير مسبوق في لبنان.

أما اليسار بالمعنى الضيق فإنه للأسف كان قد أفلس سياسيا مع اندلاع الحرب الأهلية. وعلى سبيل المثال ففي حين أن منظمة العمل الشيوعي كانت في سنوات السبعينات الأولى تؤكد على الارتباط بين المهام الديمقراطية والوطنية للثورة ومهامها الاشتراكية، فإنها قد تراجعت بشكل مذهل في خضم المعركة. فمع اشتعال الحرب الأهلية راحت منظمة العمل تقترب أكثر فأكثر من نظرية المراحل الستالينية. وصارت تؤكد أن البديلين المتصارعين في لبنان هما "ديكتاتورية فاشية" من جانب أو "خلاص وطني" من جاني آخر، وهو خلاص وطني تم النظر إليه من منظور يجرده من أيه أبعاد طبقية ثورية. الخلاص الوطني الذي يتلخص في القضاء على الطائفية مع استمرار الرأسمالية اللبنانية، وذلك تحت دعوى "الأخذ بالاعتبار المصلحة المشتركة بين الطبقات التي يمثلها اليسار وبين الفئات والقوى الأخرى".

إن أخطاء إستراتيجية من هذا النوع قد قوضت فرصة اليسار في تعبئة الطبقة العاملة والجماهير المارونية في مواجهة مشروع اليمين الماروني. فهذه التعبئة ما كان لها أن تنجح سوى على أرضية المصالح الطبقية لهذه الجماهير وليس مجرد "حسها الديمقراطي العام" في ظروف يدفع فيها الاستقطاب العنيف هذه الجماهير نحو أقصى اليمين أو أقصى اليسار.

وقع اليسار إذن في أخطاء قاتلة. ولكن هذا ليس معناه أن تجنب هذه الأخطاء كان كفيلا وحده بتحقيق انتصار ثوري. فالحرب الأهلية اللبنانية كان كما أسلفنا جزءا لا يتجزأ من معركة طبقية على مستوى المنطقة بأسرها. والذي لاشك فيه هو أن عدم احتدام الصراعات الطبقية في البلدان المحيطة بلبنان، والذي سمح لبرجوازيات هذه البلدان جميعا ومعها الإمبريالية الأمريكية أن تتدخل لإخماد الحريق الثوري في لبنان، كان من شأنه أن يضع قيودًا صارمة على الإمكانيات الثورية في لبنان حتى لو كان اليسار اللبناني قد تجنب ما وقع فيه من أخطاء.

كانت هزيمة الثورة في لبنان إذن حتمية فقد داخل سياق اجتماعي سياسي بعينه: ميل توازن القوى الطبقية في المنطقة لصالح البرجوازيات. وبالطبع ففي ظل هزيمة الثورة كان سقوط تل الزعتر حتميا. فرغم البطولة الملحمية لأهالي المخيم من العمال الفلسطينيين وغيرهم، فقد كان العدو الطبقي، الأقوى بما لا يقاس مصرا على القضاء على وجود تل الزعتر ذاته بوصفه قلعة للصمود الفلسطيني والنضال الطبقي العظيم لعمال وكادحي لبنان من مختلف الجنسيات.

وهنا يظهر مغزى استخدامنا لتعبير "تراجيديا" تل الزعتر في عنوان هذا المقال. فقد كانت السمة البارزة للأعمال التراجيدية في المسرح اليوناني الكلاسيكي هي تحدي البطل بشجاعة هائلة لقوة يتحتم عليه في النهاية أن ينهزم أمامها، ألا وهي قوة القدر الذي لا يعرف الرحمة. ورغم معرفته بحتمية الهزيمة، فقد كان لدى البطل في هذه الأعمال من الروح النضالية والعظمة الإنسانية ما يدفعه للصمود حتى النهاية. ألا ينطبق ذلك على أبطال تل الزعتر؟

ويبقى أن من حسن الطالع أن البطل في زمننا المعاصر – الطبقة العاملة والكادحين – لا يواجه قوى ميتافيزيقية يستحيل قهرها، وإنما قوى اجتماعية وسياسية متعفنة تمتلك البشرية الإمكانية الموضوعية لسحقها ودفنها إلى الأبد.

