الخميس، 20 يناير 2011

إنتفاضة الياسمين التونسية..الخالق الناطق هناك..الناطق الخالق هنا

وائل جمال

إيران يا مصر زينا..كان عندهم ما عندنا.. الخالق الناطق هناك..الناطق الخالق هنا.

هكذا كتب الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم من وحى الثورة الإيرانية فى 1979 مبشرا بتغير مصرى لم يحدث. لكن حماس نجم، ولمعة عيون كل الباحثين عن التغيير الاجتماعى الجذرى، التى تثيرها مجددا انتفاضة الشعب التونسى التى أطاحت بالديكتاتور بن على، مبررة تماما.


فى السنوات الأخيرة من العقد الثانى من القرن العشرين، هزت الثورة الروسية مشاعر البشر، وتسببت فى إلهام الملايين فى أوروبا لتتوالى خلال السنوات التالية ثورات اجتماعية فى ألمانيا والمجر ثم إضراب عام فى بريطانيا، وكل ذلك فى عصر علم فيه عموم الناس فى أوروبا بحدوث ثورة الروس بعد قيامها بشهرين. فما بالك بعصر الفضائيات وتويتر وفيس بوك، الذى تطالع فيه الثورة وهى تحدث وبرواية من يقومون بها.

لكن كما حدث فى الثورة الإيرانية، التى توقفت داخل حدود إيران، فإن سيناريو العدوى (الذى تكرر عدة مرات فى العقدين الماضيين: مرة فى أوروبا الشرقية ومرة فى جورجيا وأكرانيا وصربيا، ثم فى أمريكا اللاتينية فى بوليفيا والاكوادور والأرجنتين)، لا يحدث بطريقة أوتوماتيكية. التحركات الجماهيرية لها شروطها وقوانينها الخاصة. تفاجىء الجميع فى أغلب الأحوال.. فى التوقيت وفى الطريقة وأحيانا فى البلد الذى تشتعل فيه. لكن يجمع بينها ما يخلق أساسا لحدوثها فى مكان ولعدم حدوثها فى آخر.

لماذا وقعت الانتفاضة فى تونس..وكيف نجحت؟

تميل الصحافة إلى تفسير هذه التحولات الاجتماعية الكبرى بتسمية الأبطال الشعبيين الذين تسببوا فى أولى الشرارات التى فجرتها. وتونس فى ذلك ليست استثناء. وهكذا يأتينا حادث حرق الشاب محمد البوعزيزى لنفسه أمام بلدية سيدى بوزيد فى مئات ومئات المقالات والتحليلات على أنه سبب الانتفاضة ومحركها. وتتشابه تونس فى ذلك مع أغلب الانتفاضات والثورات الشعبية الحديثة. ففى روسيا 1917، كانت نساء سان بطرسبرج العاملات المحتجات على نقص الخبز فى يوم المرأة العالمى هن الطليعة التى جرَّت وراءها عمال المدينة لإضراب عام ثم امتد الاحتجاج لسائر روسيا. وفي فرنسا 1968 كان قرار بوزن الفصل بين الطلبة والطالبات فى المدينة الجامعية هو المفجر الأول لمظاهرات طلابية تحولت إلى ثورة سيطر العمال فى إحدى حلقاتها على مدينة فرنسية واستقال على أثرها ديجول بكل عظمته. وفى رمانيا 1989، كان اعتقال قس سببا فى اندلاع احتجاجات نادرة من نوعها للمطالبة بإطلاق سراحه، انتهت بالإطاحة بالديكتاتور تشاوشيسكو بكل جبروته.

لكن الثورات، التى تقوم من أحداث قد تتكرر سنوات دون أن يكون لها أى أثر، لها أسبابها فى عمق المجتمعات وطريقة إدارتها وتوزيع ثرواتها والتوازن السياسى بين القوى المختلفة فيها.

وفى هذا تشترك ثورة الياسمين التونسية مع غيرها من الإنتفاضات الشعبية التى شهدها العالم خلال العقدين الماضيين فى العديد من السمات. كانت كل هذه التحركات فى دول ما يسمى بالعالم الثالث، وكانت فى جميع الحالات رد فعل على السياسات الاقتصادية النيو ليبرالية التى أفقرت قطاعات جماهيرية واسعة، وعلى الأزمات الحادة التى عرضت لها هذه السياسات اقتصاديات هذه الدول مجبرة الملايين على دفع ثمن باهظ لم يكن من الممكن احتماله طويلا.

فى إندونيسيا، كانت الأزمة الآسيوية فى الخلفية. فى أمريكا اللاتينية كان التطبيق الكامل لتعليمات صندوق النقد وما أفرزه ذلك من أزمات مالية فى الأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وغيرها هو الشرارة التى فجرت انتفاضات متتابعة فى القارة دشنتها الإكوادور فى يناير 2000. وتونس ليست استثناء من ذلك.

المعجزة التونسية والأزمة العالمية

على مدى سنوات حكم بن على، اتبع الاقتصاد التونسى سياسات فتح الأسواق والاندماج فى الاقتصاد العالمى. ولطالما نالت السياسات الاقتصادية هناك مديح المؤسسات الدولية التى وصفت التجربة بالمعجزة بعد أن نجحت فى تحقيق متوسط للنمو يصل إلى 5% سنويا على مدى عقدين من الزمان وليس 5 أعوام فقط كما هو الحال فى مصر. ثم جاءت الأزمة العالمية فى 2008 لتهبط بمعدل النمو بعد أن تقلص الطلب الأوروبى على الصادرات التونسية. ومع مضى سنتين على الأزمة عادت أسعار الغذاء والمواد الأولية للصعود متجاوزة مستوياتها القياسية فى 2008.

وفى هذا لا تشذ تونس عن الأرجنتين مثلا، التى لقبها الصندوق بصانعة المعجزات قبل أن ينهار اقتصادها الذى قادته الخصخصة وسياسات التكيف الهيكلى فى 2001، ونفس الشيء حدث فى إندونيسيا، التى كانت نمرا قبل أن تجيء الأزمة الآسيوية وما استتبعته من رفع للأسعار وانهيار فى الاقتصاد. وفى الحالة الأولى غيرت الجماهير المضربة 3 رؤساء قبل أن تقبل استمرار الرابع بغير سياسات من سبقوه. وفى الثانية أسقطت ديكتاتورية سوهارتو التى حكمت الدولة الآسيوية الكبرى لعقود بالدم والنار.

وعلى العكس من الأسطورة السائدة التى تربط الانتفاضات الجماهيرة بالثورات على أساس أنه فقط البؤس المزرى يحرك الجماهير، فإن ثورات عديدة ترتبط بتحسن فى مستوى معيشة وتعليم قطاعات من الجماهير، تحفزها تناقضاته وما يكشفه من سوء توزيع وغياب للديمقراطية الاجتماعية، على اقتناص حريتها.

كما أن النمو فى تونس (كما فى الأرجنتين وإندونيسيا ومصر) اقترن بما يسمى بالتطور المركب واللامتكافئ. أى أن ثماره لا تتوزع بشكل عادل بين الفئات المختلفة فى المجتمع، خاصة بين جموع المنتجين ولا فى الأقاليم المختلفة. وهكذا تظهر مجتمعات الصفوة المرفهة لأبعد الحدود جنبا إلى جنب مع العشوائيات وشرائح واسعة تحت خط الفقر أو على حافته. وفى تونس لم يتجاوز من هم تحت خط الفقر 4% من السكان، لكن فى حين أن المناطق الساحلية استفادت من النمو، فإن المناطق الجنوبية والريفية أصبحت أكثر تهميشا. وتخلفت مناطق وسط البلاد وغربها وجنوبها (ومنها سيدى بوزيد) من حيث توفير البنية التحتية الأساسية ووالخدمات الاجتماعية. وظلت هذه المناطق تفتقر للمياه الصالحة للشرب والمجارى والخدمات الصحية والكهرباء والمسكن اللائق.

المطالب الاقتصادية والسياسة

فى أوروبا تحدث إضرابات عامة ويخرج ملايين البشر إلى الشوارع ولا تسقط حكومات ولا حتى أنظمة، بل إن هذه التحركات لا تطالب بذلك من الأصل. لكن تحت سياط الديكتاتورية يختلف الوضع. إن أى إضراب صغير للمطالبة بزيادة بدل الوجبة أو للاحتجاج على فصل عمال يتحول فورا إلى مواجهة سياسية. وهكذا كان الأمر فى تيميشوارا وهكذا تحول الأمر فى إندونيسيا.

وفى مواجهة لحظات الانتفاض النادرة فى ظل الديكتاتوريات، يصبح لعنف الدولة دور هام فى حسم تطور الأمور. فى تونس، استخدمت الشرطة النيران الحية وقتلت ما يزيد عن 60 محتجا وحاصرت فى البداية سيدى بوزيد. وفى العلوم السياسية هناك ما يسمى بمنحنى العنف الحكومى. فى بدايته فإن التحرش بالمتظاهرين يحفزهم أكثر قبل أن يصل إلى نقطة يصبح فيها الأكثر فعالية إذ أنه برفع درجة العنف يردع البعض خوفا. أما إذا فشل هذا الإجراء فإن زيادة مستوى العنف لا تنجح أبدا.

وفى تيميشوارا التى أعلنت كأول مدينة في رومانيا يسقط النظام الستالينى فيها، تكلف المحتجون المتظاهرون قرب مركز المدينة فى 16 ديسمبر 1989 أكثر من 1000 قتيل والآف الجرحى فى مواجهات دموية مع قوى الأمن. لكن حكم تشاوشيسكو سقط بعد أسبوع من تلك الأحداث فى المدينة. وقد لعب هنا ما يحدث فى الجيش، كما فى الثورة الروسية وفى تونس، دورا رئيسيا فى مجرى الأحداث. إذ أن انحياز قيادة الجيش أو جنوده لمطالب المحتجين تغير قواعد التوازن تماما على الأرض.

تلعب هنا درجة التماسك التى تحتفظ بها النخبة الحاكمة دورا فارقا. فالعنصر الأول فى أى ثورة هو أن المحكومين يدركون أنه لا يمكن قبول الطريقة التى يحكمون بها أكثر من ذلك. أما العنصر الثانى الذى يخلق تحركا جماهيريا ناجحا فهو أن النخبة الحاكمة تصل إلى قناعة بأنه لا يمكنها أن تحكم بنفس الطريقة التى اعتادت عليها. يعنى ذلك ببساطة أنها تنقسم سياسيا.
وظواهر هذه الانقسام بادية فى تونس. وفى إندونيسيا كان أهم ظواهر هذا الإنقسام، الذى وسع دائرة المستفيدين من اسقاط سوهارتو، هو أن قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى العليا، وحتى بعض رجال الأعمال المتضررين من احتكار سوهارتو وأقاربه وأصدقائه للاقتصاد، كانت ناقمة على الوضع وترغب فى تغييره لصالح خدمات أفضل ودولة أكفأ وقانون يطبق على الجميع.

أين القوى السياسية؟

لا يستطيع أحد إدعاء أنه حرك ثورة الياسمين أو قادها. ولم أسمع عن قوى سياسية هناك ادعت ذلك. والحقيقة أن تحول انتفاضة العاطلين للإضراب العام السياسى فى غياب قوى سياسية قائدة هو الآخر ليس نشازا ولا خاصية تونسية فريدة. فحتى الثورة الروسية، التى تلتصق فى الأدبيات وكتب المؤرخين بالحزب البلشفى، قامت على ذلك العنصر التلقائى والعفوى الجارف للجماهير. ويحكى أنه فى إحدى اللحظات الفارقة قضت قياداته الليل تناقش الدعوة للإضراب العام من عدمه حتى اكتشفوا أن العمال قاموا به بالفعل.

وبالتالى فإن وجود قوى سياسية منظمة ليس شرطا ضروريا لا استغناء عنه للانتفاضات الجماهيرية، وإن كان يستطيع تغيير طبيعتها وأفقها. وفى الحالة الإندونيسية كان ظهور القوى الحزبية المنظمة فى المراحل الأخيرة من التحرك الجماهيرى، فى صورة أمين رئيس زعيم تيار الإسلام السياسى، إيذانا بإيقاف المكاسب السياسية التى حصلت عليها الانتفاضة عند اقالة سوهارتو والحصول على حق التنظيم النقابى والسياسى ودرجة من الديمقراطية الانتخابية. لكن أعمدة النظام بقيت حتى أن أحد الجنرالات القريبين منه عاد للحكم عبر الانتخابات بعد سنوات قليلة.

درجة تنظيم القوى السياسية، وارتباطها بقواعد شعبية (وهو أمر غير مألوف فى ظل الديكتاتوريات) له أهمية بالغة فى تحديد مكاسب وآفاق التغيير السياسى والاجتماعى فى أعقاب إسقاط الديكتاتوريات. هذا حقيقى. لكن التجربة التونسية، تقول إن اسقاط الديكتاتوريات ممكن حتى لو لم تكن هناك قيادة موحدة مسيسة ذات جذور، وذلك إذا توفرت الأسباب الهيكلية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

مصر ليست تونس؟


فى اللحظة التى بدا فيها أن نظام بن على قد سقط، قفز السؤال: هل يتكرر الأمر فى باقى المنطقة العربية، على أساس نظرية “تأثير قطع الدومينو”، التى كانت أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية أبرز أمثلتها بسقوط الأنظمة الستالينية واحدا تلو الآخر فى الأولى، وسقوط الديكتاتوريات العسكرية وحكومات الليبرالية الجديدة بالتتابع فى الثانية.

ومع السؤال سارع كثيرون بنفى إمكانية حدوث تحرك للعاطلين والفقراء على الطريقة التونسية فى مصر، من أرضيات مختلفة وبحيثيات متباينة.

الفكرة الأولى طرحها د. عمرو الشوبكى فى مقال فى «المصرى اليوم» أمس الأول، ومفادها أن التونسيين ظلوا قادرين على التحرك دفاعا عن قيم الحرية العليا بينما «مصر المصابة باللوثة الدينية جعلت احتجاج المصريين من أجل أى قيمة عليا (الحرية. العدالة. مواجهة. البطالة. حد أدنى للأجور) غير وارد». ويقارن الشوبكى بين هتافات بالروح بالدم التونسية لفداء اتحاد الشغل والأخرى الموازية فى فداء الصليب والاسلام ليدلل على هذا التخلف فى الوعى الذى يجعل المجتمع «خربا» مقارنة بتونس الأكثر تعليما وعلمانية.

غير أن التاريخ يقول لنا شيئا آخر. فالمصريون تضامنوا عن بكرة أبيهم مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية فى مطلع العقد الحالى. والتضامن ومع شعب آخر قيمة سياسية عليا. كما أن احتجاجات المصريين لا تفتقر إلى القيم بنفس القدر الذى تحملها فيه تحركات العاطلين من أجل حقهم فى كسب العيش. وفيما قبل الثورة الروسية كان الوضع فى روسيا أسوأ بكثير. فقد سيطرت الخرافات على الريف والمدينة لدرجة أن القيصر ذاته كان يستعين بمرشد من نوعية راسبوتين. ناهيك عن انتشار الجهل والأمية وضآلة الطبقة العاملة الصناعية.

إن قانون التطور المركب واللامتكافيء، الذى يسمح للآى باد بالوجود جنبا إلى جنب مع أحجبة الحسد هو عنصر أساسى فى الثورات الاجتماعية. التطور المادى الذى تخلقه الرأسمالية لا يخلق بشكل موازى أوتوماتيكى قيما جديدة، وهذا تناقض أساسى موجود فى صلب أسباب التحركات الاجتماعية الكبرى.

الانتفاضات الاجتماعية تنفض هذا الوعى المتخلف وتخلق طفرات كبرى فى المجتمعات كما حدث فى ثورة 1968 فى فرنسا، حيث تجاوز العمال الفرنسيون مثلا كل حساسياتهم وعداواتهم العنصرية تجاه العمال المهاجرين وتحركوا جنبا إلى جنب فى مواجهة الدولة.

