الخميس، 26 نوفمبر 2009

عبر نظارات مظلمة


سلافوي جيجيك*، المنظر في القضايا الثقافية، يقدم تحليلا مثيرا للتفكير حول الكيفية التي ترسخ بها الايديولوجيا نفسها عبر تشكيل الطريقة التي نستجيب بها لظروف حياتنا اليومية. عن مجلة "سوشياليست ريفيو" البريطانية
عدد نوفمبر ٢٠٠٩


ترجمة: وائل جمال

فيلم "يعيشون- They Live "، الذي أخرجه جون كاربنتر عام ١٩٨٨، وهو واحد من الروائع المهملة لليسار الهوليودي، درس حقيقي في نقد الايديولوجيا. يحكي الفيلم قصة العامل الشريد "نادا"، وهي كلمة بالاسبانية تعني لاشيء، الذي يحصل على وظيفة في البناء في ولاية لوس آنجلس الامريكية. ويأخذ أحد العمال الآخرين، واسمه فرانك آرميتاج، نادا إلى ضاحية محلية فقيرة لقضاء الليلة. وبملاحظة بعض النشاط "المريب" في كنيسة قريبة، فإنه يقرر تقصي الامر. وبينما هو يفتش في الكنيسة يجد عدة صناديق مليئة بالنظارات الشمسية في مخبأ سري بأحد الحوائط. وعندما يجرب إحداها، يلاحظ نادا أن إحدى لوحات الاعلانات صارت تعرض كلمة "أطع"، بينما تحث أخرى من يراها على أن "يتزوج وينجب". كما أنه يرى أيضا أن النقود الورقية التي معه صارت تحمل الكلمات :”هذا هو ربك". وسرعان ما يكتشف أن العديد من الناس حوله هم في الحقيقة مخلوقات فضائية غريبة. وعندما يدرك هؤلاء أنه يمكنه رؤيتهم على حقيقتهم، يصل البوليس بشكل مفاجيء.
يهرب نادا عائدا إلى موقع البناء ليخبر ارميتاج بما اكتشفه لكنه لا يهتم بالامر في البداية. ويتجادل الاثنان بينما يحاول نادا اقناع ارميتاج واجباره على ارتداء النظارات. وعندما يفعل، ينضم لنادا، ثم يتصلان بمجموعة لتنظيم المقاومة في الكنيسة. وفي اجتماع المجموعة، يتعلمان ان وسيلة التحكم الأولية لدى المخلوقات الفضائية هي إشارة يتم ارسالها على التليفزيون، وهو ما يجعل الناس غير قادرين على كشف حقيقتهم.
وفي المعركة الاخيرة، وبعد تحطيم هوائي البث، يصاب نادا بجروح قاتلة: وفي آخر ما يفعله قبل الموت، يشير باصبعه الوسطى نكاية في المخلوقات الفضائية. وإذ غابت الاشارة، يجفل الناس وهم يجدون الغرباء وسطهم.
هناك عدد من الملامح التي يجب الانتباه لها هنا. أولها هو الصلة المباشرة بين هذا الموضوع الهوليودي الكلاسيكي: "غزو مختطفي الاجساد" (مخلوقات فضائية تعيش بيننا، غير مرئية، وتدير حياتنا)، وبين العدوات الطبقية والسيطرة الايديولوجية والاستغلال. ولا يمكنك سوى أن تتأثر بهذا الخداع العملي لحياة العمال البائسة في مدن الأكواخ.

الحقيقة اليومية
بعد ذلك، هناك بالطبع هذه المعالجة السينمائية، الساذجة بشكل جميل، للايديولوجيا: فعبر النظارات الناقدة للايديولوجيا، نرى بشكل مباشر أكوام المعارف عبر"شفرة السادة" فنتعلم أن نلاحظ الديكتاتورية في الديمقراطية. وهناك بالطبع مظهر ساذج في هذا التصور، الذي يذكرنا بواقعة غير معروفة لكثيرين، وهي عندما شجعت قيادة الحزب الشيوعي الامريكي في الستينيات بشكل جدي فكرة تقول انه يتم التحكم في الشعب الامريكي عبر عقاقير تبث سرا في الهواء وفي صنابير المياه، وذلك للتغطية على فشلها في تعبئة العمال.
لكننا لا نحتاج المخلوقات الفضائية ولا العقاقير السرية ولا النظارات، فبنية الايديولوجيا تقوم بالمهمة دونها. فبسبب هذه البنية، يصور المشهد المشار اليه بالفعل حقائق حياتنا اليومية. انظر الى الصفحة الاولى من جريدتك اليومية: في كل عنوان، حتى ولو تظاهر انه فقط يعطيك المعلومة والخبر، يوجد توجيه ضمني. فعندما يطلب منك ان تختار بين الديمقراطية الليبرالية والاصولية، ليست القضية فقط ان إحدى الفكرتين مفضلة على الأخرى. الاهم هو التوجيه الضمني الحقيقي بان ترى في الاثنتين البدائل الحقيقية الوحيدة المتاحة، وان تتجاهل أي اختيار ثالث.
يقبل الماركسيون هذا المظهر من الصراع لصالح الديكتاتورية. فهم يكشفونه ويمارسونه. لماذا؟ تعالوا نعود للفيلم: بمجرد أن تضع النظارات وترى الامور عبرها، لا تعود تحددك. يعني ذلك انه قبل ان ترى الحقيقة عبر النظارات، كنت تراها أيضا لكنك لم تكن واعيا بها.
في الفيلم، عندما يحاول نادا اقناع ارميتاج بوضع النظارات، فإن الاخير يقاوم. والقتال الذي يعقب ذلك عنيف وطويل (قتال يليق بفيلم نادي القتال Fight Club وهو رائعة أخرى لليسار الهوليودي). يبدأ القتال عندما يقول نادا لارميتاج :”انا اعطيك الاختيار بين ارتداء هذه النظارات وبين البدء في أكل هذه القمامة" (يحدث العراك وسط صناديق قمامة مقلوبة). ويبدو العراك، الذي يستمر لعشر دقائق غير محتملة، يتخللها لحظات من تبادل النظرات الودية الباسمة، غير عقلانيا بالمرة في حد ذاته. لماذا لا يقبل ارميتاج بارتداء النظارات، فقط لارضاء صديقه؟ التفسير الوحيد هو انه يعرف ان صديقه يريده ان يرى شيئا خطرا، وأن يحصل على معرفة محظورة ستفسد تماما السلام النسبي في حياته اليومية. العنف الذي يتم تصويره هنا هو عنف إيجابي، وشرط للتحرر. والدرس هو ان تحررنا من الايديولوجيا ليس عملا عفويا او تلقائيا وانما عمل نكتشف به حقيقة أنفسنا.
نتعلم من الفيلم أنه حينما ننظر طويلا عبر النظارات الناقدة للايديولوجيا، فإن المرء يصاب بصداع قوي. من المؤلم للغاية أن يتم حرمانك من الاستمتاع بالوهم الايديولوجي. عنما نرى مشهدا للاطفال الجوعى في افريقيا، مصحوبا بدعوة لفعل شيء لمساعدتهم، فإن الرسالة التي تفضحها النظارات هي شيء على شاكلة: “لا تفكر، ولا تسيس، انس الاسباب الحقيقية للفقر، فقط تحرك وتبرع بالمال، لكي لا تعود مضطرا للتفكير". لكي نرى حقيقة الاشياء، نحن نحتاج النظارات. ليس الامر انه يجب علينا ارتداء النظارات الايديولوجية المضادة لنرى الحقيقة مباشرة كما هي. فنحن أنفسنا أيديولوجيا"بشكل طبيعي"، ونظرتنا بالعين المجردة ايديولوجية.
يعود بنا هذا للأساس المناسب للايديولوجيا. فعندما نقرأ موقفا ايديولوجيا مجردا نحن واعون تماما ان تجربة "الناس الحقيقيين" مختلفة. ومن أجل المرور من الافتراضات المجردة إلى "حياة الناس الحقيقية"، على المرء أن يضيف لهذه الافتراضات المجردة الكثافة صعبة المنال لسياق العالم المعاش.
خذ الايديولوجيا العسكرية كمثال. فهي تصبح معاشة فقط في مواجهة خلفية القواعد والطقوس القذرة غير المكتوبة التي ترسخ نفسها بها (الاناشيد خلال الطوابير، والشتائم، والتلميحات الجنسية). ولهذا السبب، لو أن هناك تجربة ايديولوجية في أنقى الصور -عند مستوي الصفر- فهي في تلك اللحظة التي نتبنى فيها هذا الموقف الحكيم الساخر المتنائي ونضحك من تلك الحماقات التي نحن مستعدون لتصديقها. في هذه اللحظة من الضحك المحرر، عندما نتطلع بانظارنا من أعلي لسخافة معتقداتنا، نحن تابعون بشكل كامل لايديولوجيا جديدة، تمارس تحكمها الكامل فينا. وهذا هو السبب في أنه مثلا لو اراد احدنا ان يرى أيديولوجية اليوم وهي تعمل، فإن عليه فقط ان يشاهد بعض تقارير مايكل بالين السياحية على البي بي سي: فهذا الموقف الضمني المنبني علي خلق مسافة "خيرة" ساخرة من العادات المختلفة، بالاستمتاع بملاحظة الطبائع المحلية الغريبة بينما تتم فلترة كل المعلومات الجارحة، هو تمثيل للعنصرية المابعد حداثية في أنقى صورها.
إذاً أين الايديولوجيا؟ عندما نتعامل مع مشكلة، هي بلا شك مشكلة حقيقية، فإن التوصيف/الادراك الايديولوجي يقدم تعميته غير المرئية. على سبيل المثال، فإن التسامح مشكلة حقيقية. وعندما اعارض التسامح، أجد دائما من يسألني: لكن كيف يمكن ان تكون مع عدم التسامح تجاه الاجانب، او في صف واحد مع المعادين للنسوية والمثلية الجنسية؟ وفي هذا تكمن الفكرة: طبعا أنا لست ضد التسامح، لكن ما انا ضده هو النظر للعنصرية على انها مشكلة تسامح. لماذا ينظر الى العديد من المشكلات اليوم على انها مشكلات تسامح عوضا عن انها مشكلات عدم مساواة واستغلال وغياب للعدل؟ ولماذا الحل المقترح هو التسامح وليس التحرر والنضال السياسي، وحتى الكفاح المسلح؟
إن سبب عملية اضفاء هذا الطابع الثقافي (ثقفنة الموضوع) هو انسحاب او فشل الحلول السياسية المباشرة. و"الايديولوجيا"، بهذا المعنى المحدد، هي تصور، وإن كان يصف مشكلة حقيقية، فهو يخفي الخط الفاصل الحاسم.

سلافوي جيجيك* هو فيلسوف وناقد سلوفيني ماركسي، ولد عام ١٩٤٩، وله اسهامات في النظرية السياسية ونظرية الفيلم ونظرية التحليل النفسي.