كلمة أخيرة
انتقل هذا المقال من العام إلى الخاص مرتين. فمن موقف البرجوازيات العربية، والبرجوازية اللبنانية خصوصا من القضية الفلسطينية إلى أحوال المخيمات في لبنان وصولا إلى أوضاع تل الزعتر وتبلور بروليتاريا صناعية داخلة، ثم من اشتعال المقاومة الفلسطينية واحتدام الصراع الطبقي في لبنان وصولا للحرب الأهلية إلى التدخل السوري وصولا لمذبحة تل الزعتر. والسبب في هذا البناء للمقال هو أن أحداث تلك الزعتر – من النشأة إلى التصفية – لا يمكن فهمها من منظور ماركسي خارج السياق الاجتماعي والسياسي الذي جرت داخله.

إن ملحمة تل الزعتر مليئة بالدروس التي ينبغي على الثوريين وضعها نصب أعينهم. إنها تؤكد لنا قبل كل شيء وبشكل ملموس الأساس الاجتماعي لتهادن البرجوازيات العربية مع إسرائيل. فهذه البرجوازيات تخشى الجماهير أكثر بآلاف المرات من كراهيتها للإمبريالية. كما أن هذه البرجوازيات قد بلغت من الانحطاط والعفونة حدًا لا يستحق معه مزيدا من البقاء. إن بقاءها يعني الشقاء الذي يفوق التصور لمئات الملايين من البشر.

الخميس، 19 مايو 2011

أحزاب الناس لا أحزاب الأنابيب


وائل جمال
 
كيف تتأسس الأحزاب؟ وكيف نضمن أن تكون هناك حياة سياسية ديمقراطية سليمة بدون أحزاب قوية؟ هذه الأسئلة التى تصدرت الجدل حول الدستور خلال الأسابيع الماضية تظل أسئلة محورية بعد أن صوت المصريون بنعم، برغم أن من دفعوا بها كانوا بالأساس من دعاة التصويت بلا.

فقد كان موضوع إعطاء الفرصة لتشكل أحزابا جديدة ولنضوج النظام الحزبى، دافعا رئيسيا لأنصار رفض تعديلات لجنة المستشار البشرى، على أساس أن بدء العملية السياسية بانتخابات برلمانية مبكرة يفوت الفرصة على هذه الأحزاب والتيارات الجديدة التى كشفت عنها الثورة، معطيا وزنا أكبر للإخوان المسلمين وحتى فلول الحزب الوطنى.

فهل للنظام الحزبى والأحزاب كل هذا الثقل فى الديمقراطيات المعاصرة أو فى تشكيلها، ومن ثم سيكون لها هذا الدور الحاسم فى تحديد مستقبل الثورة؟

تقول لنا أدبيات العلوم السياسية إن الأحزاب فاعل أساسى فى السياسة فى النظم الديمقراطية. فأول وظيفة للحزب السياسى هو تمثيل المطالب والمصالح فى المجتمع وبلورتها فى برامج صالحة للتطبيق فى الحكم.

فى هذا الإطار لابد من التأكيد على أن الأحزاب، كل الأحزاب، هى تعبير عن مصالح، وأن فكرة وجود حزب بلا مصالح هو وهم. وهكذا لابد من تعرية تلك الفكرة التى كان يستخدمها نظام مبارك دائما ضد معارضيه واصما إياهم بها. ويقول لنا تاريخ الحزب الديمقراطى فى الولايات المتحدة كيف أنه ظهر تعبيرا عن مصالح الجنوب الأمريكى بتركيبته الطبقية والسياسية الرجعية، قبل أن يغير توجهه فى الثلاثينيات ليمثل مصالح وتوجهات الطبقة العاملة الشمالية. وأما الجمهوريون فكانوا بالأساس حزب الشمال المعادى للعبودية ثم تحول ليصبح متماهيا مع حرية السوق والممثل الأكثر سفورا لرأس المال واليمين الأمريكى، وهو ما يستمر عليه الحال للآن.