الحيثية الثانية ترتكز على أن النظام لدينا ليس ديكتاتوريا كتونس، على حد تعبير المدافعين عنه، أو يسمح للجماهير بالتنفيس عن غضبهم بالصحافة والبرامج وبعض التحركات الصغيرة هنا وهناك. وفى هذا الإطار فإنه من الصعب حسم الخلاف حول درجة الحرية السياسية. ففى وقت تمنع فيه تونس اليوتيوب وتسمح به مصر، يتمتع الاتحاد التونسى للشغل (أيَّد بن على للرئاسة) بحركية ومجال حركة وهامش مناورة وتنوع لا يتمتع به الاتحاد العام لنقابات عمال مصر. ونصيب البلدين فى تقارير منظمات حقوق الإنسان عن الانتهاكات كبير، وإن زاد أحدهما عن الآخر أحيانا.

ناهيك عن أن هوامش الحرية والحركة، إن وجدت، ليست بحال من الأحوال خصما من قدرة الجماهير على تحقيق التغيير، إن وجدت الأسباب الهيكلية لغضبها.

أما الحيثية الثالثة، فهى التى تتكلم عن نظام الدعم، الذى يقى مصر من تغييرات الأسعار العالمية. وقد أكد وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد فى أول تعليق على امتداد مظاهرات العاطلين الجوعى من تونس للجزائر والأردن أن هذا السيناريو غير ممكن فى مصر لأن ارتفاع أسعار القمح لا يعنى ارتفاع أسعار الخبز بسبب الدعم الحكومى. وفى هذا الشأن فإنه من المؤكد أن مصر فى أولى الدول المرشحة من الفاو ومنظمات دولية عديدة للتأثر بحمى ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بسبب اعتمادها على الاستيراد الذى يجعل قابلية أسواقها عالية لتضخم الأسعار، خاصة بإضافة عنصر الاحتكار فى الأسواق. وفى موجة 2008 وبرغم وجود الدعم، قفز التضخم إلى حدود 24%، وهو رقم هائل يضرب الفقراء أول ما يضرب.

ينهى نجم قصيدته عن الثورة الإيرانية قائلا: تمسك ودانك من قفاك ..تمسك ودانك من هنا.. اللى حصل فيهم هناك.. لازم حيحصل عندنا. ولا أستطيع أنا أو غيرى أن نجزم بنفس الإندفاع العاطفى لشاعر أن السيناريو التونسى سيحدث فى مصر اليوم أو غدا أو بعد سنة. غير أن العناصر الهيكلية الأساسية الموجودة هناك موجودة فى مصر، من نمو اقتصادى لحساب القلة، وتنمية مفقودة فى الصعيد، وتصاعد للتذمر فى صفوف الطبقة الوسطى وحتى بين قيادات النخبة الحاكمة، التى لا تبدو متفقة على الخطوة القادمة، جنبا إلى جنب مع الأزمة الاقتصادية العالمية وقابليتنا العالية للتأثر بها. الخالق الناطق هناك.. الناطق الخالق هنا.

نشرت في جريدة الشروق المصرية يوم الثلاثاء 18 يناير

الأحد، 16 يناير 2011

الانتفاضات الشعبية العالمية في عشر سنوات.. دروس للانتفاضة المصرية المقبلة

وائل جمال


"إن حل مشاكل طبقة بواسطة طبقة أخرى هو واحد من تلك الوسائل المركبة الطبيعية في البلدان المتخلفة". هذه المقولة التي ترد في الفصل الأول من كتاب تروتسكي الكلاسيكي الثورة الروسية كانت القانون الأساسي للانتفاضات الجماهيرية التي شهدها العالم في العشر سنوات الأخيرة. من إندونيسيا للأرجنتين والإكوادور وبيرو وغيرها، انتفضت الجماهير وأسقطت نظما وحكومات فيما شكل هزيمة واضحة لكل الادعاءات بغياب قوة الحركة الجماهيرية بغير رجعة. لكن أيا من هذه الانتفاضات لم يقدها الاشتراكيون، ولم يفلح أي منها أيضا في تحدي العلاقات الاجتماعية الرأسمالية.

عوامل تشابه في المقدمات والنتائج

الأسباب العميقة وراء هذه الانتفاضات كانت متشابهة وواضحة. فقد كانت كلها في دول ما يسمى بالعالم الثالث، وكانت في جميع الحالات رد فعل على السياسات الاقتصادية النيو ليبرالية التي أفقرت قطاعات جماهيرية واسعة، وعلى الأزمات الحادة التي عرضت لها هذه السياسات اقتصاديات هذه الدول مجبرة الملايين على دفع ثمن باهظ لم يكن من الممكن احتماله طويلا. في إندونيسيا، كانت الأزمة الآسيوية في الخلفية. في أمريكا اللاتينية كان التطبيق الكامل لتعليمات الصندوق وما أفرزه من أزمات في الأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وغيرها هو الشرارة التي فجرت انتفاضات متتابعة في القارة بدأت بالإكوادور في يناير 2000.

في هذا السياق مصر ليست مختلفة كثيرا. فعلى مدى السنوات الأخيرة بدا إفلاس، والانحياز الطبقي، لسياسات الإفقار المباركية واضحا سواء في تأثيره على مستويات معيشة ودخول الملايين أو في التراجع العنيف لشرعية النظام الذي مازال يستند بالأساس إلى عصاه القمعية في البقاء. وفي ظل التصعيد المتوقع في هجمات اليمين الجديد المتمثل في حكومة لجنة السياسات فإن احتمالات انتفاضة جماهيرية ليست بعيدة أبدا خاصة في ظل الاحتقان الإضافي الذي تضيفه تطورات الوضع الإقليمي في فلسطين والعراق وخطة توريث الحكم. لكن مثل هذه الانتفاضة المحتملة ستواجه تحديا لا يمكن تجنبه.

فهذه الانتفاضات أطاحت بعدد لا بأس به من رؤساء الجمهوريات وأسقطت نظام سوهارتو الذي حكم إندونيسيا بالحديد والنار على مدى ما يزيد على ثلاثين عاما لكنها جميعا واجهت مأزق أنها سلمت مصيرها مرة أخرى لأنظمة لا تختلف جذريا عما أسقطته. هذا الخطر هو أمر كامن في طبيعة العملية الثورية ذاتها ويتوقف تجاوزه على عوامل كثيرة.

من أين ينبع هذا الخطر؟

الانتفاضة ليست ثورة رغم أنها يمكن أن تجهز الأرض لواحدة. فالجماهير التي شاركت فيها كانت مدفوعة للحركة بالعداء لبعض مظاهر النظام القائم. وهذا لا يصل لدرجة فهم الحاجة للإطاحة به كليا أو الثقة في إمكانية عمل ذلك. لكن هناك شيء أساسي متشابه بين الانتفاضات الجماهيرية والثورات برغم هذا الاختلاف. فتاريخ الثورات هو قبل كل شيء تاريخ دخول الجماهير القسري إلى عالم الحكم على مصيرهم الخاص.

وفي هذا الإطار لا يغير المجتمع مؤسساته عندما تظهر الحاجة لذلك، بتلك الطريقة التي يغير بها ميكانيكي أدواته. على العكس يأخذ المجتمع المؤسسات المعلقة عليه كمعطى مرة وللأبد. ولمدة عقود تكون الانتقادات المعارضة مجرد صمام أمان لعدم الرضاء الشعبي، شرط لاستقرار البناء الاجتماعي. وهناك شروط خاصة واستثنائية مستقلة عن إرادة الأشخاص والأحزاب تصبح ضرورية للانطلاق من الغضب لتمزيق قيود المحافظة والوصول بالجماهير للانتفاضة المسلحة.

على حد تعبير تروتسكي: التخلف المزمن للأفكار والعلاقات وراء الظروف الموضوعية حتى تلك اللحظة التي تنفجر فيها الأخيرة في صورة كارثة هو ما يخلق في فترة الثورة هذه القفزات في الأفكار التي تميزها.

والجماهير لا تثور وفقا لخطة معدة لإعادة البناء الاجتماعي لكن بإحساس قاطع بأنهم لا يمكنهم الاستمرار في تحمل النظام القديم. فقط الشرائح القيادية من طبقة تمتلك برنامجا سياسيا، وحتى هذا يتطلب اختبار الواقع والأحداث وإقرار الجماهير. لذلك فإن العملية السياسية الرئيسية للثورة على هذا الأساس تتكون في الفهم التدريجي الذي تكونه طبقة ما للمشاكل النابعة من الأزمة الاجتماعية وتوجهات الجماهير. وعندما تواجه الحركة عقبات موضوعية تبدأ الرجعية، خيبة الأمل في قطاعات مختلفة من الطبقة الثورية، نمو اللامبالاة، ومعها تقوية لمواقع القوى المعادية للثورة.

لهذه الأسباب فإنه حتى عندما تفتح الانتفاضة إمكانية لموقف ثوري، هناك فترة فاصلة تقفز فيها نسخ من الإصلاحية إلى المقدمة. يظهر كيرينسكي الذي قد يخلي مكانه للينين في مرحلة لاحقة أو لا. وفي كل انتفاضات العشر سنوات الماضية تولدت تنويعات إصلاحية من الهبات ضد النيو ليبرالية وحتى هذه اللحظة مازالت تحجب نور القوى الثورية.

التجربة الإندونيسية ومصر

إندونيسيا تحمل عناصر تشابه مع الوضع المصري أكثر من غيرها. فعلى العكس من انتفاضات أمريكا اللاتينية كانت انتفاضتها في مواجهة ديكتاتورية قمعية على رأسها رجل حكم البلاد ما يزيد على ثلاثين عاما. وهذا الوضع له خصوصية حيث تصبح الحركة الجماهيرية المنتفضة بلا أذرع تنظيمية قوية تستطيع الاستناد عليها لتطوير نفسها. غياب حق التنظيم النقابي وحق التنظيم السياسي وعملية القمع المستمرة للمعارضين تضعف بشدة من تأثير تلك الشرائح المتقدمة للطبقة العاملة أو تنظيماتها التي تكون صغيرة الحجم والتأثير بفعل الديكتاتورية مما يعرضها أكثر لما يطرحه الإصلاحيون.

في الثورة الإندونيسية حلت الجماهير على طريق مقولة تروتسكي التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال معضلات انتلجنسيا الطبقة الوسطى. وفي ظل غياب حزب ثوري مغروس في قلب الحركة كان الصوت المسموع هو صوت هؤلاء. ميجاواتي سوكارنو وأمين رئيس وأحزابهم التي صعدت على أكتاف حركة الجماهير التي حاصرت البرلمان لكي توقفها عند هذا الحد.

في إندونيسيا كانت الطبقة الوسطى غاضبة من النظام. فبحكم كونها حساسة بشكل عام للتخلف التكنولوجي وقلة كفاءة النظام والفساد الذي حرمها من فرص قيادية وفي نفس الوقت قاد النظام الاقتصادي والاجتماعي برمته للتراجع والانحدار، ولت هذه الطبقة وجهها للنظام. ولذلك لم يكن لديها أي مانع من إسقاط سوهارتو ونظامه على يد الفقراء لكنها في الوقت نفسه لعبت دورا هائلا في تحجيم الحركة سياسيا وطرح بدائل حجبت نور القوى الثورية على حد تعبيرنا سابقا.

في مصر، هناك موقف مشابه لذلك. قطاعات واسعة من انتلجنسيا الطبقة الوسطى غاضبة. نظام مبارك لم يعد قادرا على إدارة النظام بالكفاءة المطلوبة. دور هذه الانتلجنسيا أصبح محكوما بالفساد المتغلغل في النظام. والديكتاتورية وتيبس النخبة يخنق تطلعاتها. من هنا وعلى أرضية الغضب الجماهيري المكتوم وتصاعد أزمة النظام التي لم تعد خافية على أحد، بدأت نبرة النقد، التي لم تعد تمس أذناب النظام البعيدة، تزداد للغاية. لم يعد النقد في أوساط كتاب الأهرام ومركز دراساته وأمثال مجدي مهنا مقتصرا على هذا الوزير أو ذاك وإنما امتد لمبارك وأعمدة نظامه. ولا يخلو خطاب هؤلاء أيضا ـ الذين يحاصرهم فشل تكتيك التغيير من الداخل الذي أصبح مستحيلا ـ من إشارات إلى احتمالات تدخل جماهيري واسع. ولا يخفى هنا أن البدائل الإصلاحية التي قد تلعب نفس اللعبة قد تمتد إلى الإخوان المسلمين وإلى الناصريين وحتى قطاعات من اليسار الديمقراطي الأفق والغاية.

مواجهة هذا الخطر وتوسيع أفق الانتفاضة القادمة لها شروط موضوعية أشرنا لها من قبل لكن لها شروط ذاتية أيضا. يقول تروتسكي:"بدون منظمة مرشدة فإن طاقة الجموع ستتبدد كالبخار غير المحبوس في مكبس. لكن بالرغم من ذلك فإن ما يحرك الأشياء ليس المكبس وإنما البخار". المنظمة الثورية التي تستعد بكل طاقتها لتلك اللحظة أيديولوجيا وسياسيا وتنظيميا لا غنى عنها.

ويبقى أن أحد الدروس التي هي ليست الأخيرة من الانتفاضات العالمية هو أنها وإن لم تقد إلى ثورات لكن لم يتلق أولئك الذين شاركوا فيها أيضا هزائم نهائية. الإصلاح الجديد يبني نفسه على إعطاء وعود للجماهير وليس مواجهة شاملة للوضع. و عند نقطة معينة يؤدي تصاعد الضغط من النظام العالمي على مكوناته القومية الأضعف إلى تصاعد ضرورة هذه المواجهة.

كتبت في 15 أغسطس 2004


الأربعاء، 4 أغسطس 2010

جراد مصر ونملها .....لماذا نستهلك أكثر مما ننتج؟

بقلم: وائل جمال

إليكم بعض الارقام التى نشرتها الصحف مؤخرا: المصريون يستهلكون نحو 100 مليون متر مكعب من مياه الشرب سنويا. وفق التقديرات الطبية يستهلك المصريون 800 مليون جرعة مسكن سنويا، بمليار جنيه. دراسة: المصريون يلقون ٢٠ مليون رغيف فى سلة المهملات يومياً.

ويقول تقرير حديث صادر عن الادارة العامة للرقابة على الصادرات والواردات إن المصريين ينفقون أكثر من أربعة مليارات دولار سنويا لاستيراد ورق العنب من جنيف ولحم الطاووس من ايران واسماك الكافيار الاحمر والجمبرى الجامبو والاستاكوزا.

كما يتم انفاق أكثر من مليونى دولار سنويا لاستيراد أطعمة للكلاب والقطط، بينما تقارب واردات مصر من السلع الاستهلاكية والترفيهية المعمرة وغير المعمرة 5.4 مليار دولار.

ويشير التقرير أيضا إلى أنه تم فتح إعتماد بنحو مليونى دولار لاستيراد فوانيس رمضان، بينما بلغت تكلفة استيراد ياميش رمضان نحو 100 مليون دولار. ويتوقع خبراء أن يأكل المصريون خلال الشهر الكريم مليونى دجاجة يوميا، بزيادة 400 ألف دجاجة عن معدل الاستهلاك الطبيعى لهم خلال الشهور الماضية، فى إشارة أخرى لكيف صار رمضان وعيده موسما استهلاكيا بامتياز، يكشف نفسه فى التربص الاعلامى الاعلانى لاقتناص نصيب من الكعكة المتضخمة.

وبنهاية الأسبوع الماضى، طالعتنا وزارة الكهرباء بأرقام مذهلة تؤكد ان شوارعنا تضاء بما بين 3 الى 5 أضعاف الطاقة المستخدمة فى شوارع دول، اقتصاداتها تنتج عشرات أضعاف ما ننتج. هل نحن المصريون نستهلك فعلا أكثر من اللازم؟

فى خضم الأزمة العالمية التى مر بها، ومازال يتخبط فيها العالم، تباهت حكومتنا باستمرار معدلات النمو الاقتصادى فى مصر فوق ال4% بفضل «احتفاظ الاستهلاك المحلى بشقيه الخاص والحكومى بفاعليته كمحرك أساسى للنمو»، كما أكدت وزارة التنمية الاقتصادية. وقفز الاستهلاك الخاص، كنسبة من الناتج المحلى من 70.6% فى عام 2004/2005 إلى 76.2 فى عام الازمة 2008/2009.