الأحد، 1 نوفمبر 2009

الأزمة الاقتصادية العالمية والعالم العربي..نهاية نموذج



وائل جمال

"الاقتصادي هو الخبير الذي سيعرف غدا لماذا لم تتحقق اليوم توقعاته بالأمس"، د.لورانس جي بيتر مبتدع هرم بيتر الوظيفي وخبير التعليم الأمريكي البارز

كطبيعة الحال في كل الأزمات الكبرى في تاريخ الرأسمالية اقترنت الأزمة التي يمر بها النظام الاقتصادي العالمي حاليا بتلك الحالة الكلاسيكية من الإنكار والتهوين من شأن التقلصات التي تشهدها الأسواق، مرحلة بمرحلة، إلى أن يتدهور الوضع لدرجة تجبر الجميع على الاعتراف به. ففي الأزمة الحالية، التي ظهرت علاماتها الأولى في منتصف ٢٠٠٧، انتقل التقدير السائد في أوساط المراقبين والمحللين والأكاديميين على حد سواء من اعتبارها مجرد فقاعة عقارية مرتبطة بتطورات السوق الأمريكية، إلى النظر إليها كأزمة مالية، ثم أزمة مالية عالمية، وأخيرا بدأ البعض يعتبرها الأزمة الأخطر التي تواجه الرأسمالية كنظام منذالكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
ولم تكن التوقعات والتحليلات الخاصة بالعالم العربي في علاقته بما يحدث في الولايات المتحدة، ثم العالم، استثناءا من هذا الوضع. فبالرغم من أن أزمة الرهن العقاري الثانوي أصبحت واقعا ملموسا علي الساحة بحلول منتصف العام 2007 ، إلا أن النظرية التي ظلت سائدة من حينها إلى لحظة انهيار بنك "ليمان برازرز" في سبتمبر الماضي كانت نظرية "عدم الارتباط" Decoupling.
قامت هذه النظرية على افتراض أنه، وإن وصل اندماج ما يسمى بالأسواق الناشئة )لتمييزها عن الأسواق المتقدمة في أوربا واسيا والولايات المتحدة( إلى ذروته في السنوات الأخيرة، إلا أنها ستتبع مسارا مختلفا بسبب طبيعتها وقلة المخاطر المتعلقة بأزمة العقارات فيها، وأخيرا، وليس الأقل أهمية، بسبب أنها قد تكون قبلة آمنة للمستثمرين الهاربين من مخاطر وتذبذبات الأسواق المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة. وفي قلب أزمة الرهن العقاري البازغة، وبناءا على هذه النظرية، كان بنك الاستثمار بلتون، ثاني اكبر بنوك الاستثمار العربية ومركزه مصر، يفتتح فرعا في نيويورك لاجتذاب هؤلاء المستثمرين الفارين من جحيم الأزمة في الولايات المتحدة.
لكن نظرية عدم الارتباط لم تعمل. واتضح ذلك بما لا يدع مجالا للشك بعد إشهار إفلاس "ليمان برازرز"، والذي تبعه بيع المؤسسات المالية الكبيرة الأخرى. كاشفا القلق من أن تؤدي أزمة الائتمان إلي خروج المستثمرين من أسواق الأوراق المالية لينتج عن ذلك انهيار كبير علي مستوي العالم. ومع أزمة الائتمان ظهرت مخاوف كثيرة من تباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو ما أكده مؤخرا صندوق النقد الدولي عندما خفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بنسبة 0.8 في المائة ليصل إلي 2.2 في المائة للعام 2009 ، انخفاض أسعار خام النفط الحاد منذ أن بلغت أقصي ارتفاع لها في شهر يوليو من العام 2008 وكذلك عمليات البيع المفزعة من جانب المستثمرين، التي امتدت لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، حيث فقدت 373 مليار دولار أمريكي منذ بداية شهر أكتوبر للعام 2008. وأصبح واضحا أن نظرية عدم الارتباط لا تعمل، وأن الأسواق الناشئة بما فيها مصر والخليج لن تكون بمنجى من الإعصار.

تفسير الأزمة والعالم العربي
في واحدة من أحدث مقالاته في جريدة النيويورك التايمز الأمريكية يقول الاقتصادي الأمريكي البارز، بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام، ان كثيرين كانوا يرون العاصفة قادمة في طيات فقاعة العقارات التي شهدها الاقتصاد الأمريكي منذ ما بعد تراجع الأسواق في ٢٠٠١، لكن من الصعب دائما، والجميع في ذروة نشوة تحقيق الأرباح ان يسمع الناس لمفسدي الحفل أي لأصحاب التنبؤات السيئة.
ربما يكون هذا، وهو وضع كان مشابها لما قبل أزمة الثلاثينيات أيضا، سببا في تبني التيارات السائدة في أوساط الأعمال والاكاديميا، بل والأوساط الحكومية، لتفسيرات تقلل من عمق واتساع نطاق الخلل في اداء النظام الرأسمالي العالمي، وفي حركة أسواقه، وهو ما أدى بطريقة او بأخرى إلى تضييق فرص الحركة وتأخير السياسات المضادة، وبالتالي المساهمة في مفاقمة الأضرار.
في البداية كان التركيز بالأساس في تفسير الأزمة هو على تطورات سوق الإقراض العقاري في الولايات المتحدة. ويقوم هذا التفسير على مزيج بين عامل محايد يرصد التطورات في هذا القطاع وكأنها كانت قدرية غير مقصودة، وبين عامل شخصي يفسر هذه التطورات على أساس أنها نتاج جشع رؤساء المؤسسات المالية الكبرى. ولفهم ذلك ربما ينبغي العودة بشكل مختصر لما حدث في سوق الرهن العقاري واستتباعات ذلك في أسواق المال.
فعلى مدى العقدين الماضيين شهدت الرأسمالية العالمية تطورات عميقة فيما يتعلق بدور الاقتصاد المالي فيها. ومع سيطرة ما يسمى بسياسات "توافق واشنطن" الداعية للتحرير الكامل للأسواق وانسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي، في العالم برمته، زاد دور الاقتصاد المالي وحجمه من الاستثمارات العالمية. وهكذا كانت البورصة مركزا للانتعاش الطويل في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خالقة درجة غير مسبوقة بين الارتباط بين اقتصادات العالم جميعا بعد أن نزعت الحكومات لإقراض الولايات المتحدة عبر الاستثمار في أوراقها المالية الحكومية. لكن في أعقاب انهيار ما يسمى بفقاعة "الدوت كوم" في ٢٠٠١، والذي أنهى سنوات من الانتعاش الاقتصادي في الأسواق وقتل ما كان يسمى بمنظومة الاقتصاد الجديد الخالي من الأزمات الذي كانت تروج له إدارة كلينتون وقتها، تحولت الاستثمارات المالية إلى مجال آخر رأت فيه مصدرا للأرباح. فمع تراجع أسعار الفائدة لتحفيز الاستثمار، شرعت ملايين العائلات الأمريكية في شراء العقارات، من خلال قروض الرهن العقاري، مما زاد بشكل جنوني من أسعار العقارات في السوق الأمريكي(بنسبة تصل إلى ٢٠٠٪ خلال الفترة من ٢٠٠١ إلى ٢٠٠٦، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة جاذبية هذا القطاع للاستثمارات المالية من قبل البنوك. وكان مركز قروض الرهن العقاري، هو البنوك المتخصصة في هذا المجال، مثل العملاقين الأمريكيين "فريدي ماك" و"فاني ماي"، أكبر شركتين في هذا المجال على مستوى العالم.
وبحثا عن الأرباح وباستخدام ما يسمى بالتوريق وهو عملية يتم من خلالها تحويل الدين الى اوراق مالية يتم تداولها كالأسهم، تطورت أسواق خاصة لتداول أوراق الرهن العقاري، شملت البنوك والشركات المالية، ليس في السوق الأمريكية وحدها بل على مستوى العالم، واكتظت خزائن هذه البنوك والشركات بتلك الأوراق الممثلة للرهون العقارية، وهو ما أدى إلى خلق فقاعة عقارية بعد ان ابتعدت القيمة الورقية للعقارات عن القيمة الحقيقية لتلك العقارات، وقيمة الأوراق الممثلة للرهون العقارية، أخذت أيضًا تتباعد عن القدرة الحقيقية للمقترضين الأصليين على تسديد الأقساط وفوائدها. وسرعان ما اصطدم "الافتراض" بـ"الواقع"، فتوقف عدد من المقترضين عن سداد الأقساط بعد ان سقطت اللحمة التي كانت تربط هذا كله جميعا، وهي فكرة أن أسعار العقارات في الولايات المتحدة لن تتوقف عن الصعود، وبعد ارتفاع أسعار الفائدة مضيفة يوما بعد يوم المزيد من المتعثرين من فقراء الأمريكيين الذين صاروا غير قادرين على سداد أقساط منازلهم.
ومن ثم بدأت البنوك العقارية في الحجز على العقارات، وطرد سكانها، مما تسبب في حالة من الذعر في القطاع المالي بأكمله، فلم يعد أحد يعرف بالضبط، ما هي نسبة القروض"السيئة"، التي لن يتم سداد قيمتها، ولا درجة انتشار تلك الأوراق، التي تم تداولها في القطاع المصرفي بوجه عام.
بدأ الانهيار الحقيقي مع إفلاس بنك"بير ستيرنز" العريق، والذي اتضح أنه كان غارقا في تلك الأوراق "السيئة" في صيف ٢٠٠٧. ومع انتشار حالة الذعر بدأت أسعار العقارات في انخفاض سريع. وأصبح الكثير من المقترضين مدينين للبنوك بأكثر من قيمة العقارات التي يدفعون أقساطها، مما زاد من تعقيد الأزمة.وبلغت الأزمة ذروتها في مطلع شهر سبتمبر2008، حينما أوشك العملاقان"فريدي ماك" و"فاني ماي"، على الانهيار، وتدخلت الحكومة الأمريكية لتأميم الشركتين على الفور، رغم ثلاثين عاما من الدعاية الإيديولوجية عن حرية السوق"، وضرورة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد.
وفي منتصف سبتمبر أفلس بنك "ليمان برازرز" العريق، الذي يرجع تاريخ تأسيسه إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن الحكومة لم تتدخل لإنقاذ البنك، معبرة عن حالة من التذبذب وعدم وضوح الرؤية، والتي سرعان ما انعكست في مزيد من الذعر في الأسواق، وشهدت بورصة نيويورك، وغيرها من البورصات العالمية موجات متتابعة من الانهيار.وانتقلت الأزمة سريعا من النظام المالي الأمريكي إلى النظام المالي العالمي لتشمل البنوك والشركات التمويلية والبورصات في أوروبا وآسيا، وكافة المراكز الرأسمالية الكبرى. فمن جانب ، وبسبب سياسات العولمة وتحرير الأسواق، انتقل الكثير من تلك الأوراق "المسمومة" من البنوك الأمريكية إلى البنوك الأوروبية والآسيوية، وأخذت البنوك، الواحد تلو الآخر، في إشهار إفلاسها، وتحركت الحكومات بدورها، الواحدة تلو الأخرى، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بتأميم البنوك أو شراء الأسهم، وضخ المليارات في سوق المال، ولكن ظل الذعر مسيطرًا على الأسواق، وأصاب الشلل النظام البنكي سواء في أمريكا، أو في المراكز المالية الأخرى، ولعل أهم مؤشر على ذلك هو امتناع البنوك الاستثمارية عن إقراض بعضها البعض، فلا أحد يعرف من سيُفلس قبل الآخر، وما مدى امتلاء خزانة كل منهم بتلك الأوراق الرديئة.
أول وأكثر تفسيرات ما حدث شيوعا ركز على الجانب التقني فيما حدث. سواء من زاوية أخطاء البنوك التي تجاوزت استثماراتها في هذه الأوراق النسب السليمة، أو على نقص التشريع المنظم للنظام المالي في ظل جشع قيادات الشركات التي ارتبطت دخولها القياسية بالأرباح السريعة التي تحققت من خلال العملية. لكن كل هذه التفسيرات، خاصة جشع رجال المال، لم تقدم أبدا تفسيرا عقلانيا للسبب وراء هذه الموجة من الأصل.
هذا النوع من التفسيرات لا يتحدى المقولات الاقتصادية السائدة، وعادة ما يرى حل أزمات كبرى في تعديل إجرائي أو تشريعي بسيط لا يتناقض مع القواعد العامة السائدة قبل وأثناء حدوث الأزمة. وربما لهذا السبب فشلت تلك التفسيرات في الهام الحكومات ومشرعي الأسواق بحلول مؤثرة.
الطائفة الثانية من التفسيرات، والتي بدأ صوتها يعلو مؤخرا، تبدأ من ممثلي ما سمي ب "ما بعد توافق واشنطن"، الذي ينتمي إليه أمثال كروجمان وجوزيف ستيجليتز، النائب السابق لرئيس البنك الدولي. وترى هذه الطائفة أن أصل المشكلة أعمق ويقع في الاقتصاد الحقيقي وان ما يحدث في الاقتصاد المالي هو تجل لمعضلات التراكم الرأسمالي الحقيقي في خطوط الإنتاج الصناعية، وتناقص معدلات الارباح الذي حاولت الرأسمالية حله عبر الأرباح الورقية في تجارة الأوراق المالية.
خلاصة هذه التفسيرات هو ان ما يحدث في الاسواق المالية هو اشارة على أزمة في سياسات العولمة القائمة على توافق واشنطن، أزمة ستتحدى بشكل مباشر النموذج الاقتصادي للسوق الحرة. ومع المؤشرات المتتابعة حول انتقال الازمة للاقتصاد الحقيقي والعلامات المتتالية على بوادر انكماش في الاقتصادات الاوربية بقيادة المانيا وبريطانيا، وفي الولايات المتحدة، صارت الكفة تميل ناحية الطائفة الثانية من التفسيرات.