ويظل تمثيل المصالح والدفاع عنها هو الوظيفة الأهم للأحزاب برغم أن لها وظائف أخرى فى المجتمع، منها التوفيق بين مجموعات اجتماعية مختلفة على برنامج، وإعداد قيادات الحكم وخلق الانسجام بين مؤسسات الدولة المختلفة من برلمان لرئاسة لأجهزة تنفيذية.. الخ. إذ إن كل هذه الوظائف تنبنى على الأساس المتين من نمط المصالح الذى تمثله الأحزاب وبالتالى قدرتها على التعبئة الشعبية والحشد لصناديق الانتخاب ومن ثم تشكيل الحكومات وقيادة البرلمان.

وبينما لا جدال على أهمية الأحزاب فيما ننتظره من تطورات فى مصر خلال السنتين الحاسمتين المقبلتين، فإن دورها يبقى محددا بقدرتها على تمثيل مصالح قطاعات الأغلبية، وهو أمر فشلت فيه الصيغ الحزبية فى النظم الديمقراطية المتقدمة فى العقود الأخيرة، مما انعكس فى أزمة شاملة وعامة تواجه الأنظمة الحزبية فى العالم عموما.

ففى 2006 كان عدد المنتمين للأحزاب البريطانية هو 1 لكل 88 ممن لهم حق الانتخاب مقارنة ب 1 من كل 11 قبل ذلك بخمسين عاما. وفى فرنسا تراجع عدد الحزبيين ليس فقط لمجمل قاعدة المصوتين، وهو ما قد يتسبب فيه زيادة عددهم، لكن عددهم تراجع فى المطلق. وتنعكس هذه الأزمة فى تراجع كبير لنسب المشاركين فى الانتخابات العامة فى الديمقراطيات العتيدة وفى أزمة تمثيل سياسى. السبب فى هذا هو بالأساس ضيق قاعدة تمثيل المصالح فى الأحزاب التقليدية وعدم ظهور أحزاب جديدة توسع دائرة التمثيل. وهكذا فإن الفوارق بين العمال والمحافظين فى بريطانيا أو الجمهوريين والديمقراطيين فى الولايات المتحدة تصبح محدودة بأنها جميعا تمثل، فى ظل سيطرة السوق والليبرالية الجديدة والشركات الكبرى، هذا الجناح أو ذاك من نخبة السلطة والمال المسيطرة بالفعل.

من هنا فمن يعولون على الاستناد إلى الأحزاب لاستيعاب زخم الثورة، والمصالح التى تعبر عنها سيواجهون هذه المعضلة الصعبة، معضلة الاقتصار على تمثيل ضيق للمصالح تسيطر عليه النخب القديمة من رجال أعمال وغيرهم.

ويزيد الأمر صعوبة بالنسبة لأولئك الذين يبنون قاعدة تأسيس أحزابهم الجديدة على برنامج يتم تحضيره فى المعمل، ثم يتم تقديمه للجماهير من أعلى و«توعيتهم به». بالطبع تتطلب هذه الصيغة وقتا لكى تتم، ربما للأبد. لأنها تفترض أن وعى الجماهير السياسى يتم فى حلقات التثقيف المعملية وليس فى خضم معركة الناس أنفسهم على مصالحهم المباشرة، التى هى ليست وصمة كما يصر البعض ممن يتهمون الاحتجاجات الاجتماعية بها. وتتشابه هذه الأرضية مع موقف من قالوا إن ثورة تونس غير قابلة للتكرار فى مصر لأن المصريين غير متعلمين كالتوانسة ولا تمسهم القيم العليا كالحرية والعدالة، وهكذا يلقون باللائمة فى فشلهم على الجماهير «غير الواعية». واستعير فى هذا من صديقى المدون والناشط الاشتراكى وائل خليل قوله إن الأحزاب لا تجهز نفسها لتمثيل مصالح الناس والتأثير فيهم وتنظيمهم وتعبئتهم فى «الجيم». الأحزاب لا تتأسس بالتدريب على رفع الأثقال استعدادا للمباراة. الأحزاب تتأسس فى المباراة.