ويسير هذا الحال بعكس المنطق الاقتصادى الذى يسود عادة فى وقت الأزمات. وفى نهاية 2008 نشرت مجلة فورين بوليسى الأمريكية تحقيقا عن 10 أشياء توقعت ان تختلف فى حياة الناس فى العالم بسبب الازمة فى أكبر اقتصاد فى العالم، على رأسها أن الأبناء الذين يكبرون فى ظلها سيشبون ليكونوا غير مبذرين، بسبب حياة التقشف التى تفرضها الظروف الاقتصادية السيئة.

وقد أدى تراجع الدخول الفائضة فى فرنسا مثلا عام 2009 الى تراجع نمو الاستهلاك العائلى خلال العام إلى 0.9% فقط بدلا من متوسط 2.4% خلال السنوات السابقة.

والسبب واضح. كلما زاد الانتاج، زاد الدخل، وزادت معه القدرة على الانفاق والاستهلاك، أو الادخار، ويختار الناس البديل الأخير لأسباب عديدة منها التخوف من المستقبل او الثقافة السائدة. وفى مصر تراجع معدل الادخار من 16.7% من الناتج إلى 12.4% فى عام الازمة بينما حافظ الاستهلاك على زخم النمو بمعدل 5% مقارنة ب 5.2% فى العام السابق

ما السبب فى ذلك؟ السبب ببساطة هو ان استجابة الاستهلاك العائلى لتطورات الدخل تتوقف على ماهو فائض عن تلبية الحاجات الأساسية. وفى مصر لدينا نقيضان: الأول يشمل غالبية السكان، الذين لا يلبون هذه الحاجات الا بالكاد (قفزت نسبة الفقراء بسبب الازمة من 18% من المصريين الى 21.6%).

والثانى قلة من الاغنياء الذين لديهم فوائض ضخمة، تعينهم على استمرار الاستهلاك بكل زخمه مهما كانت ظروف البلد، ومهما كانت قدراتها. وهكذا لا تتأثر قرارات الاستهلاك لدى الفئتين كثيرا بتغيرات الدخول. فالفئة الاولى ستحاول ان تأكل وتشرب وتسكن وان تبقى اولادها فى المدارس بقدر ما تستطيع. والثانية لن تتأثر كثيرا بشراء سيارة إضافية للإبن الذى دخل الجامعة، أو اقتناص فيلا فى بالم هيلز، لا يتجاوز سعرها 5 مليون جنيه فقط، لأن لديها فوائض هائلة.

إلا أن حجم استهلاك الفئة الأولى، ونوعيته لا يقارنان بالثانية، ربما إلا من حيث كبر عددها
على سبيل المثال، يتحدث اقتصاديو الحكومة عن عودة الاقبال على شراء سيارات الركوب. وتشير أرقام مركز معلومات مجلس الوزراء، بما لا يدع مجالا للشك، إلى أن نسبة الأسر المصرية، التى تمتلك سيارات ركوب، لا تزيد عن 5.4%، تقل إلى 0.9% من الأسر فى القرى الأكثر فقرا. كم تسيطر صورة هذه ال5% على بلادنا، وكيف تسيطر مشاكلهم فى البحث عن أماكن الانتظار وحل مشاكل المرور على عقولنا، فنحذف من العالم ومن تفكير الحكومة حياة 95% من الأسر، لديها مشاكل مختلفة تماما كوسائل نقل جماعى غير آدمية أو غير متوفرة، وكألا يكون لديها سخان للمياه. (تقول الأرقام إن 38% فقط من الأسر المصرية لديها سخان مياه مقابل 7.2% فى الأسر التى تقطن القرى الأكثر فقرا).

وإذا اقترض هؤلاء، ولا أقول إذا توفر لهم فائض من أى نوع فاشتروا سخانا لتدفئة مياه الشتاء، هل يمكن أن نلومهم؟ وإذا استهلكوا معدلات تتجاوز الطبيعى من أنابيب البوتاجاز المدعومة من أجل استحمام أطفالهم فى البرد.. هل يمكن اعتبار ذلك استهلاكا زائدا؟

أما التليفون المحمول، وهو ما لم يعد سلعة ترفية، وصار وسيلة تدعم حق الحصول على المعلومة، فيظل محصورا بنفس الشروط برغم ارتفاع نسبة الخطوط الى ما فوق 60% من السكان، وهى نسبة أقل كثيرا من دول عربية افقر منا، ناهيك عن الدول المتقدمة. فهاهو تقرير التنمية البشرية لعام 2010، والصادر قبل أيام، يؤكد أن نسبة الشباب الذين يمتلكون المحمول فى الخمس الاقل دخلا لا تتجاوز 8% مقابل 31% من شباب الخمس الأعلى دخلا.

ويقول التقرير ذاته إن واحدا من بين كل 3 شباب فى مصر يعانون من الحرمان من بعد واحد على الاقل من بين: نقص الصرف الصحى والمعلومات والتعليم والصحة ومواد تغطية الارض والازدحام فى مكان السكن.

هذا الوضع غير العادى هو السبب فى تراجع ترتيب قيمة الادخار، الذى يرصده التقرير فى مصر، مقارنة بدول تواجه ظروفا اقتصادية واجتماعية شبيهة بظروفها، مثل المغرب وفيتنام والاردن. وهى جميعا تفوقنا فى هذا الشأن. ولن نتحدث هنا عن الصين والهند وماليزيا. لكن شتان بين مسئولية الأغلبية ومسئولية الأقلية، اللتين تحدثنا عنهما، ونصيبهما من معدلات استهلاك المصريين، الذى يجعل منا دولة عالة على العالم.

فهل هناك وجه للمقارنة بين 13 مليون شخص يعيشون بلا خدمات فى العشوائيات، ويحاولون بالدم توصيل الكهرباء ومياه الشرب على نفقتهم وبدون مساعدة الدولة، وبين ملايين قليلة، قليلة جدا، من المصريين. تخاطبهم الاعلانات فى كل مكان، لحثهم على الاستهلاك، الذى يملكون ثمنه وثمن المزيد منه، والمزيد منه، حتى لو أدت مئات الآلاف من أجهزة التكييف التى يشترونها إلى انقطاع كامل فى الكهرباء عن أحياء الفقراء؟

بل إن هذا الاستهلاك، الذى قد يستنفد مواردنا المحدودة، أو يوجهها فى غير محلها، يتحول إلى عامل إيجابى، من وجهة نظر أرباح الشركات، التى تبحث عن زيادة مبيعاتها بأى شكل. والأنكى من ذلك أن مسئولين حكوميين يستخدمون نمو الاستهلاك للتدليل على حسن الأحوال، ومتانة الاقتصاد.

فى حكاية إيسوب الشهيرة عن الجرادة والنملة (استخدمها مارتن وولف الكاتب البارز بجريدة الفاينانشيال تايمز البريطانية للمقارنة بين الشعوب المدخرة فى الصين وألمانيا والمستهلكة فى الولايات المتحدة وبريطانيا)، تعمل النملة طوال الصيف لتجمع غذاء الشتاء، بينما الجرادة تلهو وتقفز وتأكل من الغذاء المتوفر دون حساب، بل وتسخر من النملة. وحين يأتى الصقيع، تنتصر النملة بما اجتهدت لجمعه. تتوسل الجرادة إلى النملة لتعطيها الغذاء.

لكن النملة ترفض وتموت الجرادة من الجوع. «ما العبرة المستفادة من هذه الحكاية؟ الكسل يخلق الحاجة والعوز. مع ذلك، الحياة أعقد مما نراه فى حكاية إيسوب»، يقول وولف فى مقاله.

وفى مصر لدينا النمل الكثير، الذى يعمل ليل نهار، ولدينا الجراد، الذى يستهلك بلا حساب. لكن ما قاله مارتن وولف صحيح. الحياة أعقد من الحكاية. فنمل مصر يبقى مع الحاجة والعوز. ويعيش الجراد، صيف شتاء، ينهل من جنان الاستهلاك، وإن إلى حين.

نشرت في جريدة الشروق بتاريخ 27 يوليو 2010

السبت، 2 يناير 2010

هزيمة.. ولكن

بقلم:
وائل جمال
29 مارس 2007
الاصدار: الاشتراكي


ما من شك في أن تمرير التعديلات الدستورية، من خلال مجلس الشعب والاستفتاء اللقيط، هزيمة حقيقية لحركة التغيير التي دشنت وجودها الحقيقي مع تظاهرات الحادي والعشرين من مارس قبل أربع سنوات. فقد نجح نظام مبارك في تحسين الشروط القانونية التي يمارس ديكتاتوريته من خلالها وأدمجها في الدستور نفسه بغض النظر عن أنف من يسميهم طبالوه من نوعيه ممتاز القط وأسامة سرايا بالأفاعي من رافضي السلطوية التي تكرسها هذه التعديلات. وبدلا من أجواء التعبئة الشعبية وسيادة روح التغيير واكتساب مساحات التظاهر والاحتجاج في الشارع، جاءت التعديلات لتقنن الإحالة للمحاكمات العسكرية وتعطي صفة الدوام لمضمون قانون الطوارئ المؤقت عبر قانون الإرهاب. وإذا كانت السلطوية هي السمة المؤكدة لهذه التعديلات بإجماع كل من هم ليسوا في الحزب الوطني، فإن تصوير الهزيمة الحقيقية التي تعرضت لها حركة التغيير في مصر بكل أجنحتها على أنه نهاية لمعركة التغيير أو انتصار نهائي لمشروع التوريث هو مبالغة عاطفية مضرة والأهم من هذا هو أنها تغفل لب وجوهر ما ألهم روح التغيير وما سمح للنظام بقلب الطاولة عليها، وهو نفسه ما يشي بأن المواجهة لم تنته وإنما تتصاعد: تصاعد الصراع الاجتماعي وانحسار شرعية حكم البرجوازية المصرية بقيادة مبارك لحدود الانعدام.

الطبقة الحاكمة بين تعديلين

كان إعلان تعديل المادة 76 من الدستور في ربيع عام 2005 تعبيرا عن لحظة ذات طبيعة خاصة. كانت الطبقة الحاكمة في مصر تواجه ضغطا أمريكيا متزايدا في ظل توجهات تغيير الأنظمة لدى الحليف الأمريكي. الأخطر من ذلك، كان الوضع الإقليمي المتفجر يشي بانفجار هائل بعد أن عرت الحرب الأمريكية على العراق والتطورات على الساحة الفلسطينية تناقضات النظام وتحالفاته. ومن رحم هذا كله بدأ الضغط الشعبي يتبلور في ثقل متزايد لحركة وليدة تطالب بالتغيير كانت تتويجا لجهود حركة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية ثم الحركة ضد ضرب العراق. في مواجهة هذا كله، بدا واضحا تماما للطبقة الحاكمة أن الاستمرار في الحكم بنفس الطريقة التي اتبعتها بقيادة مبارك على مدى ربع قرن ربما لم يعد ممكنا. فتكسير كل الوسائط السياسية من أحزاب ونقابات وتدهور شعبية الحزب الوطني كلها تهدد بانفجار غير مضمون العواقب وغير قابل للمحاصرة والتوجيه. الأهم من ذلك أن الطبقة الحاكمة نفسها بدأت في الانقسام بين جناح بيروقراطية الحزب وجناح رجال الأعمال الجدد الذين رموا بثقلهم وراء مشروع التوريث لجمال مبارك ومجموعة الليبراليين الجدد الذي عبأهم حوله. كان تعديل المادة 76، بعيوبه، علامة على انقسام وتراجع، خطوة للوراء من وجهة نظر الطبقة الحاكمة.

وككل الطبقات الحاكمة، حاول جناح رجال الأعمال الجدد وصقور لجنة السياسات استغلال هذه الخطوة لاكتساب شرعية جديدة يمكن استغلالها لحسم المعركة الداخلية. وهكذا قدم هذا الجناح الذي دعم مواقعه بسيطرة حكومة نظيف على الحكومة ثم بالتعديل الوزاري التالي على أنه يجمع –على عكس جناح صفوت الشريف وكمال الشاذلي- بين الليبرالية الاقتصادية غير الفاسدة وبين الليبرالية السياسية.

وبعد سنتين فقط تجيء التعديلات الدستورية لتقنن وضعا ربما لم يكن بمقدور الطبقة الحاكمة أن تحلم به في ألفين وأربعة وألفين وخمسة. ويشير اختلاف الملابسات إلى اختلاف بين في طبيعة الموقف برمته. فبينما كان هم الطبقة الحاكمة في الانتخابات الرئاسية ثم التشريعية أن تظهر بصورة راعية الديمقراطية مقدمة المرشحين، ولو صوريا، في التليفزيون، عاد السياق إلى ما كان عليه قبل سنوات مرة أخرى لتطلق آلة الدعاية التي تضعها تحت تصرفها بشكل كامل ودون حياء مستخدمة مخزونها التاريخي من تعبيرات القلة المخربة من الأفاعي...الخ.

ضرورات الليبرالية الاقتصادية

وربما بتحليل أهداف النظام الحاكم من هذه الخطوة يمكننا فهم دوافعها ودلالتها.وفي دراسة لمعهد كارنيجي للسلام يقول د. عمرو حمزاوي إنه "منذ نجاح جماعة الإخوان المسلمين في الفوز بما يقرب من 20% من مقاعد مجلس الشعب في انتخابات 2005 التشريعية ونظام مبارك يريد أولاً تضييق مساحة المشاركة السياسية لجماعة المعارضة الأكثر شعبية في مصر واحتواءها كي لا تتحول إلى منافس حقيقي على السلطة". في هذا الإطار يجيء منع النشاط السياسي بمرجعية دينية والذي يمكن الطبقة الحاكمة من تصعيد حملتها الأمنية ضد الإخوان وتصفية قوتهم التي اكتسبوها من خلال الانتخابات. أما الهدف الثاني من وجهة نظر حمزاوي فيتمثل في الحيلولة مستقبلاً دون تشكل جبهة موحدة للمعارضة تضم الإسلاميين والعلمانيين - وقد كان لذلك بدايات جنينية في 2005 - من خلال تقديم حوافز للأحزاب الليبرالية واليسارية المسجلة تباعد بينها وبين جماعة الإخوان المحظورة قانونياً وتكرس اعتماد الأحزاب على النظام لضمان استمرارية مشاركتها السياسية. وهنا يقدم النظام نفسه من كراعي للمواطنة والعلمانية في مواجهة الإخوان ليعزلهم عن باقي المعارضة. و ثالثاً، وهنا أيضاً وفقاً لخبرة وحصيلة انتخابات 2005، صياغة مجموعة جديدة من الأدوات الدستورية التي تدعم سيطرة الحكم على مخرجات العملية الانتخابية إن على المستوى الرئاسي أو البرلماني أو المحلي عبر تقييد الرقابة القضائية وغيرها. ثم كان الإبقاء على واجهة ديمقراطية تستجيب ظاهرياً لعدد من مطالب المعارضة المصرية في الداخل وتحفظ للنظام حد أدنى من شرعية الرغبة في الإصلاح أمام الخارج دونما أي تخلي عن جوهر الإدارة السلطوية للحياة السياسية هو الهدف الرابع لنظام مبارك كما تراها مؤسسة كارنيجي البحثية الأمريكية.

وربما كانت هذه هي الأسباب المباشرة للتعديلات لكنها لا تبدو كافية لفهم التحول في موقف الجناح المنتصر في المعركة الداخلية للطبقة الحاكمة دون ربطها من جانب بمشروع التوريث لجمال مبارك ومن ناحية أخرى بالتناقض بين الليبرالية الاقتصادية القاسية التي تطبق على أرض الواقع وأي صورة من صور الليبرالية السياسية. ففي النقطة الأولى، وقد يكون هذا هو سبب التعجل الشديد في تمرير التعديلات (أعلن عنها في سبتمبر وتقدم كاقتراح في ديسمبر ثم كاقتراح متكامل في نهاية يناير ليقر قبل موعده في أبريل في استفتاء 26 مارس)، تعطي التعديلات أرضية قانونية دستورية لمجلس شعب جديد بلا صوت معارض قوي، وتخلص الوريث من القوة الأساسية المرشحة لمنافسته، وتعطيه في حال مجيئه كرئيس للوزراء سلطات متزايدة تصل إلى حد القيام بسلطات رئيس الجمهورية في حال غياب نائب له.