الاثار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة
مع نظرية عدم الارتباط، وسيطرة النوع الاول، التقني، من تفسيرات الازمة، بدا الاستنتاج القائل بان العالم العربي محصن وبعيد عن الازمة منطقيا. لكن مع انتقال التقلص الاقتصادي العالمي من مرحلة لمرحلة، بدأت تتكشف التأثيرات السلبية، واحدة تلو الاخرى، كاشفة هشاشة فكرة عدم الارتباط.
جاءت أولى الإشارات من البورصات. فقد فقدت أسواق الأوراق المالية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي نسبة بلغت 47.5 في المائة منذ بداية العام لتنخفض القيمة السوقية بمقدار 538 مليار دولار أمريكي، بينما شهدت انخفاضا بمقدار 373 مليار دولار أمريكي منذ بداية شهر أكتوبر من العام 2008. وقد شهدت الأسواق الكبيرة في المنطقة القدر الأكبر من الانخفاض، حيث ألقي تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وانخفاض أسعار خام النفط والأزمة المالية السائدة بظلاله علي الأسواق. وقد فقد السوق السعودي، وهو أكبر أسواق المنطقة، 254 مليار دولار أمريكي من قيمته السوقية منذ بداية العام، وذلك برغم أن الأجانب غير مصرح لهم بالتداول فيه، بينما فقد سوقا الإمارات والكويت 141 و 101 مليار دولار أمريكي من قيمتهما السوقية منذ بداية العام على التوالي.
وفي دولة كمصر، والتي يعدها محللون إلى جانب دبي السوق الأكثر ارتباطا بالسوق العالمي بسبب نسب تداول الأجانب في بورصتها، كانت أوجاع البورصة أكثر إيلاما. فبعد أن سجل مؤشرها الرئيسي مستوى قياسيا في الخامس من مايو ٢٠٠٨، سجل تراجعا تجاوز ٧٠٪ من قيمته بنهاية نوفمبر، بفعل خروج مكثف للأجانب من السوق.
بعد البورصات، تصاعدت المخاوف بخصوص الاستثمارات المصرفية العربية في البنوك العالمية. وتقدر إحدى الدراسات قيمة هذه الاستثمارات بما بين ١.٨ إلى ٢ تريليون دولار، ستون في المائة منها بالدولار الأمريكي.وبالرغم من أن عددا محدودا من البنوك العربية، خاصة في الخليج، أعلنت عن حجم تعرضها للازمة، ومساحات تضررها، إلا أن الأرقام القليلة المعلنة تكشف حجم المشكلة. إذ قال بنك أبو ظبي التجاري وحده إن حجم خسائر محفظته يتجاوز ٢٧٢ مليون دولار، وانه قاضى مؤسسة مورجان ستانلي المالية العالمية بسبب ما وصفه بأنه توصيات استثمارية غير سليمة.وتصل الأرقام المعلنة في بنوك الخليج فيما يخص خسائر المحافظ المالية المماثلة إلى ٢.٧ مليار دولار. لكن الرقم الحقيقي قد يكون اكبر من ذلك بكثير بالوضع في الاعتبار حجم الاستثمارات العربية عموما في الخارج، خاصة في الولايات المتحدة وأوربا.
أما الأثر المباشر الثاني الأكثر عمقا فهو ما يتعلق بالصناديق السيادية العربية، وعلى رأسها صندوق هيئة استثمار أبو ظبي أكبر صندوق حكومي في العالم، والتي قدرت قيمة محافظها الاستثمارية في نهاية ٢٠٠٧ ب ١.٢٥ تريليون دولار. ويحسب بنك سامبا السعودي قيمة الخسائر المتوقعة للصناديق السيادية العربية السبعة الأكبر في عام ٢٠٠٨ بحوالي ١٩٠ مليار دولار، يرى البنك أنها ستلغي تقريبا الزيادة في عوائد النفط بفعل ارتفاع أسعاره خلال العام، والمقدرة ب ١٩٨ مليار دولار. وبينما يرى البعض ان هذه الصناديق، التي تستثمر ٤٠٪ من محافظها في الأسهم، لديها مرونة أكثر من البنوك في مواجهة الأزمة، بل ويرى أن أمامها فرصة لاقتناص فرص استثمارية رخيصة في الخارج مع تراجع أسعار الأصول، وهو الأمر الذي يراهن عليه الغرب لإنقاذ أسواقه، الا ان حجم الخسائر يظل كبيرا، ومخاطر المزيد من الدخول في استثمارات في الأسواق المتقدمة تظل عالية مهما تراجعت أسعار الأصول لمستويات مغرية.
ويعد النفط وتراجع أسعاره بفعل الكساد العالمي وتناقص الطلب عليه عنصرا أساسيا سلبيا سواء في القدرة الاستثمارية هذه الصناديق أو فيما يخص ميزانيات الدول العربية النفطية، خاصة في ظل مشاريع البنية الأساسية العملاقة التي أطلقت بالفعل والتي صار تمويلها صعبا للغاية بسبب أزمة الاعتماد العالمية وارتفاع تكلفة الاقتراض، وهو ما يهدد بعضها بالتوقف.
حيث هبطت أسعار النفط بنسبة 66.1 في المائة عن أعلى مستوى لها على الإطلاق والبالغ 140.7 دولارا للبرميل في يوليو 2008. وقد خلق ذلك بالتالي تهديدات رئيسية للدول المُصِّدرة للنفط أي البلدان الأعضاء بمنظمة الأوبك ودول مجلس التعاون الخليجي حيث تعتمد معظم إيراداتها على صادرات النفط الخام.
ولن يتوقف أثر تراجع فوائض النفط الخليجية على الخليج بل سيمتد ايضا للدول غير النفطية كمصر والدول العربية في الشمال الافريقي، بسبب انها كانت تعتمد بشكل كبير على اجتذاب هذه الفوائض في صورة استثمارات مباشرة في اقتصاداتها.
وبناءا على هذه الصورة، توقعت وحدة الاستخبارات التابعة لمجلة "الايكونوميست" البريطانية ان يتراجع معدل النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا في ٢٠٠٩-٢٠١٠ خاصة في مصر وشمال أفريقيا. وتقول "الايكونوميست" إن درجة الارتباط الاعلى لهذه الدول بأوربا سوف تعمق من تضررها في ظل التراجع المتوقع في الاستثمارات الأجنبية المباشرة والسياح القادمين من القارة العجوز.
وبينما يستحيل التنبؤ بالاتجاه الذي ستتحرك فيه الأسواق في المرحلة القادمة، فإن كثيرين يرون ان الاسوأ ربما لم يأت بعد وهو ما قد يعني تعميق خسائر المنطقة ومفاقمة الأضرار التي ستتعرض لها.

سقوط نموذج
"يبدو أنني كنت مخطئا"، تلخص هذه الجملة التي قالها المحافظ السابق لمجلس الاحتياط الفدرالي الامريكي آلان جرينسبان في شهادته أمام الكونجرس الأمريكي في أكتوبر الماضي الموقف برمته. جرينسبان أكد على صدمته وصدمة زملاء له شاركوه الاعتقاد على مدى أربعين عاما بأن الأسواق تصحح نفسها تلقائيا قائلا إن هناك خللا في نظام السوق.
وبالنسبة لمذهب اقتصادي متطرف في تقديره لديناميكية السوق وضرورة انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي كتوافق واشنطن، فإن التدخل المكثف للدولة، بطول وعرض الكرة الأرضية لدعم الشركات، وتحفيز الاقتصاد، هو ضربة قاتلة دفعت مجلة النيوزويك الأمريكية لإعلان وفاة هذا النموذج على غلافها.
وفي العالم العربي، بدأت بوادر تدخل الدولة تظهر في الأسابيع الماضية بتخفيض أسعار الفائدة وحزم الإنقاذ، وخطط الاستثمار في البنية الأساسية لتحفيز الطلب. لكن وبينما تثير تداعيات سقوط هذا النموذج جدلا هائلا في الولايات المتحدة، وفي أوربا، حول البدائل وحول تكلفة التحول التي يتحملها أصحاب الوظائف ودافعو الضرائب، صارت صياغة البدائل، في العالم، وفي العالم العربي، أكثر فأكثر، مهمة لا يصح ولا ينبغي أن ينفرد بها أحد.


وفقا لتقرير الاستثمار العالمي جلوبال، القيمة السوقية لمجلس التعاون الخليجي، الكويت، نوفمبر ٢٠٠٨
انظر مزيدا من التفاصيل حول تطور الاقتصاد المالي في اقتصاد توافق واشنطن في David Harey, A brief history of Neoliberalism, London,Oxford University Press,2005
انظر Robert Wade, Financial regime change, New Left Review, September-October 2008
‏ Robert Shiller, The subprime solution, How taoday's global financial crisis happened and what to do about it, New Jersey, Princeton University Press,2008
‏ Graham Turner, The credit crunch, Housing bubbles, globalisation and the worldwide economic crisis,London, Pluto Press, 2008
الارقام وفقا لتقرير جلوبال حول القيمة السوقية لمجلس التعاون الخليجي، مرجع سبق ذكره
‏ Eckart Woertz, Impact of the US financial crisis on GCC countries, Gulf Research Center, October 2008
صحيفة الوول ستريت جورنال، ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٨
‏ Economist Intelligence Unit viewsWire, Middle East Economy:EIU November assumptions,23 October 2008

نشرت في عدد شتاء ٢٠٠٨ من مجلة شئون عربية التابعة لجامعة الدول العربية



الجمعة، 16 أكتوبر 2009

الاقتصاد السياسي لإعادة هيكلة الدعم


مايو 2006

يشتبك السياسي والاقتصادي في صلب سياسات ما تسميه الحكومة "إعادة هيكلة الدعم". وائل جمال يكشف طبيعة هذه السياسات الطبقية الشرسة في معاداتها للفقراء في إطار الحدود التي يرسمها الميزان السياسي والاجتماعي والطبقي في مصر.