فى هذا الإطار يضرب باحثون فى العلوم السياسية المثل بقصة حزب العمال البرازيلى، حزب الرئيس السابق لولا داسيلفا. فقد تأسس هذا الحزب فى مطلع الثمانينيات من القرن الماضى بمبادرة من قادة عماليين قاعديين، ينتمى لولا نفسه لفئتهم. وتوسع الحزب بسرعة شديدة ليضم الآلاف من العمال الشباب فى الريف والمدينة بجانب شرائح من مهنيى الطبقة الوسطى وآخرين. تشكل الحزب وتوسع كتمثيل قاعدى لأولئك المتضررين من سياسات الليبرالية الجديدة التى ضربت الفقراء والعمال وشرائح واسعة من المهنيين فى مستويات معيشتهم. وسع الحزب نفسه على الأرض باستراتيجية مزدوجة: خلق مساحات للشعب المنتج لينظم نفسه على الأرض مقتحمين بذلك عالم السياسة، وفى الوقت نفسه دخل معركة الانتخابات فى المحليات والبرلمان والرئاسة.

وفى مصر، هذه المهمة ليست مستحيلة، ولا تستغرق كل هذا الوقت الذى تحتاجه أحزاب المعمل، خاصة فى أعقاب ثورة. وإلا كيف نفسر ظهور مبادرة كحزب العمال الديمقراطى الذى دعت إليه قيادات الإضرابات العمالية الكبرى خلال السنوات الماضية بمبادرة قاعدية ليضم العاملين بأجر، فتنضم إليه مئات عديدة من خارج نخبة السياسة والسياسيين فى أيام قليلة؟ أما إذا جاءت المبادرة من سياسيين أو مثقفين فلا مناص أن تكون بوصلتها ومكان عملها هو التحركات الشعبية والأحياء والقرى، بالاشتباك المباشر مع الجمهور.

هذا هو ما تحتاجه السياسة فى مصر. أحزاب ومبادرات وتنظيمات واسعة تنبنى على قاعدة مصالح واضحة يعى بها كل عامل وموظف أجير دون توجيه من أحد، إذ إنها حصاد تجربته وممارسته المباشرة على الأرض. قاعدة مصالح تمكن حزبها من الوصول إلى كل من يتماهى معها. هذه هى أحزاب الناس، فى المحافظات كما فى القاهرة وفى الشارع لا فى الفيس بوك، هذه هي الأحزاب التى تحتاجها بلادنا لموازنة نفوذ المال واليمين الدينى. والناس لا يستجيبون لمن يتعالى عليهم ولا يعمل من وسطهم، وبالتأكيد لا ينتظرون أحدا.
نشرت في الشروق في 22 مارس 2011

السبت، 16 أبريل 2011

العبرة والتدبير في وعي النخبة ووعي الجماهير


وائل جمال

لا يمر اجتماع حزبي أو ندوة أو لقاء لمناقشة مستقبل مصر دون أن تنطرح هذه الأسئلة: كيف نصل بهذه الفكرة للناس؟ كيف يفهمنا الفلاحون في القرى والمحافظات؟ كيف نوعِّى الجماهير؟ تنطوي هذه الأسئلة على افتراضين أساسيين: أولهما أن السياسيين أو الخبراء أو حتى الجمهور، غالبا هو قاهري من الطبقة الوسطى المتعلمة، يمتلك وعيا أو علما أو أفكارا لا يمتلكها عموم الناس، وثانيهما أن هذا "الوعي" وكأنه مجرد من المصالح. كأنه نظرية علمية في الفيزياء أو ما شابه، وبالتالي فهو غير مردود عليه بأفكار أخرى قد تكون "أصح" من وجهة نظر مصالح أخرى. إنما المشكلة هي أن تستوعبه الجموع "غير المؤهلة لذلك"، أو المعرضة لتأثيرات "جاهلة وظلامية وغيبية ومتخلفة".

والحقيقة أن الافتراضين خاطئان، خاصة في أعقاب ثورة قامت بها هذه الجماهير، دون قيادة من أي من أولئك الذين يمتلكون "الوعي".

ولقد كان "قصور الوعي عند الناس"، و"تدهور التعليم"، و"سيادة الغيبيات"، إلى آخره مبررات أساسية وحججا مركزية في نظريات أولئك الذين أكدوا لنا بيقين راسخ أن ثورة تونس "لا يمكن أن تتكرر في مصر". وهاهي الجماهير تثبت بانتفاضتها البطولية بدءا من 25 يناير وحتى الآن تهافت هذه الأفكار.