لكن النقطة الثانية هي الأهم بما لا يقاس. فالبرنامج الليبرالي الجديد الذي يطبقه صقور لجنة السياسات لتحرير تاريخي للخدمات ودفع للخصخصة وانحياز كامل للاستثمار الخاص على حساب الفقراء لا يستقيم أبدا مع إعطاء حق التمثيل الديمقراطي. ورأى هؤلاء كيف أجبرت الإضرابات التي انتزعها عمال النسيج انتزاعا على إيقاف مسيرة الخصخصة أو تعطيلها في أحسن الأحوال وعلى انتزاع مكاسب عمالية خارج النطاق التاريخي لعصر عز وأبو العينين.

قلعة الكبش والتعديلات الدستورية

في تحقيق لها عن التعديلات الدستورية استطلعت جريدة النيويورك تايمز الأمريكية رأي المحتجين في قلعة الكبش بفعل الحريق الذي التهم بيوتهم تاركا إياهم في العراء. بناءا على ردود فعل من تكلمت معهم الجريدة، قالت في مقدمة التحقيق إنه لا مكان للتعديلات الدستورية بالنسبة لمن يقطنون قلعة الكبش. "الناس هنا يبحثون عن مأوى ووظيفة ووجبة دافئة" قالت الجريدة. لكن في الحقيقة فإن ما حدث في قلعة الكبش من مواجهات بين أناس، لا يرغبون سوى في عيش مستور تحت سقف يقيهم من وطأة الشارع، وبين الشرطة، مواجهات أسقطت 28 جريحا، يؤكد أنه لا انفصال بين الشأنين على الأرض وأن السلطوية التي عادت بها التعديلات هدفها التعامل مع الصراع الاجتماعي المحتدم. وهنا، كما شهدت نضالات عمال النسيج، فإن طبيعة المعركة مختلفة تماما. فمن يخوضونها مختلفون كثيرا عن قيادات كفاية أو الإخوان المسلمين. هؤلاء يدافعون عن لقمة عيشهم المباشرة وعن حقهم في وظيفة وفي المأكل والمشرب. هؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه من المواجهة إذ هم خاسرون بالفعل من طبيعة التوازن القائم. هؤلاء يضربون عن الطعام بالآلاف لحين تحقيق مطالبهم. وهؤلاء هم الهدف الحقيقي للتعديلات الدستورية وهم في الوقت نفسه الدليل على أنها ليست نهاية المعركة وإنما تصعيد لها تخسر فيه الطبقة الحاكمة باقي شرعيتها وآخر أقنعتها: قناع الإصلاح من الداخل.

في كتابه الأمير يقول مكيافيللي إن أي حاكم يريد لحكمه الاستقرار لابد له من أن يجمع بين قوة الأسد ودهاء الثعلب. بمعنى آخر، وباستخدام لغة السياسة المعاصرة، لابد له من سلطة قمع وردع من ناحية وشرعية نابعة من الإقناع من ناحية أخرى. والتعديلات الدستورية تكشف آخر خدع الثعلب. وبحسب أمير مكيافيللي لا يمكن لأمير يبني حكمه على القوة فقط أن يحفظ استمراره ولا استقرار سلطته.

المعركة إذن، بالنسبة لمن يرون أنفسهم جزءا من هذا الصراع الاجتماعي، لم تنته أبدا ولم تحسم أبدا. المعركة انتقلت لمستوى آخر. والتحدي هنا بالنسبة لهؤلاء هو التعلم من أخطاء حركة التغيير في أعقاب الحادي والعشرين من مارس 2003: لا أمل لأي حركة معزولة عن قاعدة الفعل والنضال الاجتماعي الحقيقي القاعدي وكل الأمل لمن يرصون صفوفهم في نضالات قلعة الكبش والمحلة وبوليفارا.

نحو بناء حركة مناهضة للعولمة الرأسمالية في مصر

بقلم:
وائل جمال
مارس 2006
الاصدار: أوراق اشتراكية


كان وصول أحمد نظيف لرئاسة الوزارة منذ ما يقرب من عامين إشارة على نجاح الجناح النيوليبرالي المتطرف في الطبقة الحاكمة في فرض سيطرته على السياسة الاقتصادية، وبمرور الوقت بانت أبعاد الهجمة الطبقية الأكثر توحشًا في التاريخ المعاصر لمصر. في هذا الإطار تبدو الحاجة ملحة لبناء أوسع حركة قاعدية ممكنة ضد العولمة الرأسمالية في مصر. وائل جمال يدافع عن ضرورة وإمكانية خلق مثل هذه الحركة.

عندما تم تعيين أحمد نظيف رئيسًا للوزارة في يوليو 2004 استقبلت دوائر الأعمال في الداخل والخارج الخبر بترحاب شديد. وعلى مدى العشرين شهرًا التي قضتها حكومة صقور اليمين النيوليبرالي في السلطة شنت أوسع برنامج تحرير اقتصادي على خطى سياسات إجماع واشنطن (وهي السياسات التي تروج لها مؤسسات صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ووزارة الخزانة الأمريكية لصالح التحرير الكامل للأسواق وإنهاء دور الدولة في الاقتصاد وفتح الأسواق). برنامج يشابه في اتساع نطاقه وفي عدوانيته وشموله وسرعته ما تم تنفيذه من سياسات في أمريكا اللاتينية في التسعينيات. وهكذا تم إحياء وتسريع عملية الخصخصة في إطار برنامج يبدو أنه لن يتوقف عند حدود قطاع أو صناعة أو خدمة، وبدأت عملية إعادة هيكلة الدعم، وأعطى رجال الأعمال الضوء الأخضر. ليس هذا فقط، بل طور هذا الجناح نفوذه السياسي على الطبقة الحاكمة بوجود مكثف لرموزه ولرجال الأعمال في الحكومة وفي مجلسها النيابي الذي يفوق عدد رجال الأعمال فيه المائة عضو.

ويتداخل في هذا البرنامج الداخلي والخارجي بأوضح ما يكون. فمن ناحية هو تطبيق صريح لسياسات إجماع واشنطن التي حركت موجة الغضب العالمية ضد الليبرالية الجديدة، وفي مقدمتها نضالات أمريكا اللاتينية نفسها. وهي بهذا المعنى تجسيد لتوجه عالمي أصيل لدى يمين البرجوازية العالمية. ومن ناحية أخرى يظهر هذا التداخل بين الخارج والداخل بما يمثله البرنامج من سياسات تفتح الباب لاندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي بفتح الباب على مصراعيه للاستثمار الدولي والشركات العابرة للقوميات. ويمكن اعتبار الخصخصة وإجراءات تشجيع الاستثمار وقوانين الجمارك والضرائب الجديدة أعمدة أساسية لهذا التداخل.

أما على جبهة تحرير التجارة والخدمات فيدافع الصقور عن سياسة أكثر جذرية في فتح الأبواب والتوقيع على التزامات منظمة التجارية العالمية بل وحتى الضغط على باقي الدول النامية في هذا الإطار. وبينما تتحرك وزارة التجارة المصرية التي يقودها وزير من موظفي شركة عابرة للقوميات وأحد الشركات بها بسرعة لتنفيذ هذه الالتزامات بل وتطعيمها باتفاقيات من نوعية الكويز والتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، تفرض حالة من التعتيم على الآثار العنيفة لمثل هذه السياسات على قطاعات واسعة من المصريين الفقراء: رفع أسعار الخدمات الرئيسية كالمياه والكهرباء والتعليم والصحة واستبعاد شرائح واسعة من الفقراء منها. تدمير قطاعات صناعية محلية لصالح الشركات العابرة للقوميات – كما يحدث في صناعة الغزل والنسيج مثلاً – وهو ما يعني تصفية آلاف العمال ورفع معدلات استغلال الذين يستمر توظيفهم.

فراغ في جبهة المقاومة:

وتأتي هذه التطورات بالغة الخطورة على خلفية فراغ هائل على جبهة المقاومة المحتملة. فحتى في الدول النامية – في إطار حركة مناهضة العولمة وخارجها – يلعب المجتمع المدني الدور الأكبر في المواجهة، حيث تقود جمعيات الصيادين ونقابات العمال واتحادات الفلاحين وجمعيات حماية المستهلكين حركة مقاومة بهذا القدر أو ذاك، وتلعب مثل هذه الجمعيات والاتحادات دورًا هامًا في التنسيق محليًا وعالميًا لوقف هذه السياسات وتعطيلها وفضحها.

وفي مصر، ومع غياب مثل هذا الدور الفاعل للمجتمع المدني لسبب أو لآخر، وعدم تبلور هذه القضايا على جدول أعمال الحركات البازغة (التضامن مع الانتفاضة ولرفض الاحتلال العراقي، وحركة التغيير الديمقراطي، أو حتى محاولات بناء جنين لمقاومة عمالية) فإن الساحة مفتوحة تمامًا للطبقة الحاكمة للحركة وتنفيذ مخططاتها. هذا الفراغ يجب ملؤه بأسرع وقت ممكن. وقد يكون البدء في بناء حركة مصرية شعبية لمناهضة العولمة الرأسمالية خطوة على طريق تنظيم مثل هذه المقاومة ولو بصورة دفاعية. لكن حركة من أي نوع بالضبط؟ وهل يمكن تجاوز الطابع النخبوي الذي تستدعيه إلى الذهن فكرة مناهضة العولمة؟

دروس من الوضع الراهن للحركة العالمية:

بدأت الحركة العالمية لمناهضة العولمة (أو كما أفضل تسميتها: حركة مناهضة العولمة الرأسمالية) كحصيلة لعشرين عامًا من النضالات المتفرقة البطولية ضد الليبرالية الجديدة وسياستها الاقتصادية المعادية لعمال والفقراء في العالم شماله وجنوبه. أي أن ما دشنته أحداث سياتل وإفشال مؤتمر منظمة التجارة العالمية في نهاية 1999 كان نتاجًا لهذه المقاومة بداية لمرحلة جديدة منها ضد نفس السياسات التي يواجه عمال وفقراء مصر طبعتها المتطرفة في العشرين شهرًا الماضية. لكن الحركة عند ولادتها تحمل العديد من العناصر غير القابلة للتكرار في مصر لا في الست سنوات الماضية ولا الآن. فالدفعة الهائلة التي تلقتها الحركة من خلال المنتديات الاجتماعية العالمية والمحلية، ومن خلال النشاط الهائل لجمعيات المجتمع المدني في شتى القضايا من الحماية التجارية لأنصار البيئة أو الأقليات العرقية.. إلخ، غائبة في مصر. كما أن الشكل التنظيمي للحركة العالمية ليس له أساس في مصر فهو شكل مصمم لاستيعاب أكبر عدد ممكن من المنظمات والجمعيات وهو وضع غير موجود بالمرة في مصر التي دمرت ديكتاتورية مبارك فيها مؤسسات المجتمع المدني تاركة الباقي منها غالبًا في مواجهة غير متكافئة.

لكن هذا التباين بين ظروف وسياق نمو الحركة في لحظة صعودها تلك وبين الظروف في مصر قد تراجع مع تراجع الحركة في السنتين الماضيتين. والمفارقة هنا أن تحول طبيعة الحركة العالمية وتطوراتها – بل وأزمتها – في السنتين الماضيتين قد تشكل نقطة للبدء في مصر. فإذا كان زخم الحركة قد تراجع بحيث لم نشهد جنوة أخرى أو سياتل أخرى في الفترة الأخيرة وتراجع وهج الحركة المناهضة للحرب على العراق والتي خرجت من رحم حركة مناهضة العولمة الرأسمالية، فإن الحركة لم تتوقف لكنها بدأت تواجه معضلات فرضت عليها مناقضة ومراجعة بعضًا من الأسس التي قامت عليها. فمن ناحية فرض السياسي نفسه على الحركة. وإذا كانت الحرب على العراق ذروة هذا الوضع ففي كل محطة للحركة في السنوات الأخيرة كانت السياسة على الأجندة. ويمكن هنا الإشارة لمعركة إسقاط الدستور الأوربي (تجسيد الاندماج الأوربي على هدى الليبرالية الجديدة)، أو إيقاف اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا اللاتينية في قمة بيونس آيرس في الأرجنتين مؤخرًا.

ومن ناحية أخرى كان التطور الثاني في الحركة هو أن طابع تحركاتها أصبح يغلب عليه الطابع المحلي أكثر من الطابع العالمي. حقيقي أن وجود الحركة العالمية ملموس إلا أن مركز الطاقة المحركة انتقل لقوى محلية – قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى في أدنبره العام الماضي مثلاً والتي بالمقارنة بجنوة مثلاً كأنها صارت معركة محلية تعبر عن تجذر الشعور المعادي لليبرالية الجديدة في أسكتلندا. وأضفى هذا الوضع سمات جديدة على استهداف قمم ومؤتمرات المؤسسات المالية الدولية التي كانت مركز الحركة في السابق.

هذا الوضع الجديد يفرض على الحركة العالمية مراجعة فكرة استبعاد السياسة من أفقها ويفرض عليها أيضًا إعادة النظر في أسلوب عمل المنتديات التي لا تتيح للحركة فرز أولوياتها والتحرك بسرعة وفعالية في اتجاهها. فلم يعد من الممكن للحركة، كما يشير الاشتراكي الثوري البريطاني كريس ناينهام في مقال حديث له (أنظر عرض المقال ص 26)، التقدم للأمان بدون اجتذاب الملايين للتحرك وهو ما لا يمكن عمله لا باستبعاد السياسة (التي صار الجمهور يفرضها فرضًا في تحركات مناهضة العولمة مؤخرًا) ولا بالاقتصار على الدعاية العامة ضد الليبرالية الجديدة. بل أن التجارب الناجحة في إطار الحركة قد بنيت على العكس تمامًا فانبنت على حملات واسعة للتعبئة على قضية واحدة محددة كالدستور الأوربي.

وهكذا فإن نوع الحركة المطلوب يجب أن ينبع من معكوس ما انبنت عليه الحركة العالمية في بدايتها. يجب ألا تتجاهل السياسية وكل المناقشات الخاصة بها لكن في إطار العمل المشترك والجبهات الواسعة، لكنها أيضًا لكي تجذب أوسع جمهور ممكن ممن لهم مصلحة حقيقية في الوقوف ضد الليبرالية الجديدة فإن عليها أن تكون قادرة على تحديد أولويات حركتها بدقة. يجب أن تكون قادرة على تحديد أي الحملات هي المركزية في هذه اللحظات للتعبئة والحشد ولإنجاز أكبر تعطيل ممكن للمشروع الليبرالي الجديد أو حتى إعطابه. هذا الإطار العام يصلح بامتياز للانطلاق منه في مصر.

بناء حملة ضد الخصخصة في مصر:

لماذا الخصخصة كنقطة البدء؟ الحقيقة أن الخصخصة هي العنوان الرئيسي في الهجمة النيوليبرالية في مصر. ويتقاطع البرنامج الطموح الذي يمثل أكبر عملية بيع في تاريخ برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري مع باقي جوانب المشروع النيوليبرالي برمته. بل يمكن القول إنه العمود الأساسي له. فبرنامج الخصخصة هو الطريق الأساسي لاقتحام الشركات عابرة القوميات والشركات العربية الكبرى لقطاعات الخدمات وللصناعة عبر خصخصة الأولى وبيع الشركات العامة في قطاعات كالأسمنت الذي تسيطر الشركات العابرة للقوميات على تسعين في المائة من إنتاجه بالفعل. وهو أيضًا الطريق لإنعاش الاستثمار الأجنبي المباشر – وهو بهذه الصورة واحد من حلقات دفع التراكم الرأسمالي. أيضًا الخصخصة هي وسيلة لزيادة معدلات الاستغلال بزيادة الإنتاجية وتقليص نفقات العمل عبر تصفية جزء من العمالة بإعادة هيكلة الشركات قبل بيعها. عملية الخصخصة أيضًا هامة في تدعيم سلطة ونفوذ القطاع الخاص والجناح السياسي الذي يمثله مباشرة في الطبقة الحاكمة على حساب البيروقراطية التي شكلت مركز قوة رئيسي في الطبقة الحاكمة على مدى فترة حكم مبارك. (أنظر قضية بيع البنك المصري الأمريكي لمجموعة يمتلكها وزيرا النقل والإسكان).