بدأت الحكومة المصرية تحركاتها لتنفيذ ما أطلقت عليه "خطة شاملة لخفض الدعم المخصص لرغيف الخبز دون المساس بسعره" وذلك في إطار ترتيبات إعادة هيكلة الدعم. وتعتمد الخطة علي خفض كميات الدقيق المدعم المخصص لصناعة الخبز في المحافظات عن طريق خفض الحصص المسلمة للمخابز. وهكذا بدأت حكومة نظيف في تفعيل واحد من اهم محاور برنامجها الاقتصادي، وربما يكون أشرسها ضد الفقراء. والحقيقة أنه على العكس من كل الطنطنة التي تقدمها البرجوازية وصحافتها حول فاتورة الدعم المتزايدة والتي تشكل أكبر عبء على موازنة الدولة، فإن قيمة الدعم الحقيقية تتراجع في السنوات الأخيرة وفقا لجميع المؤشرات. إلا أن ما تطلق عليه الحكومة "إعادة هيكلة الدعم" سيشكل خطوة نوعية بكل المعايير في برنامج الإصلاح النيوليبرالي المنحاز للأغنياء ورجال الأعمال.

أساطير حكومية حول الدعم

تقوم الترسانة الإيديولوجية للبرجوازية المصرية وجناح الصقور فيها الذي تولى زمام السياسة الاقتصادية منذ مجيء حكومة نظيف للسلطة على عدد من الأفكار المكذوبة والملفقة التي تبرر بها خططها تلك.

1. الدعم يزيد

تؤكد الحكومة أن واحدة من المشاكل الرئيسية التي تشكل عبئا على عجز موازنتها السنوي وعلى الدين العام المحلي الذي وصل لمستويات قياسية هو اضطرارها لزيادة الدعم كجزء من التزامها الذي لا يلين بمحدودي الدخل!! لكن هذه كذبة هائلة. فجميع المؤشرات تجمع على أن قيمة الدعم الحقيقية تتراجع وبشكل مستمر حتى قبل مجيء نظيف للسلطة. والدليل على هذا التراجع الدرامي في عدد المصريين المستفيدين من الدعم، تراجع السلع المدعومة عددا وقيمة، تقليص عدد البطاقات التموينية،..الخ. أما الزيادات المتواصلة التي تسجلها الصحف القومية ومنشورات دعاية الحزب الوطني (التي تنشر في صورة مقالات لكبار الصحفيين في هذه الصحف) في حجم الدعم فهي تعود إلى تغير طريقة حسابه. فجزء يصل لمئات الملايين من الجنيهات لا يتعلق بالفقراء من الأصل، حيث يقدم في صورة دعم للصادرات وأموال تندرج في إنفاق الدولة على الخدمات العامة، بل إن خسائر المرافق العامة (التي قد تعود لفساد إدارتها وانعدام كفاءتها، وهي ظاهرة مباركية أصيلة) يحسب على أنه دعم للفقراء. هذا إلى جانب أنه بمجرد انتقال نبي الليبرالية الجديدة في مصر، يوسف بطرس غالي، إلى وزارة المالية، أضاف إلى الميزانية في سابقة جديدة ما يسمى بالدعم المستتر وهو ما يمكن أن يمثل الأكذوبة الثانية.

2. الأسعار العالمية

تقوم فكرة الدعم المستتر على فكرة مفادها أن هناك فارقا في سعر منتجات كالمنتجات البترولية بين السوق المحلي والعالمي. وأنه بما أن الدولة لا تعوم السعر ليصل إلى السعر العالمي فإن ذلك يشكل دعما منها لمن يستهلكون السولار والغاز الطبيعي والبنزين (وفقا لتصريحات وزير التضامن الاجتماعي في حوار لجريدة المصري اليوم، وفي ظل ارتفاع أسعار البترول في السوق العالمي، يصل هذا الدعم في موازنة 2005-2006 إلى 42 مليار جنيه بينما هو في أغلب التقديرات لايتجاوز 22 مليار). وهذه أكذوبة اقتصادية على أعلى مستوى. فمن ناحية لا يفترض أن تشتمل الميزانية –حساب الموارد والمصروفات- على منطق افتراضي، والمقارنة بما كان ينبغي أن يكون. ومن ناحية أخرى، فإن فكرة الأسعار العالمية ليست حقيقة نهائية تعبر عن قوى السوق فهي تصطدم مثلا بتأثير الاحتكارات على الأسعار، هذا إلى جانب تفاوت تكاليف الإنتاج من بلد لآخر ناهيك عن مدى توافر ثروة كالنفط الذي يؤثر على الأسعار المحلية للمنتجات. أيضا فإن مساواة الأسعار المحلية بالأسعار العالمية إن صحت كاستراتيجية نظرية فهي تقترن أيضا بضرورة مساواة الأجور المحلية بالأجور العالمية. الأنكى من هذا هو فاتورة دعم الطاقة الموجه للقطاع الخاص، ورجال الأعمال المحتكرين ارتفعت أضعافا مضاعفة، دون أن ترمش عيون الحكومة التي تدعم أحمد عز ومحمد أبو العينين والشركات العملاقة الأجنبية التي اشترت مصانع الأسمنت والأسمدة المصرية سنويا. إذ تقدم لهم الغاز الطبيعي بسعر زهيد يكلفها سنويا دعما يصل إلى 9 مليار جنيه. وليست هناك خطط حقيقية لتقليص هذا الدعم الذي كاد تهور وزير البترول الحالي حينما أشار إليه مرة أن يطيح به من منصبه. وترتبط بهذه الأكذوبة أكذوبة أن دعم الطاقة يشوه الأسعار، وهو ما يخل بآليات السوق، ويؤدي لاضطراب السياسة الاقتصادية. وإيمان الدولة ولو حتى ظاهريا بهذه الأكذوبة ضعيف، فهي لم تتخذ أي خطوة جدية، ولن تتخذ مثل هذه الخطوة لأسباب واضحة، تجاه احتكارات الحديد والأسمنت واستيراد الورق والسكر وغيرها والتي ترفع الأسعار مغذيةً جيوب المحتكرين بالمليارات. وكان ذلك هو الأولى بها لو أنها مهمومة حقا بتشوه الأسعار!!

3. إيصال الدعم للفقراء

تصل حكومة نظيف إلى درجة من الوقاحة لا مثيل لها وهي تدافع عن أن السبب وراء إعادة هيكلة الدعم هو أنه بصورته الحالية لا يصل للفقراء بل يتسرب أساسا للأغنياء بالذات فيما يتعلق بدعم الطاقة. وفي فضح هذه النقطة يمكن الإشارة إلى مصدر لا يمكن تصنيفه على أنه معاد لحكومة نظيف هو ورقة بحثية ل د. أمنية حلمي صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية (يضم في عضوية مجلس إدارته جمال مبارك ونخبة من رجال أعمال لجنة السياسات) تقول فيها إنها على الرغم من إتسامها "بانخفاض الكفاء الاقتصادية" إلا أنها "تحقق فوائد عديدة، منها تخفيض الفقر، وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية للمواطنين لحمايتهم من سوء التغذية، وتحقيق الاستقرار السياسي. فقد ساهم دعم أسعار السلع والخدمات الأساسية لصالح 12.6 مليون أسرة (في لحظة من تاريخه) في تخفيض نسبة الفقراء. كما ساعد دعم الخبز البلدي على إبقاء نحو 730 ألف نسمة فوق خط الفقر. ووفر دعم السلع الغذائية الأساسية حوالي 40% من احتياجات محدودي الدخل من السعرات الحرارية.

ووفقا لدراسة أخرى عن المجالس القومية المتخصصة، فإن الدعم غير المباشر الذي يقوم علي توفير سلع وخدمات بالسوق بأسعار تقل عن سعرها العالمي مثل منتجات البترول المستخرجة محلياً والتي بلغت ٢٢ مليار جنيه أي 45.5% من الدعم الكلي في الميزانية لا يحتل فيه البنزين (الذي تقول الحكومة إنه الهدف الرئيسي من التغيير على أساس أن المستفيد منه هو الأغنياء الذين يمتلكون سيارات) إلا نسبة ٢% من الدعم الموجه للمنتجات البترولية، مما يعني أن رفع أسعاره لن يؤدي إلي وفر يذكر من الإجمالي عن المواد الأخري، مثل الغاز 18.5% والسولار 12.5% والبوتاجاز ١٠%.

ما الذي تنتوي الحكومة فعله؟

وتكشف لنا نظرة سريعة على خطط الحكومة حقيقة الأمر. وفي البداية يجب الإشارة إلى حجم التعتيم الذي تمارسه الدولة على خططها في هذا الإطار. ويصل الأمر إلى حد أنه بالنسبة للكهربا على سبيل المثال، هناك خطة تنفذ خفية منذ أكتوبر 2004 لرفع أسعار الكهرباء بثمانية في المائة في 2004 ثم خمسة في المائة سنويا لمدة خمس سنوات وهو ما ينهي دعم الكهرباء تماما في 2007. وهناك مطالبات برفع النسب هذه. بينما من المخطط في حال استمرار هذه النسب أن تستمر الارتفاعات لسنتين آخرتين على الأقل لكي تحيد أثر رفع الدعم المتوقع على المنتجات البترولية وهي التي تقدم مدعومة لتوليد الكهرباء. هذه الخطة لم تقدم لمجلس الشعب، ولم يتم الإعلان عنها كجزء من برنامج الحكومة لكنها ُتنفذ. ويمكن أن نتوقع ترتيبات مشابهة في الخدمات الأخرى كالمياه والنقل، تشكل أجزاءا من الإطار الأعم لتقليص، بل وإنهاء دعم الفقراء تماما.

وتشير المعلومات المتسربة من بعض الدراسات المحدودة بنطاق مؤسسات بحثية قريبة من دوائر صنع القرار الاقتصادي في الجناح النيوليبرالي من البرجوازية المصرية كالمركز المصري للدراسات الاقتصادية ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار وبعض المؤسسات الدولية إلى أن الطبقة الحاكمة في مصركانت تبحث اختيارا من اثنين.

الأول هو تعديل سياسات الدعم الحالية. ويعني ذلك إعادة تحديد المتلقين للدعم وبالذات دعم الغذاء إلى جانب إعادة تسعير المنتجات البترولية وتغيير تركيبة السلع المدعومة وتحديث نظام التسجيل في بطاقات التموين لاستبعاد المستفيدين عن غير وجه حق. أما الاختيار الثاني وهو ما تميل الحكومة لتنفيذه فعلا في هذه اللحظة، فهو التحول إلى نظام للدعم النقدي. وسيقوم النظام الجديد على التعويض النقدي لمحدودي الدخل. وتقول الحكومة إنه سيعتبر تعويضا عادلا لمحدودي الدخل عن أضرار ارتفاع الأسعار المتوقع. وأنه سيخفض الأعباء المالية على الحكومة ويرشد الاستهلاك. وسيتم تحديد المستحقين للدعم النقدي غالبا عبر فاتورة استهلاك الكهرباء.

والأكيد هو أن هذا النظام الجديد سيقلص بشدة مما سينفق على الدعم بالذات دعم الغذاء، وسيؤدي إلى رفع هائل للأسعار. ويكفي أن نشير إلى تحذير للبنك الدولي من أن نسبة كبيرة من سكان مصر تعيش فوق حافة الفقر وبالتالي فإن أي ارتفاع طفيف في أسعار المنتجات الغذائية (تحتل 80% من إنفاق الأسر الفقيرة وحوالي نصف متوسط إنفاق الفرد الاستهلاكي في مصر. وهو ما يعني دفع الملايين إلى صفوف الفقراء. وإذا أضفنا تأثيرات رفع أسعار الخدمات الرئيسية كالتعليم والنقل والصحة والمياه والكهرباء، وفوق كل شيء أسعار البترول والغاز التي سترفع معها أسعار كل شيء تقريبا، نستطيع إدراك حجم الكارثة.