إن تشكل "الوعي الاجتماعي والسياسي"، أو مجموعة الأفكار التي تنظم علاقة الناس بالدولة والمجتمع يختلف في حالة الفرد "المثقف السياسي" عنه في حالة الجموع. يحاول من يفترضون سمو أفكارهم على أفكار الناس أن يفرضوا الطريقة الأنسب من وجهة نظرهم في تنظيم الناس: على الانسان أن يقارن النظريات السياسية والبرامج المختلفة وأن يقتنع بأحدها. وقد تصلح هذه الطريقة بين المثقفين، لكنها ليست المحرك الأساسي لتجربة المعرفة عند الجموع. بل إنها ليست الآلية الأساسية لدى المثقفين والمتعلمين الأفراد، حتى وإن ادعَوا ذلك.

يقدم ميكافيللي في كتابه الأمير الحديث نصيحة للحاكم، سارية من القرن السادس عشر، هي أن عليه أن يصبح نصف إنسان ونصف حيوان، نصف ثعلب ونصف أسد. نصف حيوان لأن عليه أن يستخدم القوة لقمع المحكومين لكي يستقر حكمه، ونصف إنسان لأن عليه أن يخدع الناس بالأفكار. ولا تشذ الرأسمالية الحديثة ولا نظم الحكم المعاصرة عن هذه القاعدة، بل زادت أهمية ومحورية السياسة "الثعلبية" في عالم الديمقراطية الرأسمالية المعاصر.

في المجتمعات المستقرة تسيطر أفكار من يحكمون على الأغلبية الكاسحة: ليس في مصلحتك تغيير النظام. هناك مشاكل لكن النظام يعمل على معالجتها. هناك بطالة وأزمة اقتصادية لكن السبب فيها ليس النظام الاقتصادي الذي يخلقها، وإنما العمال القادمون من الخارج. الأقباط أغنياء ويكادوا يسيطرون على البلد بينما المسلمون فقراء. على المرأة أن تبقى في المنزل لكي تفسح المجال لعمل الرجل، "لأن مكان المرأة البيت أصلا". تحرير السوق ومناصرة رجال الأعمال تخلق ثروات طائلة وفقر مدقع لكن القطاع الخاص وحده القادر على إحداث التنمية..الخ.

وفي ذلك لا يمكن استثناء النخب المتعلمة. فهي لا تشكل وعيها ومعرفتها بمعزل عن أفكار نخبة الحكم المسيطرة عبر الاعلام والتعليم والأحزاب والجامع وغيرها. بل إنها هي التي تسهر في أغلب الأحوال على الدفاع عن هذه الأفكار والتصورات المنحازة ضد الناس في الصحافة والمدارس وغيرها، وتتقاضى أجرا على ذلك. وإذا أضفنا عنصر المصلحة الاجتماعية في استقرار النظام للحفاظ على هذه الأدوار واستتباعاتها بالنسبة لمن يملكون "الوعي والتعليم"، نفهم لماذا كان من أيدوا ثورة يناير على طول الخط منهم أقلية ضئيلة، وتسقط نظرية المثقف المجرد من المصالح، الذي يقارن بين النظريات والبرامج بمعزل عن تاريخ أسرته وخلفيات زملائه في العمل، ومصالحه الاجتماعية. وتسقط مع هذه النظرية العملية التي يقوم بعض هؤلاء الآن بمقتضاها، بحسن نية أو بغيرها، بإعادة تقديم أنفسهم كمعلمين للجموع عوضا عن تلامذة لهم، كمن يمتلكون الوعي والمعرفة والخبرة في مقابل الجماهير الجاهلة "التي تسيطر عليها الغيبية والطائفية والمصالح المباشرة والجهل".