ولا يقتصر الأمر على هذا. فبوادر المقاومة قد ظهرت بالفعل على الساحة العمالية. وفي محطاتها الرئيسية: إضرابات إسكو وطرة للأسمنت وغزل شبين، بدا واضحًا ما يمكن أن يفرزه توسع البرنامج الذي رغم أنه تسارع بمعدلات كبيرة في الفترة الماضية، إلا أنه ما زال ينتظر دخول قطاعات الاتصالات والبنوك والمواصلات والسكك الحديدية، إلى جانب عدد من المعاقل الصناعية الكبرى والعمالية الكبرى أيضًا كالحديد والصلب ومجمع الألمونيوم وغيرها.

بهذا فإن البدء في أوسع حملة ضد الخصخصة تنطلق منها لتفضح مجمل المشروع الليبرالي الجديد المعلوم وتبني جنين المقاومة الشعبية له يصبح ضرورة يجب أن يتقدم لها النشطاء ضد العولمة الرأسمالية. وهكذا تكتسب الحملة التي يدشنها المنتدى العمالي بمؤتمر القاهرة أهمية بالغة في هذا السياق. حيث يمكن أن تكون هذه الحملة التي يجب أن تضم أوسع نطاق ممكن من القوى المعادية لهذا البرنامج هي نقطة الانطلاق على طريق بناء حركة شعبية قاعدية ضد العولمة الرأسمالية في مصر.

الخميس، 26 نوفمبر 2009

عبر نظارات مظلمة


سلافوي جيجيك*، المنظر في القضايا الثقافية، يقدم تحليلا مثيرا للتفكير حول الكيفية التي ترسخ بها الايديولوجيا نفسها عبر تشكيل الطريقة التي نستجيب بها لظروف حياتنا اليومية. عن مجلة "سوشياليست ريفيو" البريطانية
عدد نوفمبر ٢٠٠٩


ترجمة: وائل جمال

فيلم "يعيشون- They Live "، الذي أخرجه جون كاربنتر عام ١٩٨٨، وهو واحد من الروائع المهملة لليسار الهوليودي، درس حقيقي في نقد الايديولوجيا. يحكي الفيلم قصة العامل الشريد "نادا"، وهي كلمة بالاسبانية تعني لاشيء، الذي يحصل على وظيفة في البناء في ولاية لوس آنجلس الامريكية. ويأخذ أحد العمال الآخرين، واسمه فرانك آرميتاج، نادا إلى ضاحية محلية فقيرة لقضاء الليلة. وبملاحظة بعض النشاط "المريب" في كنيسة قريبة، فإنه يقرر تقصي الامر. وبينما هو يفتش في الكنيسة يجد عدة صناديق مليئة بالنظارات الشمسية في مخبأ سري بأحد الحوائط. وعندما يجرب إحداها، يلاحظ نادا أن إحدى لوحات الاعلانات صارت تعرض كلمة "أطع"، بينما تحث أخرى من يراها على أن "يتزوج وينجب". كما أنه يرى أيضا أن النقود الورقية التي معه صارت تحمل الكلمات :”هذا هو ربك". وسرعان ما يكتشف أن العديد من الناس حوله هم في الحقيقة مخلوقات فضائية غريبة. وعندما يدرك هؤلاء أنه يمكنه رؤيتهم على حقيقتهم، يصل البوليس بشكل مفاجيء.
يهرب نادا عائدا إلى موقع البناء ليخبر ارميتاج بما اكتشفه لكنه لا يهتم بالامر في البداية. ويتجادل الاثنان بينما يحاول نادا اقناع ارميتاج واجباره على ارتداء النظارات. وعندما يفعل، ينضم لنادا، ثم يتصلان بمجموعة لتنظيم المقاومة في الكنيسة. وفي اجتماع المجموعة، يتعلمان ان وسيلة التحكم الأولية لدى المخلوقات الفضائية هي إشارة يتم ارسالها على التليفزيون، وهو ما يجعل الناس غير قادرين على كشف حقيقتهم.
وفي المعركة الاخيرة، وبعد تحطيم هوائي البث، يصاب نادا بجروح قاتلة: وفي آخر ما يفعله قبل الموت، يشير باصبعه الوسطى نكاية في المخلوقات الفضائية. وإذ غابت الاشارة، يجفل الناس وهم يجدون الغرباء وسطهم.
هناك عدد من الملامح التي يجب الانتباه لها هنا. أولها هو الصلة المباشرة بين هذا الموضوع الهوليودي الكلاسيكي: "غزو مختطفي الاجساد" (مخلوقات فضائية تعيش بيننا، غير مرئية، وتدير حياتنا)، وبين العدوات الطبقية والسيطرة الايديولوجية والاستغلال. ولا يمكنك سوى أن تتأثر بهذا الخداع العملي لحياة العمال البائسة في مدن الأكواخ.

الحقيقة اليومية
بعد ذلك، هناك بالطبع هذه المعالجة السينمائية، الساذجة بشكل جميل، للايديولوجيا: فعبر النظارات الناقدة للايديولوجيا، نرى بشكل مباشر أكوام المعارف عبر"شفرة السادة" فنتعلم أن نلاحظ الديكتاتورية في الديمقراطية. وهناك بالطبع مظهر ساذج في هذا التصور، الذي يذكرنا بواقعة غير معروفة لكثيرين، وهي عندما شجعت قيادة الحزب الشيوعي الامريكي في الستينيات بشكل جدي فكرة تقول انه يتم التحكم في الشعب الامريكي عبر عقاقير تبث سرا في الهواء وفي صنابير المياه، وذلك للتغطية على فشلها في تعبئة العمال.
لكننا لا نحتاج المخلوقات الفضائية ولا العقاقير السرية ولا النظارات، فبنية الايديولوجيا تقوم بالمهمة دونها. فبسبب هذه البنية، يصور المشهد المشار اليه بالفعل حقائق حياتنا اليومية. انظر الى الصفحة الاولى من جريدتك اليومية: في كل عنوان، حتى ولو تظاهر انه فقط يعطيك المعلومة والخبر، يوجد توجيه ضمني. فعندما يطلب منك ان تختار بين الديمقراطية الليبرالية والاصولية، ليست القضية فقط ان إحدى الفكرتين مفضلة على الأخرى. الاهم هو التوجيه الضمني الحقيقي بان ترى في الاثنتين البدائل الحقيقية الوحيدة المتاحة، وان تتجاهل أي اختيار ثالث.
يقبل الماركسيون هذا المظهر من الصراع لصالح الديكتاتورية. فهم يكشفونه ويمارسونه. لماذا؟ تعالوا نعود للفيلم: بمجرد أن تضع النظارات وترى الامور عبرها، لا تعود تحددك. يعني ذلك انه قبل ان ترى الحقيقة عبر النظارات، كنت تراها أيضا لكنك لم تكن واعيا بها.
في الفيلم، عندما يحاول نادا اقناع ارميتاج بوضع النظارات، فإن الاخير يقاوم. والقتال الذي يعقب ذلك عنيف وطويل (قتال يليق بفيلم نادي القتال Fight Club وهو رائعة أخرى لليسار الهوليودي). يبدأ القتال عندما يقول نادا لارميتاج :”انا اعطيك الاختيار بين ارتداء هذه النظارات وبين البدء في أكل هذه القمامة" (يحدث العراك وسط صناديق قمامة مقلوبة). ويبدو العراك، الذي يستمر لعشر دقائق غير محتملة، يتخللها لحظات من تبادل النظرات الودية الباسمة، غير عقلانيا بالمرة في حد ذاته. لماذا لا يقبل ارميتاج بارتداء النظارات، فقط لارضاء صديقه؟ التفسير الوحيد هو انه يعرف ان صديقه يريده ان يرى شيئا خطرا، وأن يحصل على معرفة محظورة ستفسد تماما السلام النسبي في حياته اليومية. العنف الذي يتم تصويره هنا هو عنف إيجابي، وشرط للتحرر. والدرس هو ان تحررنا من الايديولوجيا ليس عملا عفويا او تلقائيا وانما عمل نكتشف به حقيقة أنفسنا.
نتعلم من الفيلم أنه حينما ننظر طويلا عبر النظارات الناقدة للايديولوجيا، فإن المرء يصاب بصداع قوي. من المؤلم للغاية أن يتم حرمانك من الاستمتاع بالوهم الايديولوجي. عنما نرى مشهدا للاطفال الجوعى في افريقيا، مصحوبا بدعوة لفعل شيء لمساعدتهم، فإن الرسالة التي تفضحها النظارات هي شيء على شاكلة: “لا تفكر، ولا تسيس، انس الاسباب الحقيقية للفقر، فقط تحرك وتبرع بالمال، لكي لا تعود مضطرا للتفكير". لكي نرى حقيقة الاشياء، نحن نحتاج النظارات. ليس الامر انه يجب علينا ارتداء النظارات الايديولوجية المضادة لنرى الحقيقة مباشرة كما هي. فنحن أنفسنا أيديولوجيا"بشكل طبيعي"، ونظرتنا بالعين المجردة ايديولوجية.
يعود بنا هذا للأساس المناسب للايديولوجيا. فعندما نقرأ موقفا ايديولوجيا مجردا نحن واعون تماما ان تجربة "الناس الحقيقيين" مختلفة. ومن أجل المرور من الافتراضات المجردة إلى "حياة الناس الحقيقية"، على المرء أن يضيف لهذه الافتراضات المجردة الكثافة صعبة المنال لسياق العالم المعاش.
خذ الايديولوجيا العسكرية كمثال. فهي تصبح معاشة فقط في مواجهة خلفية القواعد والطقوس القذرة غير المكتوبة التي ترسخ نفسها بها (الاناشيد خلال الطوابير، والشتائم، والتلميحات الجنسية). ولهذا السبب، لو أن هناك تجربة ايديولوجية في أنقى الصور -عند مستوي الصفر- فهي في تلك اللحظة التي نتبنى فيها هذا الموقف الحكيم الساخر المتنائي ونضحك من تلك الحماقات التي نحن مستعدون لتصديقها. في هذه اللحظة من الضحك المحرر، عندما نتطلع بانظارنا من أعلي لسخافة معتقداتنا، نحن تابعون بشكل كامل لايديولوجيا جديدة، تمارس تحكمها الكامل فينا. وهذا هو السبب في أنه مثلا لو اراد احدنا ان يرى أيديولوجية اليوم وهي تعمل، فإن عليه فقط ان يشاهد بعض تقارير مايكل بالين السياحية على البي بي سي: فهذا الموقف الضمني المنبني علي خلق مسافة "خيرة" ساخرة من العادات المختلفة، بالاستمتاع بملاحظة الطبائع المحلية الغريبة بينما تتم فلترة كل المعلومات الجارحة، هو تمثيل للعنصرية المابعد حداثية في أنقى صورها.
إذاً أين الايديولوجيا؟ عندما نتعامل مع مشكلة، هي بلا شك مشكلة حقيقية، فإن التوصيف/الادراك الايديولوجي يقدم تعميته غير المرئية. على سبيل المثال، فإن التسامح مشكلة حقيقية. وعندما اعارض التسامح، أجد دائما من يسألني: لكن كيف يمكن ان تكون مع عدم التسامح تجاه الاجانب، او في صف واحد مع المعادين للنسوية والمثلية الجنسية؟ وفي هذا تكمن الفكرة: طبعا أنا لست ضد التسامح، لكن ما انا ضده هو النظر للعنصرية على انها مشكلة تسامح. لماذا ينظر الى العديد من المشكلات اليوم على انها مشكلات تسامح عوضا عن انها مشكلات عدم مساواة واستغلال وغياب للعدل؟ ولماذا الحل المقترح هو التسامح وليس التحرر والنضال السياسي، وحتى الكفاح المسلح؟
إن سبب عملية اضفاء هذا الطابع الثقافي (ثقفنة الموضوع) هو انسحاب او فشل الحلول السياسية المباشرة. و"الايديولوجيا"، بهذا المعنى المحدد، هي تصور، وإن كان يصف مشكلة حقيقية، فهو يخفي الخط الفاصل الحاسم.

سلافوي جيجيك* هو فيلسوف وناقد سلوفيني ماركسي، ولد عام ١٩٤٩، وله اسهامات في النظرية السياسية ونظرية الفيلم ونظرية التحليل النفسي.

الأحد، 1 نوفمبر 2009

الأزمة الاقتصادية العالمية والعالم العربي..نهاية نموذج



وائل جمال

"الاقتصادي هو الخبير الذي سيعرف غدا لماذا لم تتحقق اليوم توقعاته بالأمس"، د.لورانس جي بيتر مبتدع هرم بيتر الوظيفي وخبير التعليم الأمريكي البارز

كطبيعة الحال في كل الأزمات الكبرى في تاريخ الرأسمالية اقترنت الأزمة التي يمر بها النظام الاقتصادي العالمي حاليا بتلك الحالة الكلاسيكية من الإنكار والتهوين من شأن التقلصات التي تشهدها الأسواق، مرحلة بمرحلة، إلى أن يتدهور الوضع لدرجة تجبر الجميع على الاعتراف به. ففي الأزمة الحالية، التي ظهرت علاماتها الأولى في منتصف ٢٠٠٧، انتقل التقدير السائد في أوساط المراقبين والمحللين والأكاديميين على حد سواء من اعتبارها مجرد فقاعة عقارية مرتبطة بتطورات السوق الأمريكية، إلى النظر إليها كأزمة مالية، ثم أزمة مالية عالمية، وأخيرا بدأ البعض يعتبرها الأزمة الأخطر التي تواجه الرأسمالية كنظام منذالكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
ولم تكن التوقعات والتحليلات الخاصة بالعالم العربي في علاقته بما يحدث في الولايات المتحدة، ثم العالم، استثناءا من هذا الوضع. فبالرغم من أن أزمة الرهن العقاري الثانوي أصبحت واقعا ملموسا علي الساحة بحلول منتصف العام 2007 ، إلا أن النظرية التي ظلت سائدة من حينها إلى لحظة انهيار بنك "ليمان برازرز" في سبتمبر الماضي كانت نظرية "عدم الارتباط" Decoupling.
قامت هذه النظرية على افتراض أنه، وإن وصل اندماج ما يسمى بالأسواق الناشئة )لتمييزها عن الأسواق المتقدمة في أوربا واسيا والولايات المتحدة( إلى ذروته في السنوات الأخيرة، إلا أنها ستتبع مسارا مختلفا بسبب طبيعتها وقلة المخاطر المتعلقة بأزمة العقارات فيها، وأخيرا، وليس الأقل أهمية، بسبب أنها قد تكون قبلة آمنة للمستثمرين الهاربين من مخاطر وتذبذبات الأسواق المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة. وفي قلب أزمة الرهن العقاري البازغة، وبناءا على هذه النظرية، كان بنك الاستثمار بلتون، ثاني اكبر بنوك الاستثمار العربية ومركزه مصر، يفتتح فرعا في نيويورك لاجتذاب هؤلاء المستثمرين الفارين من جحيم الأزمة في الولايات المتحدة.
لكن نظرية عدم الارتباط لم تعمل. واتضح ذلك بما لا يدع مجالا للشك بعد إشهار إفلاس "ليمان برازرز"، والذي تبعه بيع المؤسسات المالية الكبيرة الأخرى. كاشفا القلق من أن تؤدي أزمة الائتمان إلي خروج المستثمرين من أسواق الأوراق المالية لينتج عن ذلك انهيار كبير علي مستوي العالم. ومع أزمة الائتمان ظهرت مخاوف كثيرة من تباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو ما أكده مؤخرا صندوق النقد الدولي عندما خفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بنسبة 0.8 في المائة ليصل إلي 2.2 في المائة للعام 2009 ، انخفاض أسعار خام النفط الحاد منذ أن بلغت أقصي ارتفاع لها في شهر يوليو من العام 2008 وكذلك عمليات البيع المفزعة من جانب المستثمرين، التي امتدت لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، حيث فقدت 373 مليار دولار أمريكي منذ بداية شهر أكتوبر للعام 2008. وأصبح واضحا أن نظرية عدم الارتباط لا تعمل، وأن الأسواق الناشئة بما فيها مصر والخليج لن تكون بمنجى من الإعصار.