الدعم والسياسة

فذكرى 18 و 19 يناير 1977 لا تزال ماثلة في الأذهان. لذلك فإن الحكومة تسعى إلى البحث في الطريقة المثلى لرفع الدعم، وفي نفس الوقت، تجنب رد الفعل الشعبي العنيف على هذا الإجراء. وهكذا تلجأ إلى الإجراءات غير المعلنة تارة، وإلى تسريب بعض الأخبار هنا وهناك، في شكل بالونة اختبار،على مدى ثلاث إلى خمس سنوات، تلوكها الناس حتى تمل، وذلك حتى تهيء الأرضية قبل أن تخطو خطوتها. وهو ما فعلته حتى الآن بالنسبة للدعم. لكن بالرغم من نفاذ عزم الحكومة على المضي في خططها فإن شبح 1977 يبقى ماثلا. وهكذا مازال هناك صراع تقديرات مثلا فيما يخص تطبيق سياسة الدعم النقدي بشكل تدريجي أم بشكل فوري.

هذا بينما تحذر الدراسة الصادرة عن المجالس القومية المتخصصة (يرأسها كمال الشاذلي، ممثل الحرس القديم في الحزب الوطني، وهو الجناح الذي يلعب على فكرة أن خطط الجناح الآخر مفجرة سياسيا واجتماعيا) من أن "أن الانتفاضات الشعبية للشارع المصري في العقود الأربعة الأخيرة، كان أهم دوافعها رفع الدعم عن أسعار بعض الأغذية الأساسية. وعلى ذلك فوفرة الخبز البلدي وسعره وجودته باعتباره أهم مفرد في سلة الغذاء للفرد المصري تمثل حداً أدني لمعايير رضاء المجتمع المصري عن حكومته". وبدرجة ما نستطيع أن نرى إدراك الدولة لحساسية رغيف الخبز حيث لن يكون إلغاء دعمه بنفس السرعة التي ستنفذ بالنسبة للبنود الأخرى. لكن نستطيع أن نرى أيضا إصرارها على تقليص الإنفاق عليه بتقليص عدد المخابز الذي تقدمه وبالتالي سيحتفظ بسعره غير أن الفقراء لن يجدونه.

وتفصل دراسة ثالثة صادرة عن مركز دعم القرار بمجلس الوزراء أساليب التعامل المقترحة لامتصاص الغضب الشعبي جراء إلغاء البطاقات عبر "الاهتمام بإبراز فوائد نظام الدعم النقدي إعلاميا، والتدرج في التطبيق عن طريق تحويل جزء من الدعم العيني لدعم نقدي وقياس مدى تقبل الخطوة". غير أنه من غير المحتمل أن تثني هذه التحديات مجموعة الصقور النيوليبراليين الذين يرغبون في حل أزمة عجز الموازنة على حساب الفتات الذي يقدم للفقراء عن التحرك السريع في تنفيذ مخططهم. ويمكن في إطار ذلك أن نرى إمكانات أعلى لتفجر الغضب الشعبي والطبقي خاصة في ظل الفوران الذي تشهده مصر على كل الجبهات.


الخميس، 15 أكتوبر 2009

توشكي: نموذج لسياسة مبارك الاقتصادية


مايو 2006

عاد مشروع توشكي لبؤرة الضوء مرة أخرى بعد أن توارى في الظل لفترة، بعد تعثره البالغ في السنوات الأخيرة. وائل جمال يستدعي تجربة عشر سنوات منذ البدء فيه، ويحاول تفسير عودة النقاش حول مشروع يمثل فشله فشل كل العناصر الرئيسية في سياسة مبارك الاقتصادية.

رحلات منتظمة للصحفيين والإعلاميين والسياسيين لزيارة مشروع توشكي على الأرض. أخبار تتسرب للصحف حول إعادة المشروع للحياة كنتاج لجهود حكومة نظيف، بعد نجاح واحد من رجال لجنة السياسات، رئيس الشركة القابضة التي تتبعها شركة جنوب الوادي هادي فهمي، والذي يرأسه مباشرة محمود محيي الدين في استصلاح سبعة آلاف فدان هناك. وفي المقابل، استجوابات في مجلس الشعب تطالب بكشف حساب عن المليارات التي أنفقت هناك. وهكذا يعود الجدل حول واحد من أهم جوانب السياسة الاقتصادية في سنوات حكم مبارك الخمسة وعشرين إثارة للجدل.

كان هذا المشروع قد ظهر فجأة بعد زيارة لمبارك لمنطقة النوبة لافتتاح مفيض توشكي في مطلع عام 1996. ورافقته حملة هائلة عما أطلق عليه في الصحافة الرسمية المشروعات القومية الكبرى في عهد "النهضة المباركية" (ترافق معه مشروعات حديد أسوان، وشرق التفريعة، وترعة السلام، وشرق العوينات). ووعدت الحملة بخلق وادي أخضر جديد للنيل، وتخفيف الكثافة السكانية في الوادي القديم بتعمير جنوب مصر، وحل مشكلة البطالة، ودفع إنتاج مصر الزراعي، وتفعيل استخدامها لثروتها المائية. هذا بالطبع إلى جانب اقتحام الأسواق العالمية بصادراتنا الزراعية! بالتأكيد مآل هذه الأهداف واضح بالنسبة لنا جميعاً، لكن قصة هذا المشروع جديرة بالنظر كتجسيد للطريقة التي تدير بها البرجوازية بزعامة مبارك سياساتها الاقتصادية وموارد مصر على مدى العقود الماضية.

المشروع

مشروع استصلاح الأراضي في توشكي، التي تقع على بعد 220 كيلومتراً جنوب غرب أسوان على الجانب الغربي من بحيرة ناصر، وعلى مسافة سبعين كيلومتراً من الحدود السودانية، هو فكرة قديمة طرحت في الستينيات في إطار رفع كفاءة استخدام موارد مصر المائية. لكن الفكرة لم تتجاوز الورق الذي كتبت عليه وقتها بسبب شك الحكومة في جدواه. ثم عاد المشروع مرة أخرى في مطلع الثمانينيات في إطار دراسات لزيادة الرقعة المأهولة بالسكان في مصر من خمسة في المائة إلى خمسة وعشرين في المائة وزيادة الأراضي الزراعية من 8 مليون فدان إلى 11,4 مليون بحلول عام 2017. وفي القلب من هذه الأفكار جاء مشروع تنمية جنوب الوادي. وكان هدف المشروع هو استصلاح مليون فدان في مناطق توشكي وشرق العوينات والوادي الجديد بتكلفة 300 مليار جنيه مصري على مدى عشرين عاماً، تتحمل الحكومة مابين عشرين إلى خمسة وعشرين في المائة منها بينما يتحمل القطاع الخاص الباقي.

وبعد زيارة مبارك لافتتاح مفيض توشكي في 1996 في أعقاب واحد من أكبر الفيضانات التي شهدتها مصر في العقود الأخيرة، أعلن عن أن الجزء الخاص بتوشكي من المشروع على أجندة الحكومة وبدأ العمل فيه فعلياً في يناير 1997. ويهدف الجانب الخاص بتوشكي داخل مشروع تنمية جنوب الوادي إلى استصلاح وزراعة 550 ألف فدان وريها بمياه تسحب مباشرة من بحيرة ناصر عبر قناة تشق في صخور النوبة وتبطن بالأسمنت عند أدنى مناطق البحيرة منسوباً لضمان إمداد المنطقة بالمياه في كل الأحوال. ثم ترفع المياه بعد ذلك لارتفاع خمسين متراً لكي تصل لمنسوب الأرض عند توشكى منحدرة بعد ذلك لمناطق الاستصلاح. وقدرت كمية المياه اللازمة لري هذه الأراضي بحوالي 5 مليارات متر مكعب ترفع عبر محطة ضخ هي من أكبر محطات الضخ في العالم.

وتم تقسيم الأرض إلى أربعة مناطق تتراوح كل منها بين 100 ألف و155 ألف فدان، تقع اثنتان منها شمال القناة واثنتان جنوبها. وكانت الخطة أن تقوم الحكومة بمد القنوات وضخ المياه وتوصيلها لمناطق الاستصلاح وإقامة البنية الأساسية ومد الطرق وإقامة المطارات وتوصيل الكهرباء. بينما طرحت الدولة الفدان بسعر رمزي بعد كل ذلك يصل إلى خمسين جنيها للفدان (أربعة في الألف من تكلفة الفدان). وكانت الخطة أيضاً أن تبلغ جملة استثمارات الحكومة في إقامة هذه البنية الأساسية حوالي 6.2 مليار جنيه. وبعد الانتهاء من إنشاء البنية الأساسية في 2002 ـ كما كانت الخطة تقول ـ كان من المزمع استصلاح مائة ألف فدان سنوياً لمدة ثلاث سنوات ثم عشرين ألف فدان سنوياً لينتهي المشروع تماماً بحلول 2017. وبحلول ذلك الوقت يكون عدد سكان المنطقة قد بلغ 2 مليون شخص.

الواقع

على مدى السنوات الماضية، وعلى العكس من الطبول التي صاحبت بدايته، توارى المشروع إلى الظل. وتجنبت الصحافة الرسمية حتى الإشارة إليه عدا في المرات القليلة التي زار فيها مبارك الموقع. والحقيقة أن المشروع لم يتحرك كثيراً على مدى ما يقرب من نصف المدة المقررة لإنهائه. فبرغم قيام الحكومة بإنفاق ما يقرب من 17 مليار جنيه مصري على البنية الأساسية (التقديرات الرسمية تتجاوز الخمسة مليارات بقليل لكن جميع الخبراء الاقتصاديين يرفضون الرقم)، فإن ما تم استصلاحه حتى هذه اللحظة لا يتجاوز سبعة آلاف وخمسمائة فدان من بين ثلاثمائة ألف كان مخططاً لها. أغلب هذه الأراضي قامت باستصلاحها شركة جنوب الوادي في العامين الماضيين في الوقت الذي لا تتجاوز فيه مساحة الأراضي التي تمت زراعتها في المساحة الوحيدة التي تم تخصيصها لمستثمر خاص هو الوليد بن طلال ستمائة فدان حتى الآن. وبالمقارنة بـ 2 مليون شخص كان من المفترض أن ينتقلوا للحياة في توشكي عبر توفير 700 ألف فرصة عمل جديدة ، هناك 15 ألف شخص يعيشون هناك الآن، أغلبهم عمالة مؤقتة بينما مازالت مدينة توشكي الجديدة حبراً على ورق. ومازالت جهود الحكومة في إقناع مستثمرين خاصين برغم كل التسهيلات تواجه حائطاً سداً. وهكذا فإن أكثر من مائتي ألف فدان لم يتم تخصيصهما للآن. وتتوقف طموحات هادي فهمي وشركته عند الزراعة بالوكالة للشركات في مقابل تسليم المحصول المزروع لها (على سبيل المثال، زراعة الشعير لحساب شركة الأهرام للمشروبات). وذلك شريطة نجاح شركة جنوب الوادي في إضافة 30 ألف فدان أخرى للأراضي المزروعة بحلول يناير 2007.