الحقيقة أن من يتصور أنه سيبني حزبا واسعا أو يقنع جمهورا حاشدا ببرنامج سياسي على هذا الأساس واهم وسيصطدم بالحائط فورا. إن أهم سمة لا شك فيها للثورة هي التدخل المباشر للجماهير في الأحداث التاريخية. في الأوقات العادية، تضع الدولة، سواء ملكية أم ديمقراطية، نفسها فوق الأمة. ويصنع التاريخ بواسطة الأخصائيين في هذا الفرع من النشاط أو ذاك – الملوك، الوزراء، الموظفون البيروقراط، البرلمانيون والصحفيون. لكن في هذه اللحظات الحاسمة عندما يصير النظام القديم غير محتمل بالنسبة للجماهير، فإنهم يحطمون الحواجز التي تستبعدهم من الساحة السياسية ويجرفون جانبا ممثليهم السياسيين التقليديين ويخلقون بتدخلهم هم الأرضية الأولية لنظام جديد. زهكذا تتحول التعديلات الدستورية بما فيها من تعبيرات قانونية جافة إلى محل للنقاش في المدرسة والمصنع وعلى القهوة، في المكتب وفي الأفراح، وفي كل تجمع للناس.

لا يتشكل وعي الناس في الثورة بطريقة نظرية ولا يكذب، كوعي النخب، فيما يتعلق بالمصالح التي يدافع عنها ويمثلها. ففي السنوات الأخيرة، حين كان المجتمع الرسمي -هذه البنية الفوقية المؤلفة من عدة طوابق، والتي تتألف منها النخب الحاكمة، بشرائحها المميزة، ومجموعاتها، وأحزابها، وشراذمها- يعيش يومًا بيوم، وهو يتغذى بأفكار مهترئة، ويصم أذنيه عن مطالب الثورة الحتمية، تفتنه الأشباح، ولا يتوقع شيئًا، كان ملايين الموظفين والعمال يضربون ويعتصمون دفاعا عن لقمة عيشهم ويتعلمون السياسة الحقة بتجربتهم الذاتية. في معركة المواجهة مع اتحاد العمال الأصفر، والاعلام القومي المأجور، ومباحث أمن الدولة والأمن المركزي، وأعضاء مجلس الشعب الفاسدين، تعلمت الجماهير عن ضرورة الثورة. المعرفة بالمصلحة المباشرة والتجربة الذاتية في الدفاع عنها هي خير معلم للنظريات السياسية في إدارة المجتمع. هكذا تغير الجموع الثائرة أفكارها وليس في حلقات النقاش أو من خلال وصاية خبراء النخب. وهكذا كان ممكنا بعد شهر واحد من تفجر طائفي بحجم ما سببه تفجير كنيسة القديسين أن نرى التعاضد بين جمهور الثائرين مسيحيين ومسلمين. وهكذا أيضا كان ممكنا أن يختفي التحرش الجنسي والنظرة الفوقية للمرأة، التي صارت شريكا مباشرا على قدم المساواة في المعركة ضد الاستبداد، بلا معلم ولا وصاية ولا نخب. هذا وعي اكتسب بالدم، وعي صلد وشخصي وثوري لأنه يمثل مصلحة الأغلبية المقهورة.

الديمقراطية النابعة من قلب ثورة تتميز عن كل ديمقراطية في أنها مباشرة وخاصة بكل واحد منا، ونجومها ليسوا قادة الأحزاب ولا المفكرين. فالناس المتعطشون لتغيير حياتهم يبحثون بكل كيانهم عن الطريق إلى المستقبل بعد أن ثبت لهم بالدليل القاطع أنهم يستطيعون جماعيا وديمقراطيا أن يأخذوا مسئولية المجتمع بأيديهم.

وليس هناك شيء أخطر على الثورة في مصر، من تصدير وترسيخ أفكار النخب التي تحاول انتزاع هذا الدرس وتدميره بالإصرار على أن الجماهير غير قادرة على تدير أمرها بنفسها ولو حتى في صندوق الانتخاب. وأولى بهؤلاء، لو كانوا يريدون الخير حقا، أن ينزلوا إلى الجماهير ويتفاعلوا معهم ويتعلموا منهم. فهذه هي الساحة الحقيقية لاختبار الوعي السياسي بناء على المحك الحقيقي: من تخدم أفكارك المنمقة ياسيدي؟

نشرت في جريدة الشروق يوم الأحد 10 أبريل 2011