تفسير الأزمة والعالم العربي
في واحدة من أحدث مقالاته في جريدة النيويورك التايمز الأمريكية يقول الاقتصادي الأمريكي البارز، بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام، ان كثيرين كانوا يرون العاصفة قادمة في طيات فقاعة العقارات التي شهدها الاقتصاد الأمريكي منذ ما بعد تراجع الأسواق في ٢٠٠١، لكن من الصعب دائما، والجميع في ذروة نشوة تحقيق الأرباح ان يسمع الناس لمفسدي الحفل أي لأصحاب التنبؤات السيئة.
ربما يكون هذا، وهو وضع كان مشابها لما قبل أزمة الثلاثينيات أيضا، سببا في تبني التيارات السائدة في أوساط الأعمال والاكاديميا، بل والأوساط الحكومية، لتفسيرات تقلل من عمق واتساع نطاق الخلل في اداء النظام الرأسمالي العالمي، وفي حركة أسواقه، وهو ما أدى بطريقة او بأخرى إلى تضييق فرص الحركة وتأخير السياسات المضادة، وبالتالي المساهمة في مفاقمة الأضرار.
في البداية كان التركيز بالأساس في تفسير الأزمة هو على تطورات سوق الإقراض العقاري في الولايات المتحدة. ويقوم هذا التفسير على مزيج بين عامل محايد يرصد التطورات في هذا القطاع وكأنها كانت قدرية غير مقصودة، وبين عامل شخصي يفسر هذه التطورات على أساس أنها نتاج جشع رؤساء المؤسسات المالية الكبرى. ولفهم ذلك ربما ينبغي العودة بشكل مختصر لما حدث في سوق الرهن العقاري واستتباعات ذلك في أسواق المال.
فعلى مدى العقدين الماضيين شهدت الرأسمالية العالمية تطورات عميقة فيما يتعلق بدور الاقتصاد المالي فيها. ومع سيطرة ما يسمى بسياسات "توافق واشنطن" الداعية للتحرير الكامل للأسواق وانسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، في العالم برمته، زاد دور الاقتصاد المالي وحجمه من الاستثمارات العالمية. وهكذا كانت البورصة مركزا للانتعاش الطويل في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خالقة درجة غير مسبوقة بين الارتباط بين اقتصادات العالم جميعا بعد أن نزعت الحكومات لإقراض الولايات المتحدة عبر الاستثمار في أوراقها المالية الحكومية. لكن في أعقاب انهيار ما يسمى بفقاعة "الدوت كوم" في ٢٠٠١، والذي أنهى سنوات من الانتعاش الاقتصادي في الأسواق وقتل ما كان يسمى بمنظومة الاقتصاد الجديد الخالي من الأزمات الذي كانت تروج له إدارة كلينتون وقتها، تحولت الاستثمارات المالية إلى مجال آخر رأت فيه مصدرا للأرباح. فمع تراجع أسعار الفائدة لتحفيز الاستثمار، شرعت ملايين العائلات الأمريكية في شراء العقارات، من خلال قروض الرهن العقاري، مما زاد بشكل جنوني من أسعار العقارات في السوق الأمريكي(بنسبة تصل إلى ٢٠٠٪ خلال الفترة من ٢٠٠١ إلى ٢٠٠٦، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة جاذبية هذا القطاع للاستثمارات المالية من قبل البنوك. وكان مركز قروض الرهن العقاري، هو البنوك المتخصصة في هذا المجال، مثل العملاقين الأمريكيين "فريدي ماك" و"فاني ماي"، أكبر شركتين في هذا المجال على مستوى العالم.
وبحثا عن الأرباح وباستخدام ما يسمى بالتوريق وهو عملية يتم من خلالها تحويل الدين الى اوراق مالية يتم تداولها كالأسهم، تطورت أسواق خاصة لتداول أوراق الرهن العقاري، شملت البنوك والشركات المالية، ليس في السوق الأمريكية وحدها بل على مستوى العالم، واكتظت خزائن هذه البنوك والشركات بتلك الأوراق الممثلة للرهون العقارية، وهو ما أدى إلى خلق فقاعة عقارية بعد ان ابتعدت القيمة الورقية للعقارات عن القيمة الحقيقية لتلك العقارات، وقيمة الأوراق الممثلة للرهون العقارية، أخذت أيضًا تتباعد عن القدرة الحقيقية للمقترضين الأصليين على تسديد الأقساط وفوائدها. وسرعان ما اصطدم "الافتراض" بـ"الواقع"، فتوقف عدد من المقترضين عن سداد الأقساط بعد ان سقطت اللحمة التي كانت تربط هذا كله جميعا، وهي فكرة أن أسعار العقارات في الولايات المتحدة لن تتوقف عن الصعود، وبعد ارتفاع أسعار الفائدة مضيفة يوما بعد يوم المزيد من المتعثرين من فقراء الأمريكيين الذين صاروا غير قادرين على سداد أقساط منازلهم.
ومن ثم بدأت البنوك العقارية في الحجز على العقارات، وطرد سكانها، مما تسبب في حالة من الذعر في القطاع المالي بأكمله، فلم يعد أحد يعرف بالضبط، ما هي نسبة القروض"السيئة"، التي لن يتم سداد قيمتها، ولا درجة انتشار تلك الأوراق، التي تم تداولها في القطاع المصرفي بوجه عام.
بدأ الانهيار الحقيقي مع إفلاس بنك"بير ستيرنز" العريق، والذي اتضح أنه كان غارقا في تلك الأوراق "السيئة" في صيف ٢٠٠٧. ومع انتشار حالة الذعر بدأت أسعار العقارات في انخفاض سريع. وأصبح الكثير من المقترضين مدينين للبنوك بأكثر من قيمة العقارات التي يدفعون أقساطها، مما زاد من تعقيد الأزمة.وبلغت الأزمة ذروتها في مطلع شهر سبتمبر2008، حينما أوشك العملاقان"فريدي ماك" و"فاني ماي"، على الانهيار، وتدخلت الحكومة الأمريكية لتأميم الشركتين على الفور، رغم ثلاثين عاما من الدعاية الإيديولوجية عن حرية السوق"، وضرورة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد.
وفي منتصف سبتمبر أفلس بنك "ليمان برازرز" العريق، الذي يرجع تاريخ تأسيسه إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن الحكومة لم تتدخل لإنقاذ البنك، معبرة عن حالة من التذبذب وعدم وضوح الرؤية، والتي سرعان ما انعكست في مزيد من الذعر في الأسواق، وشهدت بورصة نيويورك، وغيرها من البورصات العالمية موجات متتابعة من الانهيار.وانتقلت الأزمة سريعا من النظام المالي الأمريكي إلى النظام المالي العالمي لتشمل البنوك والشركات التمويلية والبورصات في أوروبا وآسيا، وكافة المراكز الرأسمالية الكبرى. فمن جانب ، وبسبب سياسات العولمة وتحرير الأسواق، انتقل الكثير من تلك الأوراق "المسمومة" من البنوك الأمريكية إلى البنوك الأوروبية والآسيوية، وأخذت البنوك، الواحد تلو الآخر، في إشهار إفلاسها، وتحركت الحكومات بدورها، الواحدة تلو الأخرى، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بتأميم البنوك أو شراء الأسهم، وضخ المليارات في سوق المال، ولكن ظل الذعر مسيطرًا على الأسواق، وأصاب الشلل النظام البنكي سواء في أمريكا، أو في المراكز المالية الأخرى، ولعل أهم مؤشر على ذلك هو امتناع البنوك الاستثمارية عن إقراض بعضها البعض، فلا أحد يعرف من سيُفلس قبل الآخر، وما مدى امتلاء خزانة كل منهم بتلك الأوراق الرديئة.
أول وأكثر تفسيرات ما حدث شيوعا ركز على الجانب التقني فيما حدث. سواء من زاوية أخطاء البنوك التي تجاوزت استثماراتها في هذه الأوراق النسب السليمة، أو على نقص التشريع المنظم للنظام المالي في ظل جشع قيادات الشركات التي ارتبطت دخولها القياسية بالأرباح السريعة التي تحققت من خلال العملية. لكن كل هذه التفسيرات، خاصة جشع رجال المال، لم تقدم أبدا تفسيرا عقلانيا للسبب وراء هذه الموجة من الأصل.
هذا النوع من التفسيرات لا يتحدى المقولات الاقتصادية السائدة، وعادة ما يرى حل أزمات كبرى في تعديل إجرائي أو تشريعي بسيط لا يتناقض مع القواعد العامة السائدة قبل وأثناء حدوث الأزمة. وربما لهذا السبب فشلت تلك التفسيرات في الهام الحكومات ومشرعي الأسواق بحلول مؤثرة.
الطائفة الثانية من التفسيرات، والتي بدأ صوتها يعلو مؤخرا، تبدأ من ممثلي ما سمي ب "ما بعد توافق واشنطن"، الذي ينتمي إليه أمثال كروجمان وجوزيف ستيجليتز، النائب السابق لرئيس البنك الدولي. وترى هذه الطائفة أن أصل المشكلة أعمق ويقع في الاقتصاد الحقيقي وان ما يحدث في الاقتصاد المالي هو تجل لمعضلات التراكم الرأسمالي الحقيقي في خطوط الإنتاج الصناعية، وتناقص معدلات الارباح الذي حاولت الرأسمالية حله عبر الأرباح الورقية في تجارة الأوراق المالية.
خلاصة هذه التفسيرات هو ان ما يحدث في الاسواق المالية هو اشارة على أزمة في سياسات العولمة القائمة على توافق واشنطن، أزمة ستتحدى بشكل مباشر النموذج الاقتصادي للسوق الحرة. ومع المؤشرات المتتابعة حول انتقال الازمة للاقتصاد الحقيقي والعلامات المتتالية على بوادر انكماش في الاقتصادات الاوربية بقيادة المانيا وبريطانيا، وفي الولايات المتحدة، صارت الكفة تميل ناحية الطائفة الثانية من التفسيرات.

الاثار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة
مع نظرية عدم الارتباط، وسيطرة النوع الاول، التقني، من تفسيرات الازمة، بدا الاستنتاج القائل بان العالم العربي محصن وبعيد عن الازمة منطقيا. لكن مع انتقال التقلص الاقتصادي العالمي من مرحلة لمرحلة، بدأت تتكشف التأثيرات السلبية، واحدة تلو الاخرى، كاشفة هشاشة فكرة عدم الارتباط.
جاءت أولى الإشارات من البورصات. فقد فقدت أسواق الأوراق المالية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي نسبة بلغت 47.5 في المائة منذ بداية العام لتنخفض القيمة السوقية بمقدار 538 مليار دولار أمريكي، بينما شهدت انخفاضا بمقدار 373 مليار دولار أمريكي منذ بداية شهر أكتوبر من العام 2008. وقد شهدت الأسواق الكبيرة في المنطقة القدر الأكبر من الانخفاض، حيث ألقي تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وانخفاض أسعار خام النفط والأزمة المالية السائدة بظلاله علي الأسواق. وقد فقد السوق السعودي، وهو أكبر أسواق المنطقة، 254 مليار دولار أمريكي من قيمته السوقية منذ بداية العام، وذلك برغم أن الأجانب غير مصرح لهم بالتداول فيه، بينما فقد سوقا الإمارات والكويت 141 و 101 مليار دولار أمريكي من قيمتهما السوقية منذ بداية العام على التوالي.
وفي دولة كمصر، والتي يعدها محللون إلى جانب دبي السوق الأكثر ارتباطا بالسوق العالمي بسبب نسب تداول الأجانب في بورصتها، كانت أوجاع البورصة أكثر إيلاما. فبعد أن سجل مؤشرها الرئيسي مستوى قياسيا في الخامس من مايو ٢٠٠٨، سجل تراجعا تجاوز ٧٠٪ من قيمته بنهاية نوفمبر، بفعل خروج مكثف للأجانب من السوق.
بعد البورصات، تصاعدت المخاوف بخصوص الاستثمارات المصرفية العربية في البنوك العالمية. وتقدر إحدى الدراسات قيمة هذه الاستثمارات بما بين ١.٨ إلى ٢ تريليون دولار، ستون في المائة منها بالدولار الأمريكي.وبالرغم من أن عددا محدودا من البنوك العربية، خاصة في الخليج، أعلنت عن حجم تعرضها للازمة، ومساحات تضررها، إلا أن الأرقام القليلة المعلنة تكشف حجم المشكلة. إذ قال بنك أبو ظبي التجاري وحده إن حجم خسائر محفظته يتجاوز ٢٧٢ مليون دولار، وانه قاضى مؤسسة مورجان ستانلي المالية العالمية بسبب ما وصفه بأنه توصيات استثمارية غير سليمة.وتصل الأرقام المعلنة في بنوك الخليج فيما يخص خسائر المحافظ المالية المماثلة إلى ٢.٧ مليار دولار. لكن الرقم الحقيقي قد يكون اكبر من ذلك بكثير بالوضع في الاعتبار حجم الاستثمارات العربية عموما في الخارج، خاصة في الولايات المتحدة وأوربا.
أما الأثر المباشر الثاني الأكثر عمقا فهو ما يتعلق بالصناديق السيادية العربية، وعلى رأسها صندوق هيئة استثمار أبو ظبي أكبر صندوق حكومي في العالم، والتي قدرت قيمة محافظها الاستثمارية في نهاية ٢٠٠٧ ب ١.٢٥ تريليون دولار. ويحسب بنك سامبا السعودي قيمة الخسائر المتوقعة للصناديق السيادية العربية السبعة الأكبر في عام ٢٠٠٨ بحوالي ١٩٠ مليار دولار، يرى البنك أنها ستلغي تقريبا الزيادة في عوائد النفط بفعل ارتفاع أسعاره خلال العام، والمقدرة ب ١٩٨ مليار دولار. وبينما يرى البعض ان هذه الصناديق، التي تستثمر ٤٠٪ من محافظها في الأسهم، لديها مرونة أكثر من البنوك في مواجهة الأزمة، بل ويرى أن أمامها فرصة لاقتناص فرص استثمارية رخيصة في الخارج مع تراجع أسعار الأصول، وهو الأمر الذي يراهن عليه الغرب لإنقاذ أسواقه، الا ان حجم الخسائر يظل كبيرا، ومخاطر المزيد من الدخول في استثمارات في الأسواق المتقدمة تظل عالية مهما تراجعت أسعار الأصول لمستويات مغرية.
ويعد النفط وتراجع أسعاره بفعل الكساد العالمي وتناقص الطلب عليه عنصرا أساسيا سلبيا سواء في القدرة الاستثمارية هذه الصناديق أو فيما يخص ميزانيات الدول العربية النفطية، خاصة في ظل مشاريع البنية الأساسية العملاقة التي أطلقت بالفعل والتي صار تمويلها صعبا للغاية بسبب أزمة الاعتماد العالمية وارتفاع تكلفة الاقتراض، وهو ما يهدد بعضها بالتوقف.
حيث هبطت أسعار النفط بنسبة 66.1 في المائة عن أعلى مستوى لها على الإطلاق والبالغ 140.7 دولارا للبرميل في يوليو 2008. وقد خلق ذلك بالتالي تهديدات رئيسية للدول المُصِّدرة للنفط أي البلدان الأعضاء بمنظمة الأوبك ودول مجلس التعاون الخليجي حيث تعتمد معظم إيراداتها على صادرات النفط الخام.
ولن يتوقف أثر تراجع فوائض النفط الخليجية على الخليج بل سيمتد ايضا للدول غير النفطية كمصر والدول العربية في الشمال الافريقي، بسبب انها كانت تعتمد بشكل كبير على اجتذاب هذه الفوائض في صورة استثمارات مباشرة في اقتصاداتها.
وبناءا على هذه الصورة، توقعت وحدة الاستخبارات التابعة لمجلة "الايكونوميست" البريطانية ان يتراجع معدل النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في ٢٠٠٩-٢٠١٠ خاصة في مصر وشمال أفريقيا. وتقول "الايكونوميست" إن درجة الارتباط الاعلى لهذه الدول بأوربا سوف تعمق من تضررها في ظل التراجع المتوقع في الاستثمارات الأجنبية المباشرة والسياح القادمين من القارة العجوز.
وبينما يستحيل التنبؤ بالاتجاه الذي ستتحرك فيه الأسواق في المرحلة القادمة، فإن كثيرين يرون ان الاسوأ ربما لم يأت بعد وهو ما قد يعني تعميق خسائر المنطقة ومفاقمة الأضرار التي ستتعرض لها.