والحقيقة أن خبراء وعلماء مهمين على رأسهم شيخ الجيولوجيين د. رشدي سعيد قد توقعوا إلى حد بعيد ماحدث في توشكي منذ البداية. فمن ناحية كان هناك تساؤل حول صحة توجيه عشر دخل مصر المائي للمشروع مع الوضع في الاعتبار أن فيضان 1996 كان استثنائياً وأن مصر تعاني بالفعل من نقص متزايد في مواردها المائية. هذا بالإضافة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة الهائل في المنطقة (تصل إلى خمسين درجة مئوية) يرفع معدلات البخر بطريقة هائلة وهو الأمر الذي يجعل الهدر كارثيا، ويوقف عملياً الزراعة لمدة ثلاثة أشهر من السنة. أيضاً قدر رشدي سعيد منذ البداية أن عدد فرص العمل التي سيخلقها المشروع لن تتجاوز الثلاثين ألف فرصة عمل خاصة مع ضرورة اعتماد منطق الزراعة الرأسمالية الواسعة لكي تكون الزراعة اقتصادية (وهو ما يتناقض مع فكرة انتقال الشباب للعيش هناك وامتلاك أرضهم الخاصة واستصلاحها التي لعبت عليها الدعاية للمشروع في بدايته).

وقارن سعيد ومنتقدو المشروع بينه وبين الفرصة الاقتصادية البديلة التي كانت لتنتج عن إنفاق جزء من الأموال الباهظة التي أنفقت عليه مثلا لتحديث شبكة الري المتقادمة بطول وعرض الجمهورية في وقت تحتاج فيه مصر، التي يقطنها 72 مليون نسمة، يعيشون على 8.3 مليون فدان من الأرض الزراعية في وادي النيل والدلتا، بشدة لتوسعة الأراضي الزراعية. خاصة أن هذه الأموال الباهظة التي أنفقت على توشكي وغيرها من مشروعات مبارك القومية الأخرى، انتهى أغلبها بعد قضايا فساد عنيفة إلى أزمة سيولة خانقة في الاقتصاد المصري. أما عن قضية إمداد مصر بحاجتها الاستراتيجية من القمح، وهي فكرة كانت محوراً للدعاية أيضاً فقد صارت محل شك بالغ بالذات مع اتجاه الحكومة الجديدة للتركيز على محاصيل أخرى أكثر ربحية، بالذات التي يمكن تصديرها للخارج.

نموذج لسياسات مبارك الاقتصادية

سوء التخطيط وإهدار الموارد والفساد والانحياز ضد مصالح الفقراء والاستغلال السياسي. كل هذه سمات أساسية للسياسات الاقتصادية التي اتبعها نظام مبارك على مدى ربع قرن. ومشروع توشكي بحكم الموارد الهائلة التي وجهت له هو نموذج واضح لكل هذه السمات. فالمشروع لم يقم على دراسة ذات قيمة علمية للبدائل المختلفة للتعامل مع ازمة التكدس السكاني في الشريط الضيق في الوادي. وهو بالتأكيد قام على إهدار مالي ومائي هائل لموارد مصر الاقتصادية.

أما عن الفساد وغياب الشفافية، فحدث ولا حرج. وتكفي هنا الإشارة إلى عملية تخصيص مايزيد على مائة ألف فدان للملياردير السعودي الوليد بن طلال بسعر يصل إلى خمسة ملايين جنيه (هناك بعض الشقق في القاهرة يتجاوز سعرها هذا الرقم). ليس هذا فقط، بل إن عقود التخصيص لم تضع أية شروط لا زمنية ولا من حيث النشاط الاقتصادي على الوليد، الذي يتمتع بعلاقة خاصة مع مبارك شخصياً ومع نظامه. (قارن ذلك بعقود الاستصلاح اليتيمة التي تعطى للشباب، وتشترط استصلاح الأرض في مدد زمنية محددة وإلا تسحب منهم الأراضي. هذا بالإضافة إلى انعدام كامل للشفافية فيما يخص المشروع. فحتى الآن ليس هناك تقديرات رسمية واضحة عما تم إنفاقه. وليس هناك تقديرات واضحة للجدوى الاقتصادية للمشروع.

ويقوم المشروع بوضوح على إنحياز لمنطق الرأسمالية الكبيرة في الزراعة. وهي بالتالي تقدم دعما بالمليارات من خلال البنية الأساسية لتضمن تحقيقها لأرباح ـ بغض النظر عن أنه حتى ذلك لم يجذب الرأسمالية الكبيرة للمكان. وفي الوقت نفسه تسحب الحكومة دعم الفقراء وتقلص إنفاقها الحقيقي على الخدمات العامة.

ونظرة سريعة على أوضاع العاملين القليلين الموجودين في توشكي تبين أي ظروف يعملون بها. وبرغم أن الأجور المعلنة تصل لستمائة وثمانمائة جنيه شهرياً إلا أن الحياة هناك صعبة للغاية. وتقول جريدة الوفد في تحقيق لها إن "العاملين المساكين الذين تصوروا أنهم وجدوا فرصة عمل جيدة في مشروع دائم، دخلوا في معارك مع وزارة الموارد المائية والري للحصول علي مستحقاتهم. ولأن اصحاب الحقوق أصبحوا بالآلاف فقد تم رفع مئات الدعاوي القضائية ضد الوزارة من هؤلاء العاملين، حصل بعضهم علي أحكام قضائية، تعطيهم الحق في الحصول علي مستحقاتهم. وبعض الدعاوي الأخرى مازالت متداولة أمام القضاء وقد نفذت الحكومة بعض هذه الاحكام ومازالت تقوم بتدبير مستحقات البعض الآخر!!"

توشكي والسياسة الآن

منذ اللحظة الأولى للتفكير فيه، كان مشروع توشكي محملاً بالسياسة ومخصصاً لخدمة السياسة. فقد طرح المشروع في إطار خلق مساحة تعبئة وراء النظام على أساس التزامه بمشروعات كبرى. ولا يمكن الفصل بين عودة توشكي للصورة مرة أخرى وبين الوضع السياسي الآني في مصر. فمن ناحية تحاول حكومة نظيف إثبات أنها قادرة من خلال مشروعها النيوليبرالي الفج على تحقيق ما فشلت فيه أجنحة البرجوازية الأخرى على مدى السنوات الماضية. ومن ناحية أخرى، فإن المناخ السياسي السائد في مصر والذي يضع تحت التقييم والنظر سنوات حكم مبارك برمتها سمح بوضع المشروع مرة أخرى تحت دائرة الضوء كأحد أكبر عمليات إهدار موارد مصر في تاريخها المعاصر. والأكيد هو أن توشكي وما حدث فيها يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أنه لامجال لطموحات المصريين العمرانية أو الاقتصادية الكبرى في منظومة ماكينتها الرئيسية أرباح رجال الأعمال وليس مصلحة الأغلبية الكاسحة من الكادحين.

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

المرحلة الثالثة من الأزمة : محنة البطالة


من الفاينانشيال تايمز نقلا عن جريدة الشروق المصرية

برايان جروم -


بعد الأزمة المالية والركود، تأتى محنة البطالة. وسجلت البطالة بالفعل أعلى معدلاتها منذ الحرب العالمية الثانية، حيث بلغت 8.5% من قوة العمل فى 30 من البلاد الأعضاء فى منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية ذات الدخول العالية. ومن المتوقع أن تواصل الارتفاع لعدة شهور، برغم تعافى النمو الاقتصادى.

يقول ستيفانو سكاربيتا، رئيس قسم التوظيف بالمنظمة التى يقع مقرها فى باريس، إن «معظم بلاد منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية تواجه بالفعل أزمة فى فرص العمل. ومن المنتظر أن يزداد الموقف سوءا قبل أن نشهد التحسن».
ويحذر صندوق النقد الدولى من أنه سيكون هناك «إحياء للبطالة»، مع بقاء معدلاتها عالية وانتظار الشركات طويلا قبل أن تشرع فى التعاقد مع موظفيها.

ويمكن لارتفاع معدل فقدان فرص العمل بحد ذاته أن يخفض الطلب العالمى، وهو ما يشكل تهديدا لاستمرار التعافى الاقتصادى، خاصة مع تقلب أسعار النفط والسلع الأساسية.

ولكن ليست الصورة كلها قاتمة. فعلى الرغم من أن المنظمة تقول إن معدل البطالة يمكن أن يصل إلى نحو 10% فى البلاد المتقدمة مع نهاية العام المقبل مما يعنى فقدان 25 مليون شخص لوظائفهم منذ بدء الانكماش إلا أنها تعتقد أن علامات التعافى الحالية تشير إلى بلوغ البطالة ذروتها فى وقت مبكر بمعدل منخفض قليلا عن المتوقع. لكنها ترى أن على الحكومات التدخل «بسرعة وحسم» واتخاذ إجراءات للحيلولة دون ارتفاع معدلات البطالة على المدى البعيد.

وتمثل هذه الأزمة الاختبار الأخير لتحرير سوق العمل، التى نشهدها فى بعض البلاد منذ 1980، والتى يغلب عليها إضعاف النقابات العمالية وتسهيل إجراءات التعيين والفصل. وقد أثبتت حتى الآن أن نتائج متناقضة ولا تزال غامضة.

وقد دخلت معظم بلاد منظمة التعاون والتنمية الانكماش بنسبة بطالة منخفضة بلغت أدنى مستوى لها فى 25 عاما بوصولها لـ 5.6% فى 2007 ــ ويعود ذلك فى جانب منه إلى الإصلاحات التى شهدتها أسواق المنتجات والعمل. لكن هذه المرونة نفسها هى التى جعلت البطالة تزيد بصورة أكثر حدة، لأن عددا أكبر من العمال مرتبطون بعقود مؤقتة أو قصيرة الأجل.

وقد حلت خسائر الوظائف بالأساس بالفئات الأكثر احتياجا من الأصل الشباب والعمال محدودى المهارة والمهاجرين والأقليات العرقية والعمالة المؤقتة، ويثير هذا تساؤلا بشأن سلامة شبكات الخدمات الاجتماعية، فى ظل تزايد التفاوت ومعدلات الفقر النسبى فى البلاد عالية الدخل.

ويعد هذا أيضا اختبارا لـ«سياسات أسواق العمل النشطة»، وهى برامج للبحث عن العمل والتدريب الغرض منها إعادة العمال إلى العمل بسرعة.

وتقول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية إن على الحكومات أن تعدل بصورة عاجلة أسواق العمل بها وسياساتها الاجتماعية للحيلولة دون وقوع الناس فى مصيدة البطالة طويلة الأمد. ويجب أن تركز الإجراءات على الشباب، الذين كانوا أكثر المتضررين من الأزمة، والتقليل من خطر إنتاج «جيل ضائع».

لقد كان الركود من النوع الذى أطاح إلى حد كبير بالفرضيات الثابتة عن أسواق العمل: أنه بينما اعتاد الاقتصاد الأمريكى المفعم بالحيوية نسبة قليلة من البطالة، وأن يعانى بدرجة أقل فى أوقات الركود، فإن أسواق العمل الصارمة فى أوروبا تعانى من الزيادة المستمرة فى البطالة. إلا أنه فى هذه المرة، تضاعفت نسبة البطالة فى الولايات المتحدة لتصبح 9.8% على مدى عامين. وقد شهدت الكثير من البلاد الأوروبية انخفاضا أكبر فى الناتج، لكن مع زيادة أقل بكثير فى البطالة، نظرا للإبقاء على الوظائف بفضل دعم الأجور.

ولم تزد نسبة البطالة الألمانية، التى بلغت 7.7% فى يوليو حسب مقياس منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية المنسق، إلا بنصف نقطة مئوية عنها فى سبتمبر 2008. وارتفع معدل البطالة فى فرنسا بمقدار نقطتين مئويتين منذ أواخر 2007 ليصل إلى 9.8%، بينما ارتفعت نسبتها فى إيطاليا بـ0.8% فقط لتصل إلى 7.4% فى الربع الأول من العام.