سقوط نموذج
"يبدو أنني كنت مخطئا"، تلخص هذه الجملة التي قالها المحافظ السابق لمجلس الاحتياط الفدرالي الامريكي آلان جرينسبان في شهادته أمام الكونجرس الأمريكي في أكتوبر الماضي الموقف برمته. جرينسبان أكد على صدمته وصدمة زملاء له شاركوه الاعتقاد على مدى أربعين عاما بأن الأسواق تصحح نفسها تلقائيا قائلا إن هناك خللا في نظام السوق.
وبالنسبة لمذهب اقتصادي متطرف في تقديره لديناميكية السوق وضرورة انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي كتوافق واشنطن، فإن التدخل المكثف للدولة، بطول وعرض الكرة الأرضية لدعم الشركات، وتحفيز الاقتصاد، هو ضربة قاتلة دفعت مجلة النيوزويك الأمريكية لإعلان وفاة هذا النموذج على غلافها.
وفي العالم العربي، بدأت بوادر تدخل الدولة تظهر في الأسابيع الماضية بتخفيض أسعار الفائدة وحزم الإنقاذ، وخطط الاستثمار في البنية الأساسية لتحفيز الطلب. لكن وبينما تثير تداعيات سقوط هذا النموذج جدلا هائلا في الولايات المتحدة، وفي أوربا، حول البدائل وحول تكلفة التحول التي يتحملها أصحاب الوظائف ودافعو الضرائب، صارت صياغة البدائل، في العالم، وفي العالم العربي، أكثر فأكثر، مهمة لا يصح ولا ينبغي أن ينفرد بها أحد.


وفقا لتقرير الاستثمار العالمي جلوبال، القيمة السوقية لمجلس التعاون الخليجي، الكويت، نوفمبر ٢٠٠٨
انظر مزيدا من التفاصيل حول تطور الاقتصاد المالي في اقتصاد توافق واشنطن في David Harey, A brief history of Neoliberalism, London,Oxford University Press,2005
انظر Robert Wade, Financial regime change, New Left Review, September-October 2008
‏ Robert Shiller, The subprime solution, How taoday's global financial crisis happened and what to do about it, New Jersey, Princeton University Press,2008
‏ Graham Turner, The credit crunch, Housing bubbles, globalisation and the worldwide economic crisis,London, Pluto Press, 2008
الارقام وفقا لتقرير جلوبال حول القيمة السوقية لمجلس التعاون الخليجي، مرجع سبق ذكره
‏ Eckart Woertz, Impact of the US financial crisis on GCC countries, Gulf Research Center, October 2008
صحيفة الوول ستريت جورنال، ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٨
‏ Economist Intelligence Unit viewsWire, Middle East Economy:EIU November assumptions,23 October 2008

نشرت في عدد شتاء ٢٠٠٨ من مجلة شئون عربية التابعة لجامعة الدول العربية



الجمعة، 16 أكتوبر 2009

الاقتصاد السياسي لإعادة هيكلة الدعم


مايو 2006

يشتبك السياسي والاقتصادي في صلب سياسات ما تسميه الحكومة "إعادة هيكلة الدعم". وائل جمال يكشف طبيعة هذه السياسات الطبقية الشرسة في معاداتها للفقراء في إطار الحدود التي يرسمها الميزان السياسي والاجتماعي والطبقي في مصر.

بدأت الحكومة المصرية تحركاتها لتنفيذ ما أطلقت عليه "خطة شاملة لخفض الدعم المخصص لرغيف الخبز دون المساس بسعره" وذلك في إطار ترتيبات إعادة هيكلة الدعم. وتعتمد الخطة علي خفض كميات الدقيق المدعم المخصص لصناعة الخبز في المحافظات عن طريق خفض الحصص المسلمة للمخابز. وهكذا بدأت حكومة نظيف في تفعيل واحد من اهم محاور برنامجها الاقتصادي، وربما يكون أشرسها ضد الفقراء. والحقيقة أنه على العكس من كل الطنطنة التي تقدمها البرجوازية وصحافتها حول فاتورة الدعم المتزايدة والتي تشكل أكبر عبء على موازنة الدولة، فإن قيمة الدعم الحقيقية تتراجع في السنوات الأخيرة وفقا لجميع المؤشرات. إلا أن ما تطلق عليه الحكومة "إعادة هيكلة الدعم" سيشكل خطوة نوعية بكل المعايير في برنامج الإصلاح النيوليبرالي المنحاز للأغنياء ورجال الأعمال.

أساطير حكومية حول الدعم

تقوم الترسانة الإيديولوجية للبرجوازية المصرية وجناح الصقور فيها الذي تولى زمام السياسة الاقتصادية منذ مجيء حكومة نظيف للسلطة على عدد من الأفكار المكذوبة والملفقة التي تبرر بها خططها تلك.

1. الدعم يزيد

تؤكد الحكومة أن واحدة من المشاكل الرئيسية التي تشكل عبئا على عجز موازنتها السنوي وعلى الدين العام المحلي الذي وصل لمستويات قياسية هو اضطرارها لزيادة الدعم كجزء من التزامها الذي لا يلين بمحدودي الدخل!! لكن هذه كذبة هائلة. فجميع المؤشرات تجمع على أن قيمة الدعم الحقيقية تتراجع وبشكل مستمر حتى قبل مجيء نظيف للسلطة. والدليل على هذا التراجع الدرامي في عدد المصريين المستفيدين من الدعم، تراجع السلع المدعومة عددا وقيمة، تقليص عدد البطاقات التموينية،..الخ. أما الزيادات المتواصلة التي تسجلها الصحف القومية ومنشورات دعاية الحزب الوطني (التي تنشر في صورة مقالات لكبار الصحفيين في هذه الصحف) في حجم الدعم فهي تعود إلى تغير طريقة حسابه. فجزء يصل لمئات الملايين من الجنيهات لا يتعلق بالفقراء من الأصل، حيث يقدم في صورة دعم للصادرات وأموال تندرج في إنفاق الدولة على الخدمات العامة، بل إن خسائر المرافق العامة (التي قد تعود لفساد إدارتها وانعدام كفاءتها، وهي ظاهرة مباركية أصيلة) يحسب على أنه دعم للفقراء. هذا إلى جانب أنه بمجرد انتقال نبي الليبرالية الجديدة في مصر، يوسف بطرس غالي، إلى وزارة المالية، أضاف إلى الميزانية في سابقة جديدة ما يسمى بالدعم المستتر وهو ما يمكن أن يمثل الأكذوبة الثانية.

2. الأسعار العالمية

تقوم فكرة الدعم المستتر على فكرة مفادها أن هناك فارقا في سعر منتجات كالمنتجات البترولية بين السوق المحلي والعالمي. وأنه بما أن الدولة لا تعوم السعر ليصل إلى السعر العالمي فإن ذلك يشكل دعما منها لمن يستهلكون السولار والغاز الطبيعي والبنزين (وفقا لتصريحات وزير التضامن الاجتماعي في حوار لجريدة المصري اليوم، وفي ظل ارتفاع أسعار البترول في السوق العالمي، يصل هذا الدعم في موازنة 2005-2006 إلى 42 مليار جنيه بينما هو في أغلب التقديرات لايتجاوز 22 مليار). وهذه أكذوبة اقتصادية على أعلى مستوى. فمن ناحية لا يفترض أن تشتمل الميزانية –حساب الموارد والمصروفات- على منطق افتراضي، والمقارنة بما كان ينبغي أن يكون. ومن ناحية أخرى، فإن فكرة الأسعار العالمية ليست حقيقة نهائية تعبر عن قوى السوق فهي تصطدم مثلا بتأثير الاحتكارات على الأسعار، هذا إلى جانب تفاوت تكاليف الإنتاج من بلد لآخر ناهيك عن مدى توافر ثروة كالنفط الذي يؤثر على الأسعار المحلية للمنتجات. أيضا فإن مساواة الأسعار المحلية بالأسعار العالمية إن صحت كاستراتيجية نظرية فهي تقترن أيضا بضرورة مساواة الأجور المحلية بالأجور العالمية. الأنكى من هذا هو فاتورة دعم الطاقة الموجه للقطاع الخاص، ورجال الأعمال المحتكرين ارتفعت أضعافا مضاعفة، دون أن ترمش عيون الحكومة التي تدعم أحمد عز ومحمد أبو العينين والشركات العملاقة الأجنبية التي اشترت مصانع الأسمنت والأسمدة المصرية سنويا. إذ تقدم لهم الغاز الطبيعي بسعر زهيد يكلفها سنويا دعما يصل إلى 9 مليار جنيه. وليست هناك خطط حقيقية لتقليص هذا الدعم الذي كاد تهور وزير البترول الحالي حينما أشار إليه مرة أن يطيح به من منصبه. وترتبط بهذه الأكذوبة أكذوبة أن دعم الطاقة يشوه الأسعار، وهو ما يخل بآليات السوق، ويؤدي لاضطراب السياسة الاقتصادية. وإيمان الدولة ولو حتى ظاهريا بهذه الأكذوبة ضعيف، فهي لم تتخذ أي خطوة جدية، ولن تتخذ مثل هذه الخطوة لأسباب واضحة، تجاه احتكارات الحديد والأسمنت واستيراد الورق والسكر وغيرها والتي ترفع الأسعار مغذيةً جيوب المحتكرين بالمليارات. وكان ذلك هو الأولى بها لو أنها مهمومة حقا بتشوه الأسعار!!

3. إيصال الدعم للفقراء

تصل حكومة نظيف إلى درجة من الوقاحة لا مثيل لها وهي تدافع عن أن السبب وراء إعادة هيكلة الدعم هو أنه بصورته الحالية لا يصل للفقراء بل يتسرب أساسا للأغنياء بالذات فيما يتعلق بدعم الطاقة. وفي فضح هذه النقطة يمكن الإشارة إلى مصدر لا يمكن تصنيفه على أنه معاد لحكومة نظيف هو ورقة بحثية ل د. أمنية حلمي صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية (يضم في عضوية مجلس إدارته جمال مبارك ونخبة من رجال أعمال لجنة السياسات) تقول فيها إنها على الرغم من إتسامها "بانخفاض الكفاء الاقتصادية" إلا أنها "تحقق فوائد عديدة، منها تخفيض الفقر، وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية للمواطنين لحمايتهم من سوء التغذية، وتحقيق الاستقرار السياسي. فقد ساهم دعم أسعار السلع والخدمات الأساسية لصالح 12.6 مليون أسرة (في لحظة من تاريخه) في تخفيض نسبة الفقراء. كما ساعد دعم الخبز البلدي على إبقاء نحو 730 ألف نسمة فوق خط الفقر. ووفر دعم السلع الغذائية الأساسية حوالي 40% من احتياجات محدودي الدخل من السعرات الحرارية.

ووفقا لدراسة أخرى عن المجالس القومية المتخصصة، فإن الدعم غير المباشر الذي يقوم علي توفير سلع وخدمات بالسوق بأسعار تقل عن سعرها العالمي مثل منتجات البترول المستخرجة محلياً والتي بلغت ٢٢ مليار جنيه أي 45.5% من الدعم الكلي في الميزانية لا يحتل فيه البنزين (الذي تقول الحكومة إنه الهدف الرئيسي من التغيير على أساس أن المستفيد منه هو الأغنياء الذين يمتلكون سيارات) إلا نسبة ٢% من الدعم الموجه للمنتجات البترولية، مما يعني أن رفع أسعاره لن يؤدي إلي وفر يذكر من الإجمالي عن المواد الأخري، مثل الغاز 18.5% والسولار 12.5% والبوتاجاز ١٠%.

ما الذي تنتوي الحكومة فعله؟

وتكشف لنا نظرة سريعة على خطط الحكومة حقيقة الأمر. وفي البداية يجب الإشارة إلى حجم التعتيم الذي تمارسه الدولة على خططها في هذا الإطار. ويصل الأمر إلى حد أنه بالنسبة للكهربا على سبيل المثال، هناك خطة تنفذ خفية منذ أكتوبر 2004 لرفع أسعار الكهرباء بثمانية في المائة في 2004 ثم خمسة في المائة سنويا لمدة خمس سنوات وهو ما ينهي دعم الكهرباء تماما في 2007. وهناك مطالبات برفع النسب هذه. بينما من المخطط في حال استمرار هذه النسب أن تستمر الارتفاعات لسنتين آخرتين على الأقل لكي تحيد أثر رفع الدعم المتوقع على المنتجات البترولية وهي التي تقدم مدعومة لتوليد الكهرباء. هذه الخطة لم تقدم لمجلس الشعب، ولم يتم الإعلان عنها كجزء من برنامج الحكومة لكنها ُتنفذ. ويمكن أن نتوقع ترتيبات مشابهة في الخدمات الأخرى كالمياه والنقل، تشكل أجزاءا من الإطار الأعم لتقليص، بل وإنهاء دعم الفقراء تماما.

وتشير المعلومات المتسربة من بعض الدراسات المحدودة بنطاق مؤسسات بحثية قريبة من دوائر صنع القرار الاقتصادي في الجناح النيوليبرالي من البرجوازية المصرية كالمركز المصري للدراسات الاقتصادية ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار وبعض المؤسسات الدولية إلى أن الطبقة الحاكمة في مصركانت تبحث اختيارا من اثنين.

الأول هو تعديل سياسات الدعم الحالية. ويعني ذلك إعادة تحديد المتلقين للدعم وبالذات دعم الغذاء إلى جانب إعادة تسعير المنتجات البترولية وتغيير تركيبة السلع المدعومة وتحديث نظام التسجيل في بطاقات التموين لاستبعاد المستفيدين عن غير وجه حق. أما الاختيار الثاني وهو ما تميل الحكومة لتنفيذه فعلا في هذه اللحظة، فهو التحول إلى نظام للدعم النقدي. وسيقوم النظام الجديد على التعويض النقدي لمحدودي الدخل. وتقول الحكومة إنه سيعتبر تعويضا عادلا لمحدودي الدخل عن أضرار ارتفاع الأسعار المتوقع. وأنه سيخفض الأعباء المالية على الحكومة ويرشد الاستهلاك. وسيتم تحديد المستحقين للدعم النقدي غالبا عبر فاتورة استهلاك الكهرباء.

والأكيد هو أن هذا النظام الجديد سيقلص بشدة مما سينفق على الدعم بالذات دعم الغذاء، وسيؤدي إلى رفع هائل للأسعار. ويكفي أن نشير إلى تحذير للبنك الدولي من أن نسبة كبيرة من سكان مصر تعيش فوق حافة الفقر وبالتالي فإن أي ارتفاع طفيف في أسعار المنتجات الغذائية (تحتل 80% من إنفاق الأسر الفقيرة وحوالي نصف متوسط إنفاق الفرد الاستهلاكي في مصر. وهو ما يعني دفع الملايين إلى صفوف الفقراء. وإذا أضفنا تأثيرات رفع أسعار الخدمات الرئيسية كالتعليم والنقل والصحة والمياه والكهرباء، وفوق كل شيء أسعار البترول والغاز التي سترفع معها أسعار كل شيء تقريبا، نستطيع إدراك حجم الكارثة.

الدعم والسياسة

فذكرى 18 و 19 يناير 1977 لا تزال ماثلة في الأذهان. لذلك فإن الحكومة تسعى إلى البحث في الطريقة المثلى لرفع الدعم، وفي نفس الوقت، تجنب رد الفعل الشعبي العنيف على هذا الإجراء. وهكذا تلجأ إلى الإجراءات غير المعلنة تارة، وإلى تسريب بعض الأخبار هنا وهناك، في شكل بالونة اختبار،على مدى ثلاث إلى خمس سنوات، تلوكها الناس حتى تمل، وذلك حتى تهيء الأرضية قبل أن تخطو خطوتها. وهو ما فعلته حتى الآن بالنسبة للدعم. لكن بالرغم من نفاذ عزم الحكومة على المضي في خططها فإن شبح 1977 يبقى ماثلا. وهكذا مازال هناك صراع تقديرات مثلا فيما يخص تطبيق سياسة الدعم النقدي بشكل تدريجي أم بشكل فوري.

هذا بينما تحذر الدراسة الصادرة عن المجالس القومية المتخصصة (يرأسها كمال الشاذلي، ممثل الحرس القديم في الحزب الوطني، وهو الجناح الذي يلعب على فكرة أن خطط الجناح الآخر مفجرة سياسيا واجتماعيا) من أن "أن الانتفاضات الشعبية للشارع المصري في العقود الأربعة الأخيرة، كان أهم دوافعها رفع الدعم عن أسعار بعض الأغذية الأساسية. وعلى ذلك فوفرة الخبز البلدي وسعره وجودته باعتباره أهم مفرد في سلة الغذاء للفرد المصري تمثل حداً أدني لمعايير رضاء المجتمع المصري عن حكومته". وبدرجة ما نستطيع أن نرى إدراك الدولة لحساسية رغيف الخبز حيث لن يكون إلغاء دعمه بنفس السرعة التي ستنفذ بالنسبة للبنود الأخرى. لكن نستطيع أن نرى أيضا إصرارها على تقليص الإنفاق عليه بتقليص عدد المخابز الذي تقدمه وبالتالي سيحتفظ بسعره غير أن الفقراء لن يجدونه.

وتفصل دراسة ثالثة صادرة عن مركز دعم القرار بمجلس الوزراء أساليب التعامل المقترحة لامتصاص الغضب الشعبي جراء إلغاء البطاقات عبر "الاهتمام بإبراز فوائد نظام الدعم النقدي إعلاميا، والتدرج في التطبيق عن طريق تحويل جزء من الدعم العيني لدعم نقدي وقياس مدى تقبل الخطوة". غير أنه من غير المحتمل أن تثني هذه التحديات مجموعة الصقور النيوليبراليين الذين يرغبون في حل أزمة عجز الموازنة على حساب الفتات الذي يقدم للفقراء عن التحرك السريع في تنفيذ مخططهم. ويمكن في إطار ذلك أن نرى إمكانات أعلى لتفجر الغضب الشعبي والطبقي خاصة في ظل الفوران الذي تشهده مصر على كل الجبهات.


الخميس، 15 أكتوبر 2009

توشكي: نموذج لسياسة مبارك الاقتصادية


مايو 2006

عاد مشروع توشكي لبؤرة الضوء مرة أخرى بعد أن توارى في الظل لفترة، بعد تعثره البالغ في السنوات الأخيرة. وائل جمال يستدعي تجربة عشر سنوات منذ البدء فيه، ويحاول تفسير عودة النقاش حول مشروع يمثل فشله فشل كل العناصر الرئيسية في سياسة مبارك الاقتصادية.

رحلات منتظمة للصحفيين والإعلاميين والسياسيين لزيارة مشروع توشكي على الأرض. أخبار تتسرب للصحف حول إعادة المشروع للحياة كنتاج لجهود حكومة نظيف، بعد نجاح واحد من رجال لجنة السياسات، رئيس الشركة القابضة التي تتبعها شركة جنوب الوادي هادي فهمي، والذي يرأسه مباشرة محمود محيي الدين في استصلاح سبعة آلاف فدان هناك. وفي المقابل، استجوابات في مجلس الشعب تطالب بكشف حساب عن المليارات التي أنفقت هناك. وهكذا يعود الجدل حول واحد من أهم جوانب السياسة الاقتصادية في سنوات حكم مبارك الخمسة وعشرين إثارة للجدل.

كان هذا المشروع قد ظهر فجأة بعد زيارة لمبارك لمنطقة النوبة لافتتاح مفيض توشكي في مطلع عام 1996. ورافقته حملة هائلة عما أطلق عليه في الصحافة الرسمية المشروعات القومية الكبرى في عهد "النهضة المباركية" (ترافق معه مشروعات حديد أسوان، وشرق التفريعة، وترعة السلام، وشرق العوينات). ووعدت الحملة بخلق وادي أخضر جديد للنيل، وتخفيف الكثافة السكانية في الوادي القديم بتعمير جنوب مصر، وحل مشكلة البطالة، ودفع إنتاج مصر الزراعي، وتفعيل استخدامها لثروتها المائية. هذا بالطبع إلى جانب اقتحام الأسواق العالمية بصادراتنا الزراعية! بالتأكيد مآل هذه الأهداف واضح بالنسبة لنا جميعاً، لكن قصة هذا المشروع جديرة بالنظر كتجسيد للطريقة التي تدير بها البرجوازية بزعامة مبارك سياساتها الاقتصادية وموارد مصر على مدى العقود الماضية.

المشروع

مشروع استصلاح الأراضي في توشكي، التي تقع على بعد 220 كيلومتراً جنوب غرب أسوان على الجانب الغربي من بحيرة ناصر، وعلى مسافة سبعين كيلومتراً من الحدود السودانية، هو فكرة قديمة طرحت في الستينيات في إطار رفع كفاءة استخدام موارد مصر المائية. لكن الفكرة لم تتجاوز الورق الذي كتبت عليه وقتها بسبب شك الحكومة في جدواه. ثم عاد المشروع مرة أخرى في مطلع الثمانينيات في إطار دراسات لزيادة الرقعة المأهولة بالسكان في مصر من خمسة في المائة إلى خمسة وعشرين في المائة وزيادة الأراضي الزراعية من 8 مليون فدان إلى 11,4 مليون بحلول عام 2017. وفي القلب من هذه الأفكار جاء مشروع تنمية جنوب الوادي. وكان هدف المشروع هو استصلاح مليون فدان في مناطق توشكي وشرق العوينات والوادي الجديد بتكلفة 300 مليار جنيه مصري على مدى عشرين عاماً، تتحمل الحكومة مابين عشرين إلى خمسة وعشرين في المائة منها بينما يتحمل القطاع الخاص الباقي.

وبعد زيارة مبارك لافتتاح مفيض توشكي في 1996 في أعقاب واحد من أكبر الفيضانات التي شهدتها مصر في العقود الأخيرة، أعلن عن أن الجزء الخاص بتوشكي من المشروع على أجندة الحكومة وبدأ العمل فيه فعلياً في يناير 1997. ويهدف الجانب الخاص بتوشكي داخل مشروع تنمية جنوب الوادي إلى استصلاح وزراعة 550 ألف فدان وريها بمياه تسحب مباشرة من بحيرة ناصر عبر قناة تشق في صخور النوبة وتبطن بالأسمنت عند أدنى مناطق البحيرة منسوباً لضمان إمداد المنطقة بالمياه في كل الأحوال. ثم ترفع المياه بعد ذلك لارتفاع خمسين متراً لكي تصل لمنسوب الأرض عند توشكى منحدرة بعد ذلك لمناطق الاستصلاح. وقدرت كمية المياه اللازمة لري هذه الأراضي بحوالي 5 مليارات متر مكعب ترفع عبر محطة ضخ هي من أكبر محطات الضخ في العالم.

وتم تقسيم الأرض إلى أربعة مناطق تتراوح كل منها بين 100 ألف و155 ألف فدان، تقع اثنتان منها شمال القناة واثنتان جنوبها. وكانت الخطة أن تقوم الحكومة بمد القنوات وضخ المياه وتوصيلها لمناطق الاستصلاح وإقامة البنية الأساسية ومد الطرق وإقامة المطارات وتوصيل الكهرباء. بينما طرحت الدولة الفدان بسعر رمزي بعد كل ذلك يصل إلى خمسين جنيها للفدان (أربعة في الألف من تكلفة الفدان). وكانت الخطة أيضاً أن تبلغ جملة استثمارات الحكومة في إقامة هذه البنية الأساسية حوالي 6.2 مليار جنيه. وبعد الانتهاء من إنشاء البنية الأساسية في 2002 ـ كما كانت الخطة تقول ـ كان من المزمع استصلاح مائة ألف فدان سنوياً لمدة ثلاث سنوات ثم عشرين ألف فدان سنوياً لينتهي المشروع تماماً بحلول 2017. وبحلول ذلك الوقت يكون عدد سكان المنطقة قد بلغ 2 مليون شخص.

الواقع

على مدى السنوات الماضية، وعلى العكس من الطبول التي صاحبت بدايته، توارى المشروع إلى الظل. وتجنبت الصحافة الرسمية حتى الإشارة إليه عدا في المرات القليلة التي زار فيها مبارك الموقع. والحقيقة أن المشروع لم يتحرك كثيراً على مدى ما يقرب من نصف المدة المقررة لإنهائه. فبرغم قيام الحكومة بإنفاق ما يقرب من 17 مليار جنيه مصري على البنية الأساسية (التقديرات الرسمية تتجاوز الخمسة مليارات بقليل لكن جميع الخبراء الاقتصاديين يرفضون الرقم)، فإن ما تم استصلاحه حتى هذه اللحظة لا يتجاوز سبعة آلاف وخمسمائة فدان من بين ثلاثمائة ألف كان مخططاً لها. أغلب هذه الأراضي قامت باستصلاحها شركة جنوب الوادي في العامين الماضيين في الوقت الذي لا تتجاوز فيه مساحة الأراضي التي تمت زراعتها في المساحة الوحيدة التي تم تخصيصها لمستثمر خاص هو الوليد بن طلال ستمائة فدان حتى الآن. وبالمقارنة بـ 2 مليون شخص كان من المفترض أن ينتقلوا للحياة في توشكي عبر توفير 700 ألف فرصة عمل جديدة ، هناك 15 ألف شخص يعيشون هناك الآن، أغلبهم عمالة مؤقتة بينما مازالت مدينة توشكي الجديدة حبراً على ورق. ومازالت جهود الحكومة في إقناع مستثمرين خاصين برغم كل التسهيلات تواجه حائطاً سداً. وهكذا فإن أكثر من مائتي ألف فدان لم يتم تخصيصهما للآن. وتتوقف طموحات هادي فهمي وشركته عند الزراعة بالوكالة للشركات في مقابل تسليم المحصول المزروع لها (على سبيل المثال، زراعة الشعير لحساب شركة الأهرام للمشروبات). وذلك شريطة نجاح شركة جنوب الوادي في إضافة 30 ألف فدان أخرى للأراضي المزروعة بحلول يناير 2007.

والحقيقة أن خبراء وعلماء مهمين على رأسهم شيخ الجيولوجيين د. رشدي سعيد قد توقعوا إلى حد بعيد ماحدث في توشكي منذ البداية. فمن ناحية كان هناك تساؤل حول صحة توجيه عشر دخل مصر المائي للمشروع مع الوضع في الاعتبار أن فيضان 1996 كان استثنائياً وأن مصر تعاني بالفعل من نقص متزايد في مواردها المائية. هذا بالإضافة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة الهائل في المنطقة (تصل إلى خمسين درجة مئوية) يرفع معدلات البخر بطريقة هائلة وهو الأمر الذي يجعل الهدر كارثيا، ويوقف عملياً الزراعة لمدة ثلاثة أشهر من السنة. أيضاً قدر رشدي سعيد منذ البداية أن عدد فرص العمل التي سيخلقها المشروع لن تتجاوز الثلاثين ألف فرصة عمل خاصة مع ضرورة اعتماد منطق الزراعة الرأسمالية الواسعة لكي تكون الزراعة اقتصادية (وهو ما يتناقض مع فكرة انتقال الشباب للعيش هناك وامتلاك أرضهم الخاصة واستصلاحها التي لعبت عليها الدعاية للمشروع في بدايته).

وقارن سعيد ومنتقدو المشروع بينه وبين الفرصة الاقتصادية البديلة التي كانت لتنتج عن إنفاق جزء من الأموال الباهظة التي أنفقت عليه مثلا لتحديث شبكة الري المتقادمة بطول وعرض الجمهورية في وقت تحتاج فيه مصر، التي يقطنها 72 مليون نسمة، يعيشون على 8.3 مليون فدان من الأرض الزراعية في وادي النيل والدلتا، بشدة لتوسعة الأراضي الزراعية. خاصة أن هذه الأموال الباهظة التي أنفقت على توشكي وغيرها من مشروعات مبارك القومية الأخرى، انتهى أغلبها بعد قضايا فساد عنيفة إلى أزمة سيولة خانقة في الاقتصاد المصري. أما عن قضية إمداد مصر بحاجتها الاستراتيجية من القمح، وهي فكرة كانت محوراً للدعاية أيضاً فقد صارت محل شك بالغ بالذات مع اتجاه الحكومة الجديدة للتركيز على محاصيل أخرى أكثر ربحية، بالذات التي يمكن تصديرها للخارج.

نموذج لسياسات مبارك الاقتصادية

سوء التخطيط وإهدار الموارد والفساد والانحياز ضد مصالح الفقراء والاستغلال السياسي. كل هذه سمات أساسية للسياسات الاقتصادية التي اتبعها نظام مبارك على مدى ربع قرن. ومشروع توشكي بحكم الموارد الهائلة التي وجهت له هو نموذج واضح لكل هذه السمات. فالمشروع لم يقم على دراسة ذات قيمة علمية للبدائل المختلفة للتعامل مع ازمة التكدس السكاني في الشريط الضيق في الوادي. وهو بالتأكيد قام على إهدار مالي ومائي هائل لموارد مصر الاقتصادية.

أما عن الفساد وغياب الشفافية، فحدث ولا حرج. وتكفي هنا الإشارة إلى عملية تخصيص مايزيد على مائة ألف فدان للملياردير السعودي الوليد بن طلال بسعر يصل إلى خمسة ملايين جنيه (هناك بعض الشقق في القاهرة يتجاوز سعرها هذا الرقم). ليس هذا فقط، بل إن عقود التخصيص لم تضع أية شروط لا زمنية ولا من حيث النشاط الاقتصادي على الوليد، الذي يتمتع بعلاقة خاصة مع مبارك شخصياً ومع نظامه. (قارن ذلك بعقود الاستصلاح اليتيمة التي تعطى للشباب، وتشترط استصلاح الأرض في مدد زمنية محددة وإلا تسحب منهم الأراضي. هذا بالإضافة إلى انعدام كامل للشفافية فيما يخص المشروع. فحتى الآن ليس هناك تقديرات رسمية واضحة عما تم إنفاقه. وليس هناك تقديرات واضحة للجدوى الاقتصادية للمشروع.

ويقوم المشروع بوضوح على إنحياز لمنطق الرأسمالية الكبيرة في الزراعة. وهي بالتالي تقدم دعما بالمليارات من خلال البنية الأساسية لتضمن تحقيقها لأرباح ـ بغض النظر عن أنه حتى ذلك لم يجذب الرأسمالية الكبيرة للمكان. وفي الوقت نفسه تسحب الحكومة دعم الفقراء وتقلص إنفاقها الحقيقي على الخدمات العامة.

ونظرة سريعة على أوضاع العاملين القليلين الموجودين في توشكي تبين أي ظروف يعملون بها. وبرغم أن الأجور المعلنة تصل لستمائة وثمانمائة جنيه شهرياً إلا أن الحياة هناك صعبة للغاية. وتقول جريدة الوفد في تحقيق لها إن "العاملين المساكين الذين تصوروا أنهم وجدوا فرصة عمل جيدة في مشروع دائم، دخلوا في معارك مع وزارة الموارد المائية والري للحصول علي مستحقاتهم. ولأن اصحاب الحقوق أصبحوا بالآلاف فقد تم رفع مئات الدعاوي القضائية ضد الوزارة من هؤلاء العاملين، حصل بعضهم علي أحكام قضائية، تعطيهم الحق في الحصول علي مستحقاتهم. وبعض الدعاوي الأخرى مازالت متداولة أمام القضاء وقد نفذت الحكومة بعض هذه الاحكام ومازالت تقوم بتدبير مستحقات البعض الآخر!!"

توشكي والسياسة الآن

منذ اللحظة الأولى للتفكير فيه، كان مشروع توشكي محملاً بالسياسة ومخصصاً لخدمة السياسة. فقد طرح المشروع في إطار خلق مساحة تعبئة وراء النظام على أساس التزامه بمشروعات كبرى. ولا يمكن الفصل بين عودة توشكي للصورة مرة أخرى وبين الوضع السياسي الآني في مصر. فمن ناحية تحاول حكومة نظيف إثبات أنها قادرة من خلال مشروعها النيوليبرالي الفج على تحقيق ما فشلت فيه أجنحة البرجوازية الأخرى على مدى السنوات الماضية. ومن ناحية أخرى، فإن المناخ السياسي السائد في مصر والذي يضع تحت التقييم والنظر سنوات حكم مبارك برمتها سمح بوضع المشروع مرة أخرى تحت دائرة الضوء كأحد أكبر عمليات إهدار موارد مصر في تاريخها المعاصر. والأكيد هو أن توشكي وما حدث فيها يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أنه لامجال لطموحات المصريين العمرانية أو الاقتصادية الكبرى في منظومة ماكينتها الرئيسية أرباح رجال الأعمال وليس مصلحة الأغلبية الكاسحة من الكادحين.