وتتمثل الاستثناءات الكبيرة فى إسبانيا، حيث صعدت نسبة البطالة فيها إلى 18.9%، وفى إيرلندا إلى 12.5% وكلا البلدين أصابهما فقاعات أزمة الإسكان.

فهل أصبحت أسواق العمل الأوروبية تتحلى بالمزيد من المرونة، مع جعل الأجر وليس الوظيفة أداة للضبط؟ ما زال الوقت مبكرا قليلا للحُكم.

وتقول المنظمة إن أيرلندا واليابان وإسبانيا والولايات المتحدة شهدت بالفعل أكبر خسائرها من الوظائف، فى حين لم تشهد فرنسا وألمانيا وإيطاليا بعد أعلى الخسائر.

وقد مدت ألمانيا برنامجها للدعم المؤقت للعاملين لفترات قصيرة (Kurzarbeit)، ليغطى أكثر من 1.4 مليون عامل. لكن هناك خشية من الارتفاع الحاد فى البطالة بعد نفاد الدعم. ويقول اكسيل فيبر، رئيس البوندسبانك، إن سوق العمل لن تعود إلى التحسن قبل شتاء 2010ــ2011.

يرى البعض أن أوروبا تحتاج إلى المزيد من تحرير أسواق المنتجات والعمل إذا أرادت إحياء روح المبادرة.

«هناك نوع من الجمود الثقافى فى التعبير عن المصالح الصناعية والسياسية. ليس هناك حراك فى أوروبا. وليست هناك مبادرات»، كما يقول فيليب جونزاليس، رئيس الوزراء الإسبانى الأسبق، الذى طلب منه القادة الأوروبيون إعداد تقرير عن إستراتيجية أوروبا.

وتُعزى الزيادة السريعة فى البطالة الأمريكية إلى تأثير الركود على القطاعات كثيفة العمل مثل البناء والتمويل. ويضيف جورج ماجنوس، كبير الخبراء الاقتصاديين فى يو بى إس (بنك استثمار) إن «عبء العمل هو العبء الأساسى الذى تحمله الناس مع بدء الأزمة»، بعد 15 عاما من التمويل الخارجى والإجراءات الفعالة.

ويتوقع بنك الاحتياط الفيدرالى أن تتجاوز البطالة نسبة 10% بحلول نهاية العام ثم تأخذ فى الانخفاض تدريجيا فى 2010. وقد سجل معدل العمل الأسبوعى انخفاضا قياسيا، ما يشير إلى أن أصحاب العمل سيزيدون من ساعات العمل قبل تعيين موظفين جدد. ويتزايد القلق فى الولايات المتحدة من البطالة طويلة الأمد. فهناك واحد من كل ثلاثة تمتد به البطالة لأكثر من 6 شهور، وهى أعلى نسبة منذ بدء التسجيل فى عام 1948.

بالمقابل، يبدو أن سوق العمل فى المملكة المتحدة تعمل بصورة أفضل مما كان عليها الحال فى أزمات الركود السابقة وأفضل من البلاد الأخرى، التى شهد قطاع الإسكان بها انكماشا حادا.

وبالرغم من توقعات الاقتصاديين بأن يبلغ مجموع العاطلين، الذين تصل نسبتهم حاليا إلى 7.9%، إلى نحو 3 ملايين عاطل، أو بنسبة 10% تقريبا، فإن الانخفاض الكلى لم يزد على ثلث نسبة الانكماش الاقتصادى.

وقد حد تقليل ساعات العمل وتخفيض الأجور من خسائر الوظائف لكن هذا العامل سيبطئ من تعافى سوق العمل مع زيادة ساعات العمل قبل تعيين موظفين جدد. ويتوقع جون فيلبوت، كبير الاقتصاديين فى معهد التوظيف والتطوير، أن هناك «احتمالا بسيطا لعودة معدلات البطالة إلى ما كانت عليه قبل الركود قبل 2015».

وهناك إشارات متفائلة على المستوى العالمى. ففى آخر مسح أجرته شركة توفير الموارد البشرية، يتبين أن أصحاب العمل فى نصف عدد البلاد تقريبا يتوقعون زيادة صافية فى قوة العمل خلال الشهور الثلاثة المقبلة.

ويبدى أصحاب العمل الآسيويون ما عدا اليابانيين منهم تفاؤلهم فيما يتصل بالتوظيف. وهناك إشارات، وإن كانت ضعيفة، على التعافى فى أوروبا. لكن أصحاب العمل فى الولايات المتحدة ما زالوا محجمين عن العودة إلى التوظيف ثانية.

يقول جيفرى جوريس، رئيس شركة الموارد البشرية ومديرها التنفيذى: «حتى الآن ما زلنا عند مفترق الطرق. وهناك رغبة لتعيين أشخاص فى معظم الاقتصادات الكبرى، وهذا ما سيحدث. والسؤال هو: هل يمكن الاستمرار؟». وهو يرى أن المسألة الحاسمة هى إن كان من الممكن إدامة تعافى سوق العمل «بدون أسلوب صرف العمالة الأمريكى».

ويقول السيد ماجنوس إن البطالة يمكن أن تصل إلى نقطة التحول الصيف المقبل، لكن هناك احتمالا أن «تبلغ ذروتها، ثم تتراجع، قبل أن تعود إلى وضعها مرة أخرى».

يقول: «أتوقع أن يتواصل التوظيف بمعدل طفيف، لكن لا تزال هناك ضغوط لا تصدق على الشركات للاستمرار فى تقليل الأعباء».

وهو يرى أن الأرقام الرسمية عن البطالة تقلل من حجم المشكلة. وقد رصد المقياس الأوسع لوزارة العمل الأمريكية، الذى يشمل من توقفوا عن البحث عن عمل والعاملين المؤقتين، الذين لا تتوافر لهم فرصة العمل الدائم، معدلا قياسيا هو 17%.

«إن معدلات البطالة نفسها ليست إلا قمة جبل الجليد»، كما يقول يقول السيد ماجنوس، «وجبل الجليد هو سوق عمل ضعيفة البنية للغاية تعكس ضخامة الهزة الحادثة سواء بخفض الأعباء من جانب الشركات أو نقص الطلب من جانب المستهلك، بسبب تقليل الإقراض».

السبت، 27 سبتمبر 2008

الثورة الروسية في 1917.. ماذا يتبقى لنا؟


وائل جمال*


قبل تسعة وثمانين عاما، وفي مثل هذا الشهر، أسقطت الجماهير العمالية في واحد من أهم انتصاراتها – إن لم يكن الأهم على الإطلاق – واحدا من أعتى الأنظمة ديكتاتورية، وفتحت الباب لبشائر نظام جديد يسعى لتحقيق العدالة والحرية والمساواة بأيدي الجماهير الكادحة. الثورة الروسية في   1917  (أكتوبر بالتقويم القيصري الروسي القديم ونوفمبر بالتقويم الغربي) كانت مصدر الإلهام للثوريين في كل مكان ومازالت. لكنها تتعرض لهجوم شديد في السنوات الأخيرة سواء من موقع البرجوازية أم من مواقع اليسار. وهو الأمر الذي وجد أرضا خصبة أولا في ظل ما فعلته الستالينية بالمقهورين والعمال في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، ثم بعد ذلك بصورة قد تكون أعمق بعد انهيار رأسمالية الدولة الستالينية. لكن حقا هل هناك ما يمكن التعويل عليه في تراث هذه الثورة الكبرى في معارك اليوم ونحن نقترب من تجاوز السنة السادسة من القرن الحادي والعشرين؟


الجماهير ثم الجماهير

"لم يستلم البلاشفة السلطة نتيجة مساومة مع الطبقات المالكة أو مع القادة السياسيين الآخرين، ولا بإرضاء جهاز الحكومة القديم، ولا عن طريق عنف منظم مارسته فئة قليلة العدد. فلو لم تكن الجماهير في كافة أنحاء روسيا مستعدة للانتفاضة لأخفقت محاولتها". هكذا كتب الصحفي الأمريكي الثوري جون ريد في كتابه "عشرة أيام هزت العالم" الذي خطه من واقع تجربته الحية مع ثورة أكتوبر. والحقيقة أن الدور التاريخي غير المسبوق للجماهير الروسية في إسقاط القيصرية لم يقف فقط عند إعطاء الزخم والطاقة والثقل السياسي للاشتراكيين لإنجاز برنامجهم للتغيير، وإنما كانت الجماهير بدورها المركب هي صانعة الثورة وما تلاها بحق.

هذه الحقيقة التاريخية تبقى معنا للحاضر لترد على الكثير مما يطرح الآن للتشكيك في قدرة الجماهير على اعتلاء المسرح السياسي للصراع الطبقي وتوجيهه لمصلحتها.

أولا، ردت جماهير روسيا، ومازالت ترد، على فكرة أن الجماهير جاهلة ولا تمتلك الوعي الكافي للتغيير. ففي روسيا القيصرية تجلت المظاهر التي تدعم مثل هذا الموقف بكل صورها: انتشار هائل للأمية ومعها الخرافات والإيمان الخزعبلي بالغيبيات، ضعف حاد في المجتمع المدني وعقم للبرجوازية في تقديم برنامج الإصلاح الليبرالي، رأسمالية تنمو بسرعة لكنها تعاني من تخلف ملحوظ عن منافسيها في أوروبا بما يعنيه ذلك اجتماعيا وطبقيا (وهي نقطة سنعود لها لاحقا).

في المعركة كشفت الجماهير وجهها الحقيقي. يقارن تروتسكي، القائد الاشتراكي الثوري الروسي، في كلاسيكيته تاريخ الثورة الروسية، بين وضع الجماهير الروسية قبل وأثناء الثورة: "إن أهم سمة لا شك فيها للثورة هي التدخل المباشر للجماهير في الأحداث التاريخية. في الأوقات العادية، تضع الدولة، سواء ملكية أم ديمقراطية، نفسها فوق الأمة. ويصنع التاريخ بواسطة الأخصائيين في هذا الفرع من النشاط أو ذاك – الملوك، الوزراء، الموظفون البيروقراط، البرلمانيون والصحفيون. لكن في هذه اللحظات الحاسمة عندما يصير النظام القديم غير محتمل بالنسبة للجماهير، فإنهم يحطمون الحواجز التي تستبعدهم من الساحة السياسية ويجرفون جانبا ممثليهم السياسيين التقليديين ويخلقون بتدخلهم هم الأرضية الأولية لنظام جديد".

في هذا كانت الجماهير تسبق الجميع بمن فيهم الثوريون. وإذا نظرنا لحجم التضحيات التي قدمتها من أجل هذا النظام الجديد، هذا الأفق الجديد لحياة أفضل، سواء خلال الإضرابات العمالية الأولى أم خلال الحرب الأهلية يمكن أن نفهم حجم الطاقة الكامنة في هذا الكيان الذي يبدو وهميا وأسطوريا في أحيان كثيرة. واليوم، ما أحوج العالم لهذا النظام الجديد البديل الذي يقضي على تناقضاته المتفاقمة ويعيد للإنسان إنسانيته في مواجهة آلة الرأسمالية الكاسحة اقتصاديا وعسكريا. وقد يكون هذا هو بالضبط ما أعاد الجماهير مرة أخرى، بعد أن أعلن الكثيرون نهاية عصرها، إلى المقدمة. فقط أنظر إلى ما حدث في الأرجنتين وصربيا وإندونيسيا وفنزويلا والإكوادور وبوليفيا، وما يحدث في الأراضي الفلسطينية وعلى ساحة المقاومة العراقية. فقط أنظر إلى ما حدث في سياتل وجنوة وفي الحركة ضد الحرب.

ثانيا، في الثورة الروسية لم تكن الجماهير كتلة غير متجانسة، بل كانت لها قيادة طبقية واضحة: الطبقة العاملة. وفي روسيا المتخلفة كانت الطبقة العاملة أقلية بالنسبة لعدد السكان. وكانت حديثة التكوين. لكن وضع التوازن السياسي وطبيعة تكوين الطبقة العاملة ودورها الاجتماعي عموما وخصوصية نشأتها الروسية (ما يطلق عليه تروتسكي التطور المركب واللا متكافئ) جعلتها أولا قادرة وثانيا عازمة على خوض غمار المعركة الطبقية للاستيلاء على السلطة. والآن نسمع الكثير عن الطبقة العاملة. نسمع أنها غير موجودة في مصر وفي دول العالم الثالث لأن الرأسمالية والبرجوازية لم يتطورا كنسخة كربون من الغرب. ونسمع أنها انتهت لصالح الطبقة الوسطى. ونسمع أنها دجنت. بل ونسمع أنها غير راغبة في التغيير.

وبالنظر للطبقة العاملة إبان ثورة أكتوبر والآن لابد وأن نلاحظ العديد من التغيرات سواء في ثقل العمال الصناعيين وفي طبيعة عملية الاستغلال والتطور التكنولوجي للرأسمالية الذي ينعكس على علاقات العمل إلى جانب نمو قطاع الخدمات والقطاع المالي غير المعهود. لكن الأكيد هو أن هذه الطبقة لم تنقرض ولم تختف بل زادت حجما وتأثيرا ونفوذا. طبقة العاملين بأجر الذين يتعرضون لنزح فائض القيمة, وتتناقض مصالحهم استراتيجيا مع البرجوازية (أنظر للطبقة العاملة التي أضافها النمو الاقتصادي الهائل في شرق آسيا على سبيل المثال). بل إن هذه الطبقة لم تترك الساحة السياسية أصلا ومازالت تكشف عن قوتها وقدرتها وأسلحتها في مناسبات عدة. (إضراب فرنسا في 1995 ومعركة قانون العمل الأخيرة العام الحالي هناك، وإضرابات كوريا الجنوبية التي أسقطت الديكتاتورية، والعديد من الإضرابات العامة في جميع أنحاء المعمورة). وفي كل مواجهة من المواجهات الشعبية من أجل الديمقراطية في أمريكا اللاتينية وغيرها كان العمال في المقدمة. المعركة الطبقية التي مثلتها ثورة 1917 بالتالي معركة قابلة للتكرار بل صارت الحاجة لها أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

ثالثا، كانت تجربة الجماهير العمالية والشعبية الكادحة في روسيا الثورية واحدة من أعمق التجارب الديمقراطية في التاريخ الإنساني حتى الآن. ديمقراطية تعطي للشعب مصيره بحق في يده إذ تجمع بين السياسة والاقتصاد بشكل لم يوفره نظام لا قبلها ولا بعدها. الديمقراطية التي بزغت شمسها مع الثورة الأولى في فبراير 1917 وجدت جذورها في المصانع والمجتمعات المحلية. وأسس الملايين من العمال والمدرسين والطلبة والجنود وغيرهم لجانا في كل المواقع لتكون هذه المؤسسات الديمقراطية الأولية مقدمة لتأسيس المجالس العمالية (السوفييتات). في هذه اللجان الانتخاب هو القاعدة الأساسية في كل المستويات (مع حق استعادة المنتخبين وتغييرهم في أي وقت) منتجة بذلك أكبر "انفجار" للديمقراطية الشعبية في التاريخ وهي حقيقة مورست بأوسع نطاق ممكن لتلقي في المزبلة بمزاعم اقتصار الثورة الروسية على تحرك للأقلية.

وفي البداية كان لهذه المجالس دور دفاعي لكن مع مرور الأيام واتجاه المعركة صوب أكتوبر أصبحت المجالس العمالية هي السلاح الأول لصياغة وتنفيذ إرادة الجماهير الديمقراطية. ويمكن الإشارة هنا إلى ما فعلته هذه المجالس بالنسبة للتمييز ضد المرأة وإجراءات حاسمة لإلغاء الفوارق الطبقية وحماية حق التنظيم النقابي وإلغاء التراتبية في الجيش، بل إلغاء مؤسسة الجيش القمعية ذاتها واستبدالها بالميليشيات العمالية. لكن الجانب الأهم هو أن القرار الاقتصادي الإنتاجي في المجتمع صار في يد المنتجين في مواقع الإنتاج. عجلة الإدارة انتقلت بمنتهى السلاسة من أيدي الخبراء إياهم إلى أيدي أصحاب المصلحة.

قارن هذه الديمقراطية بأعتى النظم الديمقراطية في عالمنا المعاصر. ما أبعد هذه الروح وهذا الزخم عن عفن الفضائح والفساد السياسي والاغتراب عن مصالح الجماهير واغتراب الجماهير عن صناعة القرار السياسي الحادث حاليا. وما أبعد هذه الديمقراطية المباشرة الحرة المتجددة عن تجويع الملايين وإبقائهم تحت وطأة البطالة والمرض وتدمير البيئة لصالح قوانين السيطرة الطبقية لحفنة من رجال الأعمال وهي قوانين تصور زورا وبهتانا على أنها أبدية أو فوق طبيعية. بل إنه في كل غليان صغير أو بروفة مصغرة لسلطة الطبقة العاملة نستطيع أن نرى جنين الديمقراطية العمالية حيا يرزق. ليس فقط قدرة العمال على إدارة شئونهم ديمقراطيا بل أيضا قدرتهم على اتخاذ السياسات السليمة لإدارة شئونهم. ولا يقتصر المثل على ذلك على حركة الاستيلاء على المصانع في الأرجنتين بل يمكن أن نستدعي للذاكرة مثل لا يعرفه الكثيرون هو عمال مصنع المصابيح في العاشر الذين سيطروا على مصنعهم وأداروه لصالحهم بل طوروه بنجاح قبل أن يعود صاحبه للاستيلاء عليه.


الحزب

ترافقت الأجواء الديمقراطية التي خلقتها ثورة فبراير، وتعمقها مع تطورات الصراع، مع انشغال الملايين بالسياسة وتحولهم يسارا يوما بعد يوم. صب هذا بمرور الوقت في مصلحة البلاشفة. لكن الأخيرين الذين بنوا حزبهم على مدى سنوات في رحم المقاومة الطبقية العمالية، في مئات وآلالاف الإضرابات العمالية الصغيرة، وفي خضم كل المعارك الطبقية الكبرى التي شهدتها روسيا، هؤلاء كان لهم دورهم. ففي المعركة لا تختفي الطبقة الحاكمة هكذا في طرفة عين بمؤسساتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. بل تخوض الطبقات الحاكمة نضالا مريرا دفاعا عن مواقعها. وفي هذه المعركة كان للبلاشفة بتنظيمهم المركزي الديمقراطي فضل قيادة الطبقة على الأرض. القيادة التي تنبع من أسفل لتكون قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة لضمان الإجهاز على العدو. ومن ثم كان البلاشفة هم الذين خططوا لموعد انتفاضة أكتوبر. ولم تكن لا ديمقراطية المجالس العمالية ولا الحرب البطولية التي خاضها العمال الثائرون دفاعا عن نظامهم الجديد ممكنة بدون كوادر البلاشفة وتضحياتهم.

والآن مع بزوغ الحركة المناهضة للحرب والرأسمالية عاد سؤال الحزب مرة أخرى. وداخل الحركة يهاجم الكثيرون الأحزاب الثورية على النمط البلشفي من منطلق أنها معادية للديمقراطية بطبيعتها لدرجة أن بعض هؤلاء يصمون الثورة الروسية نفسها بأنها انقلاب للأقلية البلشفية. لكن تطور الحركة العالمية وتطور هذا الجدل داخلها بين أنصار الحزبية وأعدائها يؤكد بوضوح أن الواقع لا يعمل في مصلحة الأوائل. فتطوير الحركة وتعميقها وتجذيرها وتوسيعها للمزيد من الأنصار والأعضاء أصبح يفرض وجود الحزب الثوري الذي ينطلق من نضالات الجماهير وينظمها.


الأممية

كان شعار "يا عمال العالم اتحدوا" شعارا رئيسيا في الثورة الروسية. بل ودافع قادة البلاشفة مرارا وتكرارا عن أن الثورة العالمية ضرورة لاستمرار ونجاح الثورة الروسية. الأكثر من ذلك هو أن الثورة الروسية إنحدرت بالضبط بسبب فشل الموجة الثورية التي ألهتمها في ألمانيا والمجر وبريطانيا. الأممية التي رفعت شعارها ثورة أكتوبر لم تعد الآن فقط ضرورة سياسية بل صارت إمكانية أوضح بكثير. تعالوا ننظر للمستغَلين حول العالم. كلهم بلا استثناء صاروا يعانون نفس المشاكل تقريبا. ونفس السياسات (سياسات إجماع واشنطن لتحرير الأسواق وسيطرة اليد الخفية والسافرة لرأس المال) تطبق في كل مكان تقريبا. هذا الوضع خلق تقاربا أمميا تاريخيا بين مصالح المضطهدين في العالم كله.

بل إن نمو الشركات العابرة للقوميات الذي تغزو كل يوم بقعة جديدة في العالم صار يجسد وحدة مصالح عمال العالم كما لم يحدث من قبل. وقبل سنوات قليلة خاض عمال رينو الفرنسية في بلجيكا إضرابا تضامنيا مع عمال أحد مصانع الشركة الذي أغلق في فرنسا، ونفس الشيء حدث في إضرابات لعمال جنرال موتورز التي كانت وقتها أكبر شركة عابرة للقوميات في العالم. عولمة رأس المال جعلت شعار "يا عمال العالم اتحدوا" أكثر إلحاحا وأعلى إمكاناً. وعلى غير الحال وقت ثورة أكتوبر حينما كان العالم يعرف بأنباء ما يحدث بعدها بأسابيع الآن يشاهد الناس الثورة على الهواء بما في ذلك من إلهام ثوري جبار. بل تستخدم الحركات الاجتماعية هذا التقارب الإعلامي الثوري لتنظيم المستغَلين والمحتجين على نطاق عالمي كما تجسد في مظاهرة الخامس عشر من فبراير عام 2003 ، التي شارك فيها الملايين من جميع أنحاء العالم على شعار واحد ولهدف واحد.

"ثورة أكتوبر كانت باختصار ذروة حركة جماهيرية هائلة، قادها نحو السلطة حزب طليعي مندمج بالجماهير، حزب كان يتطلع قبل كل شيء لتحقيق مطالب السكان الأكثر إلحاحا في حين يتطلع إلى أهداف اشتراكية عالمية وقومية أشد اتساعا" وعلى حد وصف مكسيم جوركي الكاتب والأديب الروسي فهي رصيد لـ"كل من يرى بشرف أن تطلع البشرية المتعذر كبته إلى الحرية والجمال، وحياة يوجهها العقل، ليس حلما بلا جدوى، بل قوة حقيقية يمكنها، بذاتها، أن تخلق أشكال حياة جديدة – أنه بحد ذاته رافعة يمكن أن تحرك العالم". وياله من تطلع يفرض نفسه علينا الآن وفورا.

*نشرت في جريدة الاشتراكي في نوفمبر ٢٠٠